الرئيسية | الوطن الثقافي | فوزي سعد الله - هنري فيكتور سِيِبُّيو (Henri Victor Sébillot) الفرنسي...أو "دِيدِي يوسف" الجزائري حتى النخاع

فوزي سعد الله - هنري فيكتور سِيِبُّيو (Henri Victor Sébillot) الفرنسي...أو "دِيدِي يوسف" الجزائري حتى النخاع

بواسطة
حجم الخط: Decrease font Enlarge font
image

فوزي سعد الله 

 

رغم الجذور الفرنسية لانحداره من أمٍّ وأبٍ فرنسييْن، كان يوسف سيبيو جزائريا مسلما حتى النخاع بتلك اللمسة الثقافية الحضرية التي تطبع العائلات العريقة في مدينة الجزائر.

 

منذ فتوته، انخرط بعمق في أجوائها وطقوسها حيث كان من المواظبين على حفلات "الحَضْرَات" للمدائح الدينية والذِّكْرِ في ضريح سيدي عبد الرحمن الثعالبي والولي داده وفي جامع ضريح سيدي مْحمَّد الشريف وأيضا في جامع سَفير في القصبة وفي غيره من الجوامع والمساجد المحلية، لا سيما خلال المناسبات الروحية كالاحتفال بذكرى المولد النبوي الشريف. 
وشَبَّ يوسف في وسط عائلي واجتماعي كان يتنفس الموسيقى الأندلسية والأنواع المتفرعة عنها كالشعبي والحوزي والعروبي وغيرها كما يتنفس الأوكسجين في فترة من تاريخ البلاد شاعت فيها آلات الفونوغراف و"القْوَادَسْ" والأسطوانات في أوساط الطبقتيْن البورجوازية والمتوسطة الحضرية المسلمة وفعلتْ فِعلتها في المجتمع، قبل أن تتدعَّمَ هذه الموضة بظهور الإذاعة لأول مرة منذ عشرينيات القرن الماضي. 
زيادة على كل هذه الأجواء العائلية والاجتماعية الهاوية للموسيقى، كان بعض أفراد أسرة يوسف سِيبِيُّو فنَّانِين يمارسون الغناءَ الأندلسي، ربما كأهم نشاط لهم خارج أوقات العمل، مثلما هو شأن صهره وشقيق زوجته محمد باشي الذي كان أحد الفنانين العازفين في جوق جمعية الجزائرية للغناء الأندلسي.
كان "دِيدِي يوسف"، كما يلقبه المقربون والحميميون، إلى جانب عمر بن السَّمَّان، من الأعضاء المُؤسِّسِين لهذه الجمعية سنة 1930م والتي مازالت تُعمِّر إلى اليوم باسمٍ جديدٍ هو "الجزائرية – الموصلية" بعد اندماجها مع جمعية الموصلية سنة 1951م. وشغل بها مسؤوليةً إدارية لعدة سنوات. وقد يكون لوضعه المادي المريح دور هام في مساعدته على أن يكون من بين مؤسسي هذه الجمعية الفنية التي أصبحت اليوم عميدة الجمعيات الموسيقية الأندلسية في الجزائر. فتوفرت بالتالي في "ديدي يوسف" خاصيتان هامتان من الخصائص الثلاث المؤسِّسة لشرعية النسب والانتماء الحضرييْن في المدن الجزائرية منذ ما قبل العهد الاستعماري. وهي كما حددها الباحث الفرنسي في علم الاجتماع جيلبير غْرَانْدْ غِيُّومْ (Gilbert Grandguillaume) خلال دراسته لمدينة ندرومة القريبة من تلمسان وأهلها في سبعينيات القرن الماضي: الجذور العائلية الحضرية، المال، الثقافة والعلم.

 

نشأ "ديدي يوسف" في فترة من تاريخ مدينة الجزائر كان الناس خلالها ينامون ويستيقظون على أخبار وأنغام كل من اللا يامنة بنت الحاج المهدي ومريم الفكاي، التي أحيتْ أعراس ختن وزواج أبنائه، ومحيي الدين باش طارزي وموزينو ولاهو صرور ومحمد بن التفاحي ومحمد الفخارجي. كما عاصر ميلاد عشرات الجمعيات والنوادي الثقافية والموسيقية المحلية التي كان هو ذاته من بين عناصرها النشيطة، فضلا عن ارتباطه الوثيق بالحياة الاجتماعية لسكان مدينة الجزائر الذين عرفوه كريما ورحيما بالفقراء، إذ كان يستغل وضعه القانوني كفرنسي ليساعد أصدقاءه المسلمين لا سيما في المجال الإداري. كما كان رجلا واقعيا ميدانيا يقترب من حيث شخصيته وطبعه من النوع الذي يُسمى اليوم بـ: رجال الأعمال والمقاولين. وقد ساهمت كل هذه الخصائص في ترسيخ انتمائه الثقافي لجزائر مسلمة الثقافة وعربية اللسان. وهو ما سيحرص على غرسه في نفوس أبنائه وبناته.

