الرئيسية | الوطن الثقافي | عماد البليك - الذات الجديدة

عماد البليك - الذات الجديدة

بواسطة
حجم الخط: Decrease font Enlarge font
image


 

عماد البليك
 
كثير هي تفاصيل الحياة اليومية التي يعبر بها الإنسان، كمّ من التفاصيل المثيرة والتافهة. وبعض من الذكريات والمشاهد والصور. في كل مكان يوجد ما يحرض الذهن حتى في الأحلام. ما يجعل الإنسان طاقة متحركة بسرعة باتجاه الاكتشاف والتفكير والإبداع. لكن هناك من لا يوظف كل ذلك وبدلا من أن يجعل هذه الذخيرة الهائلة من المعارف المباشرة والخبرات التي يلقاها طاقة إيجابية ورافدة للحياة يتحول إلى كائن متكلس غير قادر على التقدم ولا تطوير الذات ولا المساهمة الفاعلة في الحياة بحيث يمارس بدلا من النماء الذهني والخلاقية، الإحباط والتشاؤم ويبدأ كذلك بالتأثير في محيطه من الناس بحيث يتعدى أثره ذاته إلى الآخرين ليقلق حياتهم ووجودهم.
نحن كبشر كائنات سريعة التأثير والتأثر، ليس من خواصنا الانكفاء والانغلاق حتى لو قمنا في بعض الأحيان بالإدعاء أن العزلة ضرورية. لكن هل يمكن أن يكون في السجن راحة للمرء. حتى السجين وهو بين مجموعة من الناس يضيق في نهاية الأمر ويرغب في الحرية والانعتاق، مع الانتباه إلى أن فكرة الحرية فضفاضة ومتعددة الأجنحة والأطراف. بحيث لا يمكن حصرها في مفهوم حرية الكائن الجسدية، فالجسد ليس إلا وعاء خارجي إنما الانعتاق والتحرر الحقيقي يكون للأرواح والذوات، للذهن بقدرته على السمو والمضي إلى آفاق جديدة.
في عالم اليوم بات كل شيء تقريبا موهبة وتدرب عليها. فليست كل المواهب هي قدرات كاملة أزلية تولد مع الإنسان. الآن بإمكان الإنسان أن يتعلم أشياء كثيرة ويبرع فيها، بل يكون نجما وفي وقت لا يتوقعه. مطلوب منه فقط الانتباه والتركيز والعمل بدقة وتوظيف كافة الإمكانيات المتاحة من حوله من معارف وخبرات ومهارات توفرها الظروف والمحيط البيئي والاجتماعي، فالإنسان اللماح يتعلم من كل شيء، بل يتحول كل ما حوله وما يدور بذهنه إلى متعة معرفية وبهذا يشعر بمعنى الحياة، فهو لا يركن للألم والظروف والقدرات المحدودة والوضع الاقتصادي، لأنه يعرف كيف يخرج من كل هذه المثبطات إلى همته ونفسيته العالية ليصبح هو الحصان الذي يحرر نفسه من كيمياء التراجع وليكون بطل التقدم إلى المستقبل والوجود الحقيقي للذات.
إن النماذج التي تثير الإثارة والإعجاب في هذا العالم ليست كائنات استثنائية لكنهم ببساطة بشر تدربوا جيدا على كيفية ابتكار الحياة الأفضل بغض النظر عن المحيطات التي حاصرتهم من الألم والحزن والجراح والقلق الوجودي، وقيل دائما إن الإبداع يولد من رحم المعاناة، وهذا لا يعني أن الإنسان يبدع داخل الأزمة ولكن ذلك المقول، يوصف حالة تراكم للخبرة والمهارة بحيث يشكل ذلك كله رصيدا وذخيرة من المعرفة التي لا تتوفر ربما لمن لم يعاني ويختبر ويجرب، لابد إذن من المغامرة والتحدي والمجابهة وبعد أن تصل للخطوة الأولى سوف تقول بهدوء الآن يمكن للمعاناة أن تولد الإبداع. لأن فعل التوليد ليس سابقا للأزمة بل هو بعدها عندما يكون للذات ان تجني الثمار وتنهض من كبوة الماضي والأمس القديم باتجاه فعل جديد للحياة، لكن التوليد في حقيقته يظل ينمو وباستمرار في ثنايا الأزمات إذا ما كانت تبحث عن العلاج.
