الرئيسية | الوطن الثقافي | وليد عبد الحي - منظور عربي للداروينية الاجتماعية

وليد عبد الحي - منظور عربي للداروينية الاجتماعية

بواسطة
حجم الخط: Decrease font Enlarge font
image

أ.ذ . وليد عبد الحي

استوقفتني دراسة مطولة للباحث السعودي سعد الصويان تحت عنوان "ملحمة التطور البشري " (2013)،والسمة العامة لهذه الدراسة أنها مساهمة في محاولة تطبيق نظرية "التطور" بمقولاتها البيولوجية الداروينية على الميادين الأخرى مثل البيئة والاقتصاد والثقافة(من خلال الدين واللغة) والبنيات الاجتماعية بأنساقها المختلفة.ويمكن القول بأن الفكرة المركزية -التطور عبر آليات التكيف- متوافرة في العديد من الدراسات العربية والأجنبية ولكن بشكل متناثر، وما يميز هذه الدراسة هو محاولة إيجاد نوع من التطابق النسبي بين مختلف ميادين الحياة والكون في قانون التطور عبر ميكانيزمات التكيف، كما أن الباحث حاول أن يتلمس بعض ما يسند اطروحته في الأدبيات العربية ناهيك عن الاطلاع الواسع على أدبيات الموضوع الأجنبية. وقد حاول الباحث أن يؤسس في اتجاهه العام لفكرة الانفتاح الثقافي والحوار الحضاري استنادا إلى ان مهمة العالم هي " التحليل لا التحريم،والفهم لا التقويم..,وان التغير في كل شيء ، والتباين والاختلاف أمور طبيعية حتمتها ضرورات التكيف مع بيئات مختلفة".
يقع متن الدراسة في 1022 صفحة(الف وإثنان وعشرون صفحة)، توزعت على ستة أجزاء(لم يقسم الباحث الدراسة على اساس الابواب أو الفصول،بل ترك العناوين دون صفة)،ويتحدد هدف الدراسة في دعوة الباحث من خلال الانثروبولوجيا إلى النظر إلى أن " الاختلافات بين الأمم والتغيرات الاجتماعية والثقافية ليست أمورا مقلقة تبعث على الخوف،ويجب التحول في النظرة لها من محاولة إدانة إلى محاولة تفسيرها وتقبلها كامور طبيعية والتعامل معها بعقلانية". ويبدأ الباحث بتطور النقاش حول عمر الأرض، بدءا من قراءة النصوص القديمة ومساهمة الجيولوجيين ثم الانثروبولوجيين في النصف الثاني من القرن التاسع عشر،وصولا "للقى والأحافير" وانتهاء بقياس الكربون المشع-214. ويستعرض بعد ذلك نشوء الحياة وتطورها(بمرجعية داروينية تامة)،على اعتبار ان عمرالارض ما بين 4 و 5 مليار سنة، وبدات الحياة باتحاد الهيدروجين والكربون ليتتابع الترابط وصولا لمركب عضوي،وليعزز من قوة حجة هذا المنظور فإنه يستعرض محاولات إنشاء "حامض أميني" الذي هو اصل الحياة في المختبرات المعاصرة، ثم يوازي بين مسألتين هما تطور الحياة من ناحية والأزمنة الجيولوجية من ناحية أخرى عبر حقب أربعة.
ويبدأ الباحث بعد ذلك بدراسة الأحافير مركزا على "القردة والسعادين" ثم دراسة "الرئيسيات البدائية" وتطور القردة المختلفة،ثم دراسة البشريات عبر تتبع التطور من "البشريات البائدة إلى الإنسان المنتصب فالأنسان العامل" ،ويبدأ الربط بين التطور البيولوجي للإنسان وبين تطوره الاجتماعي والثقافي ليصل لاستنتاجات محددة هي أن الثقافة مكتسبة ، وهي نتاج اجتماعي ،ومشتركة، وانتقائية،ومتكاملة ،وتطورية، ومتنوعة ومتغيرة. ثم يبدأ بدراسة الخلايا والوراثة(مستفيدا من نظريات منديل)، فيدرس الإيكولوجيا الطبيعية، ثم آليات التكيف مع الطبيعة ودورهما -البيئة والوارثة- في تطور الأجناس ، ويوظف ذلك لفهم الإيكولوجيا الثقافية، أي تأثير البيئة على الثقافة،ويحاور منتقدي هذه النظرية موليا أهمية خاصة لنظريات فرانس بواز. وينتقل الباحث إلى العصر الحجري ويتتبع تطور آلات الإنسان من الفأس ثم الحجر المصقول في العصر الحجري الحديث،وهنا يشير لبداية ظهور الفن عبر صناعة القلائد والحلي والرسوم في الكهوف، ثم ينتقل لظهور الزراعة(مركزا على منطقة الأمازون) ويناقش عددا من النظريات في هذا المجال(نظرية تشايلد-فرضية الواحات- وظهور التدجين والتي يوليها الاهتمام)، ثم يدرس نظريات روبرت بريدوود وروبرت آدمز ،ثم يتتبع استخدام الحبوب واللحوم مع مرحلة الصيد. ويتتبع اتساقا مع ما سبق ظهور المدن(مركزا على بلاد الرافدين)،محاولا تفسير ظهور المدن(لاسباب تقنية واقتصادية) معتبرا الالف السادس قبل الميلاد نقطة انطلاق التجارب الأولى للزراعة والتي عرفت النقلة الكبرى لها بظهور المحراث والعجلة واستئناس الحيوان.