الرئيسية | الوطن الثقافي | عماد البليك - اعادة اكتشاف الإنسان في الفكر الحديث (2)

عماد البليك - اعادة اكتشاف الإنسان في الفكر الحديث (2)

بواسطة
حجم الخط: Decrease font Enlarge font
image

عماد البليك 

على مدار التاريخ الإنساني مارس الإنسان أنواعا عديدة من أشكال تحرير البدن من الذات المتعالية التي يمكن أن نسميها روحاً أو عقلا واعيا أو أي شيء آخر، بإعتقاد أن البدن عبء ثقيل على الروح وعلى ذلك العالم الغامض الذي يحمل الإنسان ويحركه إلى العوالم الماورائية إلى محاولة كشف الغيب والانتباه لما وراء الطبيعة من أشياء ومحفزات، ورأينا هذه القصص والسرديات في التراث الديني بعمق، كيف أن الأنبياء دائما ما كانوا يبحثون عن الماوراء عن تلك العوالم المفقودة والمحفزة لفهم العالم الأرضي، في اعتقاد بأن الحقيقة الإنسانية لا يمكن فهمها إلا عبر مجال آخر هو المطلق أو هو الله في تمثلاته العلية، تلك القوة الخارقة القادرة على فعل كل شيء.
بحث النبي إبراهيم في القصة المشهورة عن الله، في ظنية أنه يمكن أن يكون مجسماً أو مادياً، وكان أول الانتباه لمحتويات الطبيعة من حوله في ظن أنها هي ذلك السر الذي يهب الإنسان معناه، فالشمس باعتبارها الضوء الذي ينتشر في العالمين، كانت في ذلك الزمن القديم تمثل سحراً خارقاً، لذا كانت لها قيمتها الاستثنائية، التي تراجع عنها إبراهيم لاحقا. وتتوالي القصة. والعبرة في التكيف الميثولوجي لهذا القصة أنها ذات دلالة تقوم على أن الله الذي كان يبحث عنه إبراهيم يتجاوز حدود المحدود، وأن بحث إبراهيم عن اليقين الذاتي والانتباه لكينونة الإنسان في الأرض كان يشير إلى أن النتيجة هي خارج المجال الإنساني.
وهذه الفكرة هي التي تحكم الفكر الإنساني إلى اليوم، باعتبار أن الإنسان كلا متكاملا من جزئي العالم المتبعثر والكبير، وتختلف أشكال التعريف والتصريح بهوية الإنسان سواء في علاقة بذاته في اطلاقها أو علاقته بالله أو مجال الكون الأثيري كما في بعض الأفكار المضادة للدين، لنكتشف أن ثمة رغبة وراء ذلك الفكر في مجمله نحو فهم الهوية الإنسانية، حركة ذلك الكائن في التاريخ وأبعاده المرئية والملموسة وما وراءها مندسات. 
وكان ثمة مجالين هما العلم الفلسفي والروحي والديانات وفي الجانب الآخر الإطار العلموي المادي الذي يُعرِّف ويعتقد بأن الحقيقة منصبة على المحتوى المتجسد لمضمون الذات الإنسانية بل أن ذلك القالب أو المجال الإنساني في مجمله ليس إلا إطارا بيولوجيا بحتا، وفي فترات ساد هذا الفهم الذي حاول أن ينفي الروح تماما أو كهرباء الجسد، أو اعتمد على هيكلية الكون القائم على الأبعاد المادية البحتة. والمدارس الفكرية كلها في النهاية هي محاولة للفهم، لأن غموض الإنسان بقدر ما يتقدم التاريخ يزداد؛ ما يشير إلى أن هوية ذلك الكائن قديمة وأزلية، كما أن التكنولوجيا التي ابتدعها الإنسان ورغم ما حققته من قفزات كبيرة لم تستطع إلى اليوم أن تتجاوز في متخيلها المعطي المتكيف مع تخيلات العقل البشري، أي أنها لم تصل إلى الإبداعية الخلاقة التي تقود إلى ابتداع نحو من الفكر المتجاوز للفكر البشري أو هوية العقل الإنساني فيما يذهب إليه من معطيات وأفكار ونتائج، وهذا موضوع آخر ينقل المحاكاة إلى فعل الخلق، وهي مرحلة لم تدخلها البشرية بعد.
