الرئيسية | الوطن الثقافي | عماد البليك - طمبل والبحث عن حقيقة الذات

عماد البليك - طمبل والبحث عن حقيقة الذات

بواسطة
حجم الخط: Decrease font Enlarge font
image

 

 

عماد البليك
 
 يشار إلى الشاعر السوداني حمزة الملك طمبل، بوصفه أحد الذين فكروا باكرا في مشروع السودانوية، والبحث عن صورة للأدب السوداني تختص به، وهو أسلوب يجاري زمانه في شأن خصوصية الأدب وتمثله للثقافة الشعبية والحياة في المجتمع المعين، ويشار هنا إلى كتابه الذي صدر مبكرا في العشرينيات بالقاهرة بعنوان "الأدب السوداني وما يجب أن يكون عليه". وهو محاولة مبكرة جدا في شأن إعادة قراءة الشخصية السودانية والبيئة والإنسان وتفاعلات كل ذلك مع التاريخ المتراكم إلى لحظة الدولة الاستعمارية وما قبلها من زمني المهدية والتركية.
يرى عبد المنعم عجب الفيا في دراسة له بعنوان "طمبل والتأسيس للأدب السوداني الحديث" (الرأي العام / 21 سبتمبر 2011) أنه راهن على "الصدق والمباشرة في التعبير عن التجارب الشعرية" وعزا ذلك إلى "إيمان طمبل ان الشعر صورة حقيقية لنفس الشاعر ومجموعة صور نفوس أدباء الأمة تتكون منها صورة حقيقية لنفسيتها"، ويمضي للتأكيد: "ومن هنا برزت دعوة طمبل إلى أدب سوداني يحمل مكونات الانسان السوداني وخصائصه".
فالأساس أن ثمة انشغال بالذات والوعي بها وتفكيكها بل تحديدها من جديد بناء على المناظير الأدبية والإبداعية، لاسيما في روح الشاعر، بإعتبار أن الشعر كان الملمح الأبرز في الثقافة السودانية في تلك الفترة المبكرة من بناء الدولة الحديثة، وإذا كانت ثمة اشتغالات أو اهتمام كبير صب على التيجاني يوسف بشير ومعاوية محمد نور إلا أن طمبل قوبل ببعض التجهيل، بل أن بعضا من غير المنصفين شككوا في مشروعه التجديدي وثمة التباس يتطلب بعض المراجعات لاسيما أن عطاءه كان متنوعا وفيه الجمع بين التنظير والتطبيق.
وقد كان طمبل من الذين مهدوا لمشروعهم الشعري بالتأسيس النقدي، أي التنظير، إذ يرى مجاهد علي أحمد خليفة في دراسة له عن "اتجاهات النقد في مجلتي النهضة والفجر" نشرت بالعدد الأول من مجلة شندي الجامعية في يناير سنة 2004 أن حمزة الملك طمبل سعى لتهيئة الجو لاستقبال تجربته الشعرية الجديدة فى ديوان الطبيعة الذي لم يصدر وقتها فكتب عدة مقالات قبله، وقد أشار لذلك كذلك محمد إبراهيم الشوش في تقديمه لكتابي الأدب السوداني وديوان الطبيعة لطمبل.
هذا المنهج يشير إلى أن التنظير قد يسبق الإبداع، وهي طريقة ابتكارية عند طمبل لم يسبقه إليها أحد تقريبا في مشروع الثقافة السودانية الحديثة، وقد كان يستشعر أن ديوانه "الطبيعة" سوف يكون مثار جدل في مواجهة التيار التقليدي في الشعر السوداني وقتذاك. وجملة المشهد تحفز إلى المراجعات في سياق قراءة تجربة الحداثة المبكرة في السودان ووعي أنساق الحياة الإنسانية في دلالاتها العميقة المرتبطة بالكائن والوعي والمجتمع بشكل كلي، إذ أننا إلى اليوم نكاد نفتقر إلى الربط الشامل والعميق لتأسيسات المشهديات الكبيرة في الفكر السوداني لأن من شأن ذلك أن يساهم في فهم الكثير من أبعاد الراهن في تعقيداته بما في ذلك السياسية والمجتمعية.
إن اهتمام طمبل بالطبيعة في ظل دعوة تنادي بسودانية الأدب كانت تشير إلى أن المكان له دور في تشكيل المحفزات الذهنية لفهم الذات، إذ أن الطبيعة لا يمكن أن تعزل عن شكل الحياة ونسقها العام فالطبيعة هي التي تمنح خواص الإنسان وتشكل الكثير من مركبات وعيه وفكره، وهذا جلي جدا في أن الإنسان ابن الصحراء يختلف في ذهنيته عن ابن الغابة والثلوج وهكذا.
وبغض النظر عن الاتجاهات التي ترى أن طمبل تأثر سواء بمدرسة الديوان في مصر أو التيار الرومانتيكي الغربي والمشرقي، إلا أن الرجل كان له هويته الخاصة في استلاف ما يشبه البيئة السودانية ولم يكن ينزح إلى التقليد، خاصة إنه التزم القوالب الشعرية التقليدية والأوزان ولم يتجه إلى الغنائية أو الشعرية الافتعالية، وقد اشتهر عنه اهتمامه بالموضوع/ المعنى لا الشكل / المبنى. كما أنه عالج بالنقد الموضوعي جدليات في المجتمع السوداني مثل مشهد الحاوي وظاهرة الوداعيات وغيرها، في شعر لا يخلو من السخرية والطرافة.
إن الرومانتيكية عنده يمكن أن تلمح في أمرين، أولهما الاهتمام بشعر الطبيعة والبعد الثاني في البعد الروحاني والذهني للرومانتيكية المتمثل في الاتجاه نحو التغريب والشك، وهذا واضح مثلا في قصائد مثل "سأم قاتل" والتي يقول فيها:
سئمت نفسي الحياة وملت
وكذا الحر في زماني يسأم
لا أري أينما أقبل وجهي
غير قيد من النفاق تحكم
ووجوه سحقا لها من وجوه
ورؤوس أخرى بها أن تهشم
وأناس ما بين غر جهول
وسفيه على الكرام تجهم
وحفاة من الورى وجياع
ليس في الناس من يرق ويرحم
إن شر الدواب من لا يفهم
والذي لا يرى الأصم الأبكم
هو حال إرادة الله للناس
لأمر به المهيمن أعلم
لا رجـاءٌ فـي مـن «تَفرنجَ» مـنّا
لا ولا فـي أخي القـديـم الـمعـمَّم
طـال تـمـثـيلُنـا الشقـاءَ على الأَرْض
فحتّى متى الروايةُ تختم
ومتى تُسدَل الستـارةُ والأَرْض
بـمـن فـوق سطحها تتحطّم؟!
هذا التيار الذين قد يشك أحيانا في انتمائه للرومانتيكية فيه شيء من العدمية وربما الإحساس باللاجدوى أو اللاانتماء المبكر في صلب مشروع المثقف السوداني الذي بدأ يحس بالخيبة والظنون جراء الواقع، في اللحظة التي يجد فيها أن الأشياء لم تكن كما تصورها أو خطط لها، لكن مهما كان حجم الخيبات فإن الأثر يبقى ظلا عظيما للأجيال المقبلة، فها نحن اليوم نقف عند هذه الآثار ونتأمل فيها بل نحاول من خلالها أن نفهم تعقيدات اللحظة التاريخية التي نعيشها.
وقد انتبه طمبل لفشل مبكر لمشروعي القبعة (الطربوش) و(العمّة)، أي أن الجديد المتفرنج الذي يمثل تيار التحديث في الحياة السودانية لم يحمل الرجاء ولا الأمل ولا التحرر، كما أن القديم المتوارث كناية عن العمامة في تمثلاته، لم يقدم أو يخدم كذلك، لتكون النتيجة هي السأم القاتل الذي يشعر به الإنسان خاصة إذا كان له ذهن وعرفانية يحاول بها الاقتراب من المعاني وفك اشتباكات الراهن.
وبهذه الصور فكأن الأزمات هي قائمة لم تبارح مكانها وكأن قرن من الزمان لم يفرز سوى القليل من الإبداعية والتجدد، وهو ما يفتح الطريق والمشوار باتجاه المزيد من المراجعات. وهي ليست مجرد نقل ولصق فالجامعات بها كثير من الدراسات غير المنشورة لكنها تفتقد أغلبها للحيوية والاستنطاق المستقبلي والبعد الجديد في المناهج القرائية، بحيث تكتفي بالحصر والفهرسة والتذييل، وهو وعي تقليدي لم يبارح الأزمة لأنه لم ينظر إليها من خارجها.
إن أسئلة مبكرة كالتي طرحها طمبل عن الإنسان والأدب والسودان، وعن الطبيعة وكيف لها أن تشكل جزءا من مشهدية الانتصار للذات في إطار وعي المكان فلسفة وحكمة، كذلك البعد الروحي في الشرود الذهني أحيانا الذي يعبر القلق المثير باتجاه الواقع. كل ذلك يتطلب المزيد من القراءة والتقليب.
 