ثم ينتقل لدراسة تطور التعدين ويربطه بظهور المدن التي اعتبر ظهور المعابد(للعبادة وتخزين الغلال) أول مؤشراتها،ثم ظهور نواة السلطة والدولة(مشيرا إلى سومر وأكد)، ويناقش أغلب النظريات المعروفة في تطور الدول، ليؤسس بذلك لمناقشة الفكر الاقتصادي بدءا من اليونان(موليا اهمية لارسطو) وصولا لبداية تبلور فكرة أن الفرد قادر على "اكتشاف الحقيقة دون وحي".،كما يناقش النظريات التي تحاول تفسير الظاهرة الدينية سواء النفسية أو الانثروبولوجية،ويركز كثيرا على موضوع "الطوطمية" ويربط تطور ذلك مع التطور في كافة الأنساق الأخرى بل والعادات الاجتماعية مستفيدا من دراسات وليم روبرتسون سميث على الحياة الدينية العربية.ويدرس الاقتصاد الكلاسيكي ليعود ليربط النظريات النفسية بالشعور الديني(وهنا يبدو لي وكأن الباحث لم يراجع تنظيم الفصول ،فكان أولى- في رأيي- أن تاتي دراسات نظرية الغصن الذهبي لجيمس فريزر ودراسة اللغة ونظم القرابة قبل الجزء الخاص بالاقتصاد الكلاسيكي وكارل ماركس ، ليمهد للجزء الأخير الخاص بالانتقال نحو النظرية البنيوية). وقد تتبع الباحث المفهوم الانثروبولوجي للدين في حوالي ربع الدراسة(من صفحة 491-738)،فيبدأ من اكسنوفانس الأغريقي وينتهي عند فريزر وفرويد ودوركهايم، لينتقل لتناول تطور اللغة وفهمها من خلال دراسات شتراوس ودي سوسير وياكسون،مركزا على دور اللغة الانثروبولوجي باعتبارها"إطارا"، فيتم التركيز على بنية اللغة واعتبارها " نظاما رمزيا" ليصل إلى دراسة نظم القرابة بكل ما ارتبط بها. واشكال الزواج ..الخ .
لقد وضع الباحث لنفسه فرضية ضمنية وهي أن نظرية التطور بمقولاتها الكبرى في التكيف والتغير يمكن تلمسها في كافة مناحي الحياة وتطورها،وأعتقد أن نسبة التزام الباحث بهذه الفرضية لا تقل عن 70% من الدراسة،ورغم ان الباحث جزأ الموضوع إلى ما هو طبيعي( الكون والطبيعة) وما هو اجتماعي وإنساني(الدين واللغة والنظم السياسية والاجتماعية) إلا انه نجح في تكثيف موضوع التفاعل بين البعدين،مما جعله بعيدا عن المنهج التجزيئي(Reductionism) واقرب للمنهج الكلاني(Holism)،جاعلا من فكرة التطور عبر التكيف وحدة تحليله، وقد استعان الباحث بكل ما جادت عليه المكتبة من مراجع أصيلة في مختلف الموضوعات التي تناولها، لكنه - إلى حد ما- تجاوز كافة الدراسات التي انتقدت نظرية التطور الداروينية ، كما أن بعض الأجزاء كانت تتضمن إغراقا في موضوعات توحي وكأن الباحث أسير جذب إنثروبولوجي ، مما كان يرهقني كقارئ في الربط بين الموضوع الذي يناقشه وفكرة الكتاب، رغم أن الباحث يبرر ذلك برغبته في إطلاع القارئ العربي على هذه الأفكار(صفحة 23).
وقد استعان الباحث ييعض الرسوم والاشكال لتوضيح بعض ما ورد من افكار وآراء،ولكن أغلب هذه الرسوم هي رسوم معهودة توجد في اغلب المراجع الخاصة بنظرية التطور وبخاصة الجانب البيولوجي.
لكن ذلك لا ينفي أن الباحث تمكن من عرض موضوعه بقدر كبير من الجهد العلمي،واعتقد انه عرض موضوع التطور عبر التكيف بشكل متسق نسبيا لولا أن الاجزاء الأخيرة لاسيما الخاص باللغة والطوطمية جاءت وكأنها منفصلة عن الجزء الأقرب لمضمونها مثل : استراليا مهد الطوطمية، والطوطمية عند الشعوب السامية.واستخدم الباحث منهجا مقارنا على صعيدين، مقارنة الفكر بين مفكر وآخر، ومقارنة الظاهرة عبر الزمان(قبل وبعد التغير) وعبر المكان( بين بيئة معينة وأخرى)، وهو ما ساهم في توضيح فكرة العلاقة بين البيئة والتغير والتكيف وبالتالي التطور.
أما التوثيق ،فكان دقيقا، فقد حدد الباحث في بداية دراسته الاسلوب الذي اتبعه في التوثيق،مما يسهل على القارئ متابعة مراجع الدراسة أو العودة لها .
 