تحاول العلوم والفنون الإنسانية في الانشغالات المختلفة لها أن تغوص في سر النفس البشرية وفي ماهية الإنسان وفي توظيف القدرات الخفية لذلك الكائن، وتأتي بنتائج مبهرة ومدارس متغيرة من الأفكار والفنيات والتيارات التي تصبغ كل فترة من الفترات بما يتحرك في مرئي العصر أو الزمن، ولكن الإشكال الذي يقف قصاد ذلك أن الفكر الإنساني الفلسفي ليس ثابتاً فهو متغير وسريع التأثير بالمحتوى المتغير للخارج كما مع متغيره (هو) نفسه، ما يعني في النهاية أن الوصول لخلاصات يصبح أمرا منهكا وليس متحققا، إلا بافتراض توقيف عجلة الزمن، وهنا يكون الفارق بين الإنسان في حدوده الأرضية ومعطاه البشري وما بين الإنسان السامي المرغوب فيه ككائن سوبرمان تنشئه حركية التطور والحضارة في مستقبل لا نعلم بعد كم الزمن هو كائن، أي إنسان يتسامى على الزمن نفسه. فالإنسان يعمل على توظيف وابتداع التقنيات والوسائط التي تمكنه وتساعده في السيطرة والتحكم بالعالم الخارجي وتهذيب الدواخل ونقلها إلى آفاق معرفية جديدة، وقبل ذلك السيطرة على الأسئلة البدائية المتعلقة بالمعاش اليومي وتوفير طاقة الحياة. لكن هذا كله يفترض أن حركة التقدم تسير إلى الأمام إلى الترقية اللازمة والمستمرة.
وقد أثبت التاريخ أن التكنولوجيا لا تتراجع بل تندفق للأمام دائما، منذ عهد الآلات الميكانيكية البسيطة التي طورها الإنسان وإلى عهد الآلة الذكية كالحاسوب أو الكمبيوتر والإنترنت ذلك العقل الكوني الهائل، وما وراء ذلك من تحريك العقل الإنساني ليعمل على وظائف جديدة وتحليل غير كلاسيكي للأمور بالاستفادة من المعطيات من حوله. وهذا يعني أن النظرة للإنسان واكتشافه لابد أن يتأثر بكل هذه الأمور بل هو ينسجم أو يتفارق معها باعتبار ما ينشغل به الكائن من الأسئلة المستجدة التي لا تنتهي.
إن الطاقات البشرية لا متناهية في حدود ما يمكن أن يقوم به كل فرد وفي ظل اهتمامه المعين، فالناس مجبولة على اهتمامات مختلفة ومسارات متنوعة ورؤى ليس لها من استنساخ، وكل كائن له بصمته الخاصة في كل شيء. هذا الفهم يلعب واحدة من الأسس والضروريات في فهم الحضارة الجديدة التي تقوم على الفعل التشاركي في الإنتاج وفي الابتكار، ويعني ذلك أن عملية اكتشاف الإنسان في الفكر الحديث ليست مجرد مجال فردي بل هو مجال جمعي يتلاشى فيه البطل التقليدي أو النبي والمخلص الذي بإمكانه أن يقود التغيير نحو الأفضل. لقد عرت ثورة الإنترنت على سبيل المثال الكثير من القيم والأفكار القديمة وجعلت غير قليل من الأفكار التي كانت تبدو سامية وذات قيمة عالية، عارية في الخواء ليس لها من أي مغزى بل أن ذلك حدث بفعل عقول شابة ومثابرة استفادت من شروط العالم الحديث. وبالتالي فإن البحث عن ذات إنسانية جديدة وإنسان مفيد في سلم التقدم والتطور في أي شعب ما، يقوم على الإيمان بهذه الكلية في التعاطي مع العالم والموارد والأفكار وأن نفتح لكل فرد بأن يؤمن بنفسه أولا ويثق بقدرته على الفعل الإيجابي، وهذا الفكر لن يكون إلا عبر نشر له وتأسيس في المؤسسات المختلفة في المجتمع والدولة، بغاية ينشدها الكل ليس أولها العيش في سلام أو تلبية المعاشات الروتينية، بل يتعدى ذلك إلى تحقيق المعنى فكثير منا يتفقد لهذا المعنى الذي هو الخطوة الأولى نحو الاكتشاف. وسوف نناقش ذلك بهدوء. 

 

 


emadblake@gmail.com

 

 

 

شوهد المقال 1285 مرة

التعليقات (0 تعليقات سابقة):

أضف تعليقك comment

  • أرسل إلى صديق أرسل إلى صديق
  • نسخة للطباعة نسخة للطباعة
  • نسخة نصية كاملة نسخة نصية كاملة
طالع أيضا
image

عثمان لحياني ـ سندي الأول ..الجيش

عثمان لحياني  في مجمل الحوار تغيب الرؤية ولا يحضر المشروع ، تَحضر النوايا ولاشك لكنها لا تقدم ولا تؤخر في حاضر الأزمة، مخرجات الحوار موجودة في
image

العربي فرحاتي ـ هذا اقذر نفاق سياسي..رأيته

د. العربي فرحاتي  الحراك الشعبي - كما عايشت فعالياته وفهمته في كليته - مسار واضح لم يتغير منذ بدأ..مسار حدد في شعاراته المركزية الوطنية التي باتت
image

رضوان بوجمعة ـ نحو انتخابات عدد مترشحيها أكبر من عدد الناخبين!؟

د.رضوان بوجمعة  الجزائر الجديدة 196خرجة مقيم المرادية، أمس، وبعيدا عن مناقشة شكلها ومضمونها، أهم رسالة سياسية فيها للجمهور، كانت القول إن الانتخابات التشريعية ستتم بعد 3
image

الحرية للناشط السلمي محاد قاسمي Free Mohad

الحرية وكل التضامن مع الناشط السلمي المدافع عن خيرات الجزائر محاد قاسمي الذي يرفض اليوم طلب الإفراج المؤقت عنه في ادرار وتلفق له تهم خطيرة
image

وليد عبد الحي ـ مشروع سمو الأمير حسن للشرق الاوسط

أ.د .وليد عبد الحي نشرت صحيفة يديعوت أحرنوت مع نهايات شهر شباط/ فبراير الماضي نص رسالة او مقال منسوب لسمو الامير الحسن حول رؤيته لمشكلات
image

عبد الجليل بن سليم ـ الحراك بين.le peuple و l'individu

د . عبد الجليل بن سليم  قبل ما نبدا. مستحيل تفهم السياسة و الانسان ما قراش التاريخ، شخصيا من أهم الفترات اللي أفادتني ياسر في فهم
image

بوداود عمير ـ الاشعاعات النووية من الصحراء الجزائرية لجبال فرنسا

بوداود عمير   تظهر الصورة منظرا من السلسة الجبلية "جورا" الفرنسية على الحدود السويسرية، وهي منطقة معروفة بكثافة ثلوجها وسُمكها، وقد تحوّلت من اللون الأبيض إلى اللون
image

نصر الدين قاسم ـ عور التحليل وبؤس التدليل

نصرالدين قاسم أعاب بعض الإخوة بعض الشعارات التي رفعها بعض المحتجين، وهتفت بها حناجر بعض الغاضبين في مسيرات الجمعة السادسة بعد المائة، ووجدوا فيها صهوة للتحامل
image

نجيب بلحيمر ـ مجازفة التأويل " شعارات الحراك الجزائري "

نجيب بلحيمر  الاستغراق في التحليل قد يحجب عنا التفاصيل البسيطة التي نراها على الأرض، والاجتهاد في البحث عن قراءات تؤكد ما نفكر فيه يؤدي في بعض
image

رشيد زياني شريف ـ اسئلة للقانوني رضا دغبار حول الحراك الجزائري

د. رشيد زياني شريف  لا نخوّن أحد، لكن، لن تكمموا أفواهنا، نحن أحرار ولا نساوم فيما نعتقده حقاأوجه جملة من الأسئلة إلى السيد رضا دغبار، هي

:

لا توجد مدونات لهذا الموضوع

قيم هذا المقال

0
Free counter and web stats