إن التفاصيل اليومية بكل ما فيها هي طاقة هائلة تمدنا بوعي جديد لو أننا أعدنا تشكيلها ذهنيا وعملنا على توظيفها بشكل فاعل، وبهذا بدلا من أن تكون مدعاة لقتل الهمم تصبح طريقا للوعي الخلاق والإبداعية والقفز على أسوار الزمن الميت، بالعبور إلى الذات الحقيقية التي ننشدها، تلك القائمة في المعنى والإيجابية والفاعلية والتسلح بالأنا المثابرة والواعية لدورها والتي تؤمن بأن للإنسان هدف وغاية وليس كائن عبثي وعشوائي. ولكن في مقابل ذلك فالمحبط والحزين والتائه الذي لا يرغب في مغادرة محطته سوف يظل متقوقعا على ماضيه وعلى فشله ولن يتقدم بل سيتراجع لأن قطار الزمن والحياة لن يتوقف لأحد، فالعالم من حولنا سريع، بل حثيث جدا من حيث المعطيات والنتائج، فإذا لم تسارع إلى العمل والعطاء فهناك من غيرك سوف يفعل ذلك لتجد أنك تقع في أسر الركون وبالتالي ومع الوقت سوف تجد أنك تتخلف عن الركب الإنساني. 
وهذا ينطبق على الكائن البشري؛ الإنسان. في أي موقع كان. وفي أي مهنة كانت. فتحدي العالم المعاصر اليوم يقوم على المواكبة وشحذ الذات بالهمة العالية والقدرة على الانتباه المبكر والإضافة والحذف. أي إضافة كل ما له قيمة ويساهم في تشغيل الذهن لإنتاج الأفضل وحذف كل ما هو سلبي ومدمر وغير مجدٍ. وكثير هي الأشياء التي يمكن أن تضاف كذا التي تتطلب الحذف، وهي عملية مستمرة ينبغي أن يعمل عليها الإنسان بلا هوادة. وهي صيرورة الطبيعة والحياة في أن ثمة مأخوذات ومخرجات، وثمة عصارة في المقابل. لابد لكي يحدث ذلك من بناء ذات جديدة الكفاءة لفعل ذلك والانطلاق بقوة، دون أدنى استجابة للمحيط عندما يكون سلبيا، بل بدلا عن ذلك تكون أنت طاقة ذلك المحيط فالتغيير يحدث من خلال الأثر الذي قد يبدأ صغيرا جدا ثم يتفاعل ويكبر مع الوقت، لا أحد يريد أن يعيش في الماضي والذكريات، ولا إنسان يرغب في أن يكون أسير الأوجاع والقلق والمحبطات وضيق الحال، لكنه مرات قد يجهل الأدوات أو يكون في حال يظن أنه يفهم المركبات حوله وهو في الواقع غير ذلك تماما، وأسوأ الأشياء أن يظن الإنسان أنه امتلك ناصية الإدراك لأزمته أو حلولها، لأن استمرار الأزمة يعني عدم الوعي الكافي بها كما أن تفاقمها يعني أن الحلول التي يتم تجريبها غير مجدية، لابد إذن من إجراء غسيل مستمر للتراكمات والأفكار السلبية، لابد من ممارسة دائبة للحذف والإضافة، ولابد من التعلم المستمر لأن العلم هو الحقيقة الوحيدة للتقدم، فالأفكار هي التي تصنع المستقبل ولكن عليها أن تأتي من وعي كاف وإدراك سليم ورغبات بناءة باتجاه ارتياد المستقبل ومواجهة الذات بصراحة والعمل ثم العمل. ليس في الحياة هبات خارقة بل إخلاص وعزيمة وصبر، بل تفاعل مستمر مع كل ما حولك وأن توظف كل ذلك ليكون إيجابيا ورافدا للطبيعة الإنسانية والفطرة الشغوفة بالنماء والتغير، لأن طبيعة العالم هي النمو لا الاضمحلال، وحتى عندما يجف الغصن لابد له أن يزهر مرة أخرى إذا وجد الماء الكافي والهواء والتربة الحسنة. 
إن ثقافة الانعتاق من اللحظة ومن الانكفاء وعدم الثقة بالذات ضرورة في عالم اليوم، أن يؤمن الإنسان بقدرته وطاقته القصوى وأنه يمكن أن يفعل الكثير جدا فقط عليه أن يقبل بالتضحيات التي لن تنتهي أبدا، كذا عليه أن لا يتوقع النتيجة من التجربة الأولى وإلا كان في عالم الحالمين والسذج.
 