شوهد المقال 2101 مرة

التعليقات (0 تعليقات سابقة):

أضف تعليقك comment

  • أرسل إلى صديق أرسل إلى صديق
  • نسخة للطباعة نسخة للطباعة
  • نسخة نصية كاملة نسخة نصية كاملة
طالع أيضا
image

جابر خليفة جابر ـ ثقوبُ عار – أكاليلُ غار قراءة في " ثقوب عارية " للروائي علي الحديثي

جابر خليفة جابر    يُصنفُ هذا العمل ضمن الروايات القصيرة إذ تتكون من 73 صفحة موزعة على 11 مقطعاً. ويتخذُ الحدث فيها مساراً
image

محمد هناد ـ آخر خرجة : «نداء الوطن» !

د. محمد هناد  بعد واقعة تعديل قانون الجنسية، ها هي السلطة تطالعنا بمسعى جديد لن يأتي لها إلا بمزيد من الجفاء. يتعلق الأمر بإنشاء «تحالف» (مع
image

جباب محمد نورالدين ـ هل يضحكون على الشعب هذه المرة ؟

د. جباب محمد نورالدين  لا أعلم إذا كان، هذه المرة، يضحكون على الشعب مثل بقية المرات، فقد قالوا له سابقا يجب ان تقدم التضحيات
image

العربي فرحاتي ـ نخب انتهازية طور التكون ..في مهمات قذرة...

د. العربي فرحاتي  في غياب دولة الحق والقانون والعدالة والحرية ..من الطبيعي أن يكون لكل مرحلة سياسية استبدادية انتهازيوها كحال نظامنا الجزائري..فكان لمرحلة شعار "من الشعب
image

رضوان بوجمعة ـ العقل السياسي وبناء التحول الديمقراطي

د. رضوان بوجمعة  الجزائر الجديدة 198 يواصل الجزائريون والجزائريات مسيرتهم السلمية من أجل إخراج الجزائر مما هي فيه، المسيرة بدأت منذ أكثر من عامين، وهدفها الأساسي
image

عادل السرحان ـ البراحة

عادل السرحان                في البراحة شجرة يقطين تزحف الى النهر نخلتان لنا وأخرى لجارنا عضتني أمي بأسنانها الجميلة يوم تغيبت عن المدرسة تحت إحداها وكل البلابل التي
image

مولود مدي ـ الإقتصاد الريعي في خدمة النظام السياسي الجزائري

مولود مدي  من أحد الأدوات الأساسية التي استعملتها السلطة في تشديد السيطرة على المجتمع: احكام القبضة على السوق الوطنية للسلع والمواد الإستهلاكية الأساسية، ومراقبة سوق العمل.ولهذا
image

عادل صياد ـ نخب بين " ثورية ، انتهازية ، جبانة "

عادل صياد   في هذه اللحظات التاريخية المفصلية والحاسمة، التي يصنع ملحمتها الشعبُ الجزائريُّ العظيم منذ اندلاع ثورة 22 فيفري 2019، وما تلاها من أحداث ومحطات، تشكّلت
image

نصرالدين قاسم ـ في الجمعة 107 السلمية تحاصر السلطة

نصرالدين قاسم إصرار السلطة على التدليس بقصد التدنيس، والاعتقالات والتجاوزات لقمع المسيرات ووقف الاحتجاجات، كشف عوراتها وفتح عليها جبهات جديدة ما لها عليها من سلطان، بدأت
image

فوزي سعد الله ـ مصير غاز الجزائريين في المياة الغربية للبحر المتوسط

فوزي سعد الله  عندما تُقرع طبول الحروب لن يفيد صم الآذانجزء هام من مستقبل الجزائريين يُلعب في مياه البحر المتوسط الغربية حول حقول الغاز البحري قرب

:

لا توجد مدونات لهذا الموضوع

قيم هذا المقال

0
Free counter and web stats