 

وانعكس كلُّ ذلك حتى على المواقف السياسية للعائلة إذ التحق أحد أبنائه، على الأقل، بالثورة المسلحة ضد الاحتلال الفرنسي وانخرط ضمن مجموعة من المجاهدين في خلية استخبارات كانت تنشط في العاصمة الجزائرية إلى جانب كل من سيد علي باشي، رشيدة طاواشي، وشخص بولندي يُدعى فرانيك (Franeck)، إذ كان فْرَانِيكْ، الوسيطَ بين المجموعة وضابط فرنسي كان يمُدُّهم بالمعلومات حسب شهادة بن نبري عَلاَّلْ مسؤولُ مجموعاتٍ فدائية سابق في مدينة الجزائر ضمن قوات الثورة الجزائرية. 
توفي يوسف/هنري فيكتور سيبيو سنة 1994م في لا بوانت بيسكاد مسقط رأسه ليُدفن في مقبرة القطار في قصبة الجزائر التي كان الناس خلال فترة شبابه يسمونها "جَبَّانَةْ الغْرِيبْ" لوقوعها خارج أسوار القصبة.

 

لكن عطر هذا الرجل الفرنسي الاستثنائي، الذي اقترنت حياته بالفن الأندلسي وتعرَّب في أحضانه بل وكان هذا الفن أحدَ الأسس التي بنى عليها هويته الجزائرية الإسلامية، لا يزال شذاه يعبق في الجزائر من خلال ذكراه التي ما زالت حية في الأذهان ومن خلال أبنائه وبناته وهُم: دَحْمَانْ، جَمَالْ، مَامَادْ، رَشِيدْ، حَمُّودْ، بَايَة ، عَتِيقَة، وزهور الذين ما زالوا على قيد الحياة، وحَفِيظَة التي تُوفِّيَتْ سنة 1988م بعد أن خلَّفتْ ثلاثَ بنات وطفليْن وُلدوا جميعا في ضاحية بوزريعة المحاذية لمدينة الجزائر وتزوَّجوا جميعا وهم اليوم يقيمون في مدينة مرسيليا جنوب فرنسا. وقد تعلقوا جميعا بالموسيقى العربية الأندلسية منذ نعومة أظافرهم أسوةً بوالدهم "ديدي يوسف" بل وبرعوا فيها.

ولعل أشهرهم في هذا المجال الفني عازف البانجو الكبير ورفيق الحاج محمد العنقاء وصديق مغني "الشعبي" الكبير عمرو الزاهي الحميم جمال سيبيو الذي اختار الهجرة والإقامة في فرنسا منذ ثمانينات القرن 20م دون أن ينقطع عن زيارة مدينة الجزائر وحومته وبيت والده "ديدي يوسف"، رحمه الله، في "لاَ بْوَانْتْ بِيسْكَادْ"...

https://www.youtube.com/watch?v=CdZ2iWb73oY

في هذا التسجيل الذي يعود إلى العام 1969 في مدينة الجزائر، نشاهد جمال سيبيو يعزف البانجو خلف المغني الكبير الحاج محمد العنقاء يمينًا

ملاحظة:

أبلغني الصديق وائل العباسي بأن حمُّود بن هنري فيكتور سيبيو توفي قبل عام، مثلما توفيت باية شقيقته قبل عاميْن، رحمهما الله وأسكنهما فسيح جنانه.

 

 Henri Victor Sébillot ou Dédé Youcef n° 5 sur la photo faite à Alger rassemblant des jeunes et des vieux de familles citadines algéroises

 Djamel Sébillot, fils d'Henri Victor Sébillot dit Dédé Youcef, le grand joueur de Banjo dans l'orchestre Chaabi de Hadj M'hammed Al-Anqa dans les années 1970

  El-Anqa, portant les lunettes, et son orchestre. A gauche Djamel Sébillot jouant