 
emadblak@gmail.com

 

شوهد المقال 1085 مرة

التعليقات (0 تعليقات سابقة):

أضف تعليقك comment

  • أرسل إلى صديق أرسل إلى صديق
  • نسخة للطباعة نسخة للطباعة
  • نسخة نصية كاملة نسخة نصية كاملة
طالع أيضا
image

بوعلام زياني ـ صندوق لعجب التلفزيون العمومي الجزائري في خدمة الإستبداد

بوعلام زياني  يسمونها الأرضية لان مستواها يمسح الارض ولا يعانق أحلام الجزائريين الكبيرة ،سموها سابقا باليتيمة لانها لم تنعم بدفء العائلة وعاشت مشردة يستغلها
image

وليد عبد الحي ـ دبلوماسية ترامب بين النووي الايراني وفلسطين

 أ.د.وليد عبد الحي  في إطار اعداد المسرح الاقليمي والدولي لاعلان ترامب عن تفاصيل " صفقة القرن" بُعيد الانتخابات الاسرائيلية القريبة ، وبعد أن ضمن
image

نجيب بلحيمر ـ الجزائر على موجة الثورة السلمية

نجيب بلحيمر   غاب كريم طابو عن الجمعة الثلاثين من الثورة السلمية لأنه في السجن، لكن الثمن الذي يدفعه الآن من حريته الشخصية لا يساوي شيئا
image

صدر حديثا أناشيد الملح - سيرة حراڴ للجزائري العربي رمضاني

المتوسط للنشر :  صدر حديثاً عن منشورات المتوسط - إيطاليا، الإصدار الأول للكاتب الجزائري العربي رمضاني، بعنوان: "أناشيد الملح - سيرة حراڴ"، وهي من
image

المرصد الأوروالمتوسطي لحقوق الإنسان : اعتقال النشطاء السلميين صفعة قاسية لحرية التعبير في الجزائر

جنيف- قال المرصد الأورومتوسطي لحقوق الإنسان اليوم إنّ السلطات الجزائرية اعتقلت أخيرًا عدد من النشطاء السلميين في خطوة تشكّل صفعة قاسية لحرية التعبير في الجزائر.     المثير للقلق
image

اليزيد قنيفي ـ العهد الجديد ..بين التفاؤل والتشاؤم ..!!

اليزيد قنيفي  على مدار عهد طويل تعرضت البلاد إلى حالة من التدمير والحرق والإهانة والسخرية والتجريف والنزيف غير مسبوقة ..استبداد وغلق وفساد معمم وشامل... ورداءة وفضائح
image

علاء الأديب ـ أدباء منسيون من بلادي..الروائي العراقي فؤاد التكرلي

 علاء الأديبعلى الرغم من أن الروائي العراقي المرحوم فؤاد التكرلي لم يكن غزيرا بكتابة الرواية من حيث عددها إلا إنه يعتبر من أوائل الروائيين العراقيين
image

العربي فرحاتي ـ حراك الشعب في الجمعة 30 ..المدنية هي شرط قوة الشعب والجيش

د. العربي فرحاتي  الجيش يقوى بقوة الشعب ..ويبقى قويا مادام الشعب قويا.. ويضعف بضعف الشعب ويبقى كذلك مادام الشعب ضعيفا...ولا يمكن لشخص مهما كان
image

محمد محمد علي جنيدي ـ حكاية بلد

محمد محمد علي جنيدي- مصر   كنتُ كُلَّما سافرتُ إلى بلدِها صباحاً لزيارةِ عَمَّتي العجوز، رأيْتُها تقطعُ الطَّريقَ لتذهبَ إلى محلِ الوردِ الذي تعملُ فيه، فإذا ما

:

لا توجد مدونات لهذا الموضوع

قيم هذا المقال

0
Free counter and web stats