الرئيسية | الوطن الثقافي | مخلوف عامر - خديعة الوسطية والاعتدال

مخلوف عامر - خديعة الوسطية والاعتدال

بواسطة
حجم الخط: Decrease font Enlarge font
image

 

د.مخلوف عامر 
 
 
كانت الوسطية دوما من الثوابت في سياسة النظام الجزائري وسائر الأنظمة العربية . أنظمة اختارت عدم الانحياز ، والطريق الثالث ، والاشتراكية . ولكنها اشتراكية جزائرية أو عربية أو خاصة أو متميزة . بمعنى أنها أنظمة تتمترس في الوسط " لا شرقية ولا غربية " فهو طريق لا لوْن له ولا طعم ولا رائحة .
كان للنظام دوما قدرته العجيبة على شد شعرة معاوية لإقامة توازن وهْمي مؤقت بين من يبدون له متطرفين . فهو تارة يغضُّ الطرف عن التيار اليساري ليمارس نشاطاته ، وتارة أخرى يواجهه بالقمع ليُرخي الشعرة باتجاه التيار الديني ، وهناك في الحاليْن خط أحمر لا يمكن تجاوزه.
ومازال الخطاب الرسمي يجتر لغة الوسطية والاعتدال، فالجزائر لا يمكن أن تصبح خلافة إسلامية ولا دولة علمانية ، وإنما هي جمهورية جزائرية ديمقراطية شعبية وكفى . إنه خطاب استعلائي يدعي الحكمة والتعقل ليعلو فوق كل الخطابات ، وهو ينبذ التطرف من حيث أتى ليجمع كل الناس باسم وحدة التراب والشعب والوطن ، ولكن بروح أبوية تتقاطر شعبوية .
عندما يجري الحديث عن الاستعمار وخاصة بالنسبة للذهنيات الجزائرية ينصرف التفكير مباشرة إلى الاستعمار الفرنسي ، وعندما شاع الحديث عن الامبريالية في العهد السابق ،كان الذهن ينصرف مباشرة إلى الولايات المتحدة الأمريكية، بينما تبقى بريطانيا دوما في الظل مع أنها أخبث استعمار عرفه التاريخ وكان لها السبق في زرع إسرائيل المشؤومة، وهي التي احتضنت أكثر الحركات الإرهابية تطرُّفا خلال الحرب الباردة. 
فأما أمريكا فقد أصبح تاريخها حافلا بما اقترفته من جرائم ومآس في حق الشعوب ، ويكفي أن نستحضر القرن العشرين لنتذكر هيروشيما وناكازاكي وبعدها إيران وكوبا وقواتيمالا وكوريا والفيتنام وأفغانستان والعراق ، هذا بصرف النظر عن تدخلاتها السافرة في ترتيب الانقلابات وابتزاز خيرات المعذبين في الأرض .
فإذا كانت تغزو العراق بهمجية مفرطة ، فإن ذلك من طبيعة هذا النظام الذي لا يراعي القيم الإنسانية ولا المعالم الحضارية النادرة ، حتى إن وقاحة الذين يدبِّرون هذه الإبادة الوحشية من أمريكيين وإنجليز صاروا يتحدثون منذ البدء عن اقتسام الغنيمة . إنهم لا يبالون بالأصوات التي تحتج عليهم عبر العالم في مسيرات ومظاهرات وبيانات سواء أكانت هذه الأصوات من الناس العاديين أو من المثقفين .
ولكن هل يدعو الموقف إلى اللوم والعتاب ، أم أن الجشع الرأسمالي والطبيعة التوسعية لأي استعمار تؤدي حتما إلى هذه الممارسات ؟ 
التقت الأنظمة العربية المتداعية في لغة واحدة "المؤامرة الخارجية " والعناصر المدسوسة ، لتكرس سياسة التخوين . وكأن هذه الأنظمة الأمنية الحديدية بقيت طيلة هذه المدة الطويلة تتفرَّج على العناصر الدخيلـة . وهي بقدر ما تلصق الخيانة بالمعارضة ، بقدر ما تحتكر لنفسها صفة الوطنية والتفاني في خدمة الوطن . غير أنه بمراجعة سريعة نجدها على مدى عقود كانت هي التي تستجلب الدخيل وتفرش للغزاة ما يمهد لهم طريق الدخول . أو كما قال الشاعر " عبد الله البردوني " :
((حكَّامنا إن تصدّوا للحمى اقتحموا وإن تصدى لها المستعمِر انسحبوا
هم يفرشون لجيش الغزو أعينهم ويدَّعون وثوبـا قبل أنْ يثِبـوا))
فلا شعب يُستعمَر إذا لم تكن لديْه قابلية للاستعمار ، وإذا لم يجد هذا الأخير ثغرة منها ينفذ إلى الداخل . فأما وأن الحديث عن أنظمة عربية ليس لها أي مشروع مجتمعي في الأفق ، فإن وجودها واستمرارها ارتبط أصلا بالآخر ، وهي مستعدة - كما كانت دوما – لأن تحرق الأخضر واليابس في سبيل بقائها .