emadblake@gmail.com
 

 

شوهد المقال 1480 مرة

التعليقات (0 تعليقات سابقة):

أضف تعليقك comment

  • أرسل إلى صديق أرسل إلى صديق
  • نسخة للطباعة نسخة للطباعة
  • نسخة نصية كاملة نسخة نصية كاملة
طالع أيضا
image

جابر خليفة جابر ـ ثقوبُ عار – أكاليلُ غار قراءة في " ثقوب عارية " للروائي علي الحديثي

جابر خليفة جابر    يُصنفُ هذا العمل ضمن الروايات القصيرة إذ تتكون من 73 صفحة موزعة على 11 مقطعاً. ويتخذُ الحدث فيها مساراً
image

محمد هناد ـ آخر خرجة : «نداء الوطن» !

د. محمد هناد  بعد واقعة تعديل قانون الجنسية، ها هي السلطة تطالعنا بمسعى جديد لن يأتي لها إلا بمزيد من الجفاء. يتعلق الأمر بإنشاء «تحالف» (مع
image

جباب محمد نورالدين ـ هل يضحكون على الشعب هذه المرة ؟

د. جباب محمد نورالدين  لا أعلم إذا كان، هذه المرة، يضحكون على الشعب مثل بقية المرات، فقد قالوا له سابقا يجب ان تقدم التضحيات
image

العربي فرحاتي ـ نخب انتهازية طور التكون ..في مهمات قذرة...

د. العربي فرحاتي  في غياب دولة الحق والقانون والعدالة والحرية ..من الطبيعي أن يكون لكل مرحلة سياسية استبدادية انتهازيوها كحال نظامنا الجزائري..فكان لمرحلة شعار "من الشعب
image

رضوان بوجمعة ـ العقل السياسي وبناء التحول الديمقراطي

د. رضوان بوجمعة  الجزائر الجديدة 198 يواصل الجزائريون والجزائريات مسيرتهم السلمية من أجل إخراج الجزائر مما هي فيه، المسيرة بدأت منذ أكثر من عامين، وهدفها الأساسي
image

عادل السرحان ـ البراحة

عادل السرحان                في البراحة شجرة يقطين تزحف الى النهر نخلتان لنا وأخرى لجارنا عضتني أمي بأسنانها الجميلة يوم تغيبت عن المدرسة تحت إحداها وكل البلابل التي
image

مولود مدي ـ الإقتصاد الريعي في خدمة النظام السياسي الجزائري

مولود مدي  من أحد الأدوات الأساسية التي استعملتها السلطة في تشديد السيطرة على المجتمع: احكام القبضة على السوق الوطنية للسلع والمواد الإستهلاكية الأساسية، ومراقبة سوق العمل.ولهذا
image

عادل صياد ـ نخب بين " ثورية ، انتهازية ، جبانة "

عادل صياد   في هذه اللحظات التاريخية المفصلية والحاسمة، التي يصنع ملحمتها الشعبُ الجزائريُّ العظيم منذ اندلاع ثورة 22 فيفري 2019، وما تلاها من أحداث ومحطات، تشكّلت
image

نصرالدين قاسم ـ في الجمعة 107 السلمية تحاصر السلطة

نصرالدين قاسم إصرار السلطة على التدليس بقصد التدنيس، والاعتقالات والتجاوزات لقمع المسيرات ووقف الاحتجاجات، كشف عوراتها وفتح عليها جبهات جديدة ما لها عليها من سلطان، بدأت
image

فوزي سعد الله ـ مصير غاز الجزائريين في المياة الغربية للبحر المتوسط

فوزي سعد الله  عندما تُقرع طبول الحروب لن يفيد صم الآذانجزء هام من مستقبل الجزائريين يُلعب في مياه البحر المتوسط الغربية حول حقول الغاز البحري قرب

:

لا توجد مدونات لهذا الموضوع

قيم هذا المقال

0
Free counter and web stats