هذه الوسطية ، وهذا الاعتدال هو الذي صار دعامة أساسية للوجه الجديد من الإسلام السياسي .فالإسلاموين "المعتدلون" كما يدعون استنتجوا بحكم التجربة أن التعجيل بالاستيلاء على السلطة يشكل نوعا من المخاطرة أو الانتحار . لأن الأنظمة القائمة مازالت قوية وبإمكانها أن تقمع أي حركة انقلابية . ثم إننا في مجتمعات استشرى فيها الفساد إلى حد يصعب معه إصلاح الوضع في وقت قصير ولو قُدر للأصولية وأن استولت على السلطة ، فإن الرأي العام سيُحمِّلها تلك التركة الثقيلة وربما أصبح الإسلام نفسه محل اتهام . لذلك هم يفضلون التريٌّث في مسألة الانقضاض على الحكم خاصة وأنه بإمكانهم أن ينجحوا بوسائل ديمقراطية مادام الشعب في غالبيته مؤمنا وأميا وناقما على الوضع القائم ويومها يكون المجتمع أحسن حالا مما هو عليه اليوم . ويبقى حلمهم تطبيق الشريعة . ولكنهم في واقع الحال يعيشون تناقضا يهدم هذه الفكرة من أساسها ، إذ مادام كل هذه الإصلاحات وتهيئة الظروف تتمُّ بوسائل أخرى غير الشريعة فما الحاجة بعدئذ إلى تطبيقها ؟
لطالما انبهر الناس بالثورة الإيرانية لكنها اليوم تُعصر كحبة ليْمون في قبضة المرشد الأعلى ، ظل الله في الأرض ، وصار الرئيس الإيراني نفسه يحمِّس الجيْش اعتمادا على ارتقاب المهدي المنتظر وما يصحب ذلك من أوْهام . 
فأما طالبان فقد مهدوا لمجيئهم بهالة من الخرافات والأساطير لما كانت المقاومة على أشدها ضد الاتحاد السوفياتي بحيث كان يكفي المجاهد الأفغاني أن يرمي حفنة تراب ليُذيب دبابة العدو ، ولم يكتشف العالم - إلا فيما بعد – أن أهم الخيوط الأفغانية إنما تحركها بارونات المخدرات ، وأن ذهنيات قادة طالبان هي من التخلف والانغلاق بحيث جعلت من أهدافها وأولوياتها أن تفجر تماثيل "بوذا" وقد كانت مصدر رزق كثير .
لم يبقّ – والحال هذه – إلا التجربة التركية التي مازالت -كما يبدو تنعش- كثيرا من طموحات الحركات الإسلاموية ، ولعلها تخدع حتى بعض الديمقراطيين والمتنورين . في حين إن لهذه التجربة خصوصياتها وحدودها ، وقد تبدو كما يلي :
1. إن المؤسسات الإدارية والهيئات المنتخبة تُسيَّر بواسطة آليات هي من نتاج الحضارة الغربية وليس للإسلام منها غير التسمية التي لا يجدون المسلمون عناء في إضافتها إلى أي حقل يريدون .
2. إنهم يمارسون الإقصاء والتهميش ضد الأكراد بحيث لا مجال للحديث عن التسامح الإسلامي المزعوم ، ولو كان شعارا يردَّد في سائر المناسبات .
3. تركيا محكومة بعضويتها في الحلف الأطلسي وتسعى للانضمام إلى الاتحاد الأوربي ، وستبقى منشطرة بين تحقيق هذا الطموح وبين طموحها في أن تلعب دورا إقليميا أساسيا في الشرق .
4. إن هذا الوضع يضعها حتما في موقع لا تستقر فيه على موقف مبدئي بقدر ما تلعب فيه على كل الحبال ، إذا كانت تضمن مصالحها .
5. إذا استمر حزب العدالة والتنمية في السلطة وإذا تـمَّ له تحييد العسكر واستبعادهم عن الساحة السياسية ، فإنه من المحتمل جدا على المدى المتوسط أو البعيد أن يجذِّر أيديولوجيته الدينية برؤية أحادية شمولية ترفع شعار "الإسلام هو الحل" و "تطبيق الشريعة " وربما العوْدة إلى القول بالخلافة الإسلامية الضائعة .
خلاصة القول أنْ ليس هناك نموذج يمكن الاطمئنان إليْه، لا في التاريخ القديم ولا في الحديث والمعاصر ، وكل ما هناك شعارات عامة فضفاضة قابلة للتمديد وللتقليص ، صالحة لكل زمان ومكان، أشبه بأسطورة سرير "بروكروست" ، ذلكم الكائن الخرافي الذي كان يقطع الطريق وكلما أمسك بضحية أحضرها ووضعها على سرير لديْه ، فإن وجدها أطول منه قصَّها ، وإن وجدها أقصر مطَّطها لتصبح في كل الحالات مساوية للسرير.

 

 

من كتابي(الكتابة لحظة حياة) دار الحكمة،2012.

 

شوهد المقال 1206 مرة

التعليقات (1 تعليقات سابقة):

مصطفى في 07:24 15.06.2015
avatar
تتكلمون عن تهميش الاتراك للاكراد و نسيتم انفسكم عندما تقلون الوطن العربي انتم تهمشون الامازيغ
السود الاتراك

أضف تعليقك comment

  • أرسل إلى صديق أرسل إلى صديق
  • نسخة للطباعة نسخة للطباعة
  • نسخة نصية كاملة نسخة نصية كاملة
طالع أيضا
image

جباب محمد نور الدين ـ السير في الاتجاه المخالف و المسدود

د. جباب محمد نور الدين  قبل سفري إلى الشرق وإقامتي المؤقتة فيه للدراسة ،كنت قد قرأت عن الاستبداد الشرقي كما وصفه "هيغل" وبعده
image

مكتب الأمم المتحدة لحقوق الإنسان يدعو الجزائر إلى إنهاء استخدام العنف ضد المتظاهرين المسالمين

أعرب مكتب الأمم المتحدة لحقوق الإنسان عن القلق البالغ بشأن تدهور وضع حقوق الإنسان في الجزائر واستمرار وتزايد القمع ضد أعضاء الحراك المنادي
image

عثمان لحياني ـ انتزاع حق التظاهر و أحزاب الحراك في سجون الداخلية

عثمان لحياني  الثورات لا تطلب رخصة، حراك انتزع حق التظاهر انتزاعا، تقر به السلطة الآن بعد أن نجح الحَراك في امتحان العودة الى الشارع.الحراك مثّل مدرسة
image

وليد عبد الحي ـ البابا فرانسيس: هل جئت العراق تطلب نارا ام تشعل البيت نارا

أ.د.وليد عبد الحي التغطية الاعلامية التي حفلت بها زيارة البابا فرانسيس الى العراق اليوم بخاصة من قناة تقدم نفسها على أنها قناة "المقاومة" تكشف
image

نجيب بلحيمر ـ على طريق "استحالة الحكم"

نجيب بلحيمر  الشارع لا يقيم وزنا لما تقوله "نخب" العالم الافتراضي، وحملات الدعاية والتضليل بلا أثر عليه، هذه خلاصة واضحة يمكن أن يراها كل من تابع
image

نوري دريس ـ السلطة الجزائرية واستمرار سياسة الإنكار

د. نوري دريس  للاسبوع الثالث علي التوالي, خرج الالاف من الجزائريين الى شوارع المدن للتعبير عن رفضهم لنمط تسيير الدولة الحالي, والمطالبة بببناء دولة القانون.
image

رضوان بوجمعة ـ استمرار الضغط الشعبي وغياب العقل السياسي

د. رضوان بوجمعة  الجزائر الجديدة 197 دخل الحراك الشعبي السلمي، اليوم، جمعته الثانية من عامه الثالث، ورغم كل هذا الوقت الذي مر، لايزال الإصرار الشعبي من
image

خديجة الجمعة ـ الرحيل

خديجة الجمعة  احتاج إلى الرحيل عن العالم؛ والغوص بالأعماق . أعماق الروح، لأن لاأفكر بأحد، لأن أحب ذاتي ، لأن أعشق وجودي في الكون. نعم قرأت
image

عز الدين عناية ـ الكنيسة في العراق

عزالدين عنايةأعادت الأوضاع المتوترة التي تعيشها منطقة الشرق الأوسط في السنوات الأخيرة، لا سيما في العراق وسوريا، تحريك مسألة الأقليات والطوائف في الأوساط الدينية والسياسية
image

بوداود عمير ـ "أبي، ذلك القاتل" من أدب الإعتراف جرائم فرنسا في الجزائر ثييري كروزي

بوداود عمير  هناك بعض الأعمال الأدبية تبدو مرتبطة "بالذاكرة"، تتضمن شهادات إنسانية مؤثرة، تشرح التاريخ في بعده الأخلاقي والإنساني، من عمق الواقع."أبي، ذلك القاتل": كتاب صدر

:

لا توجد مدونات لهذا الموضوع

قيم هذا المقال

0
Free counter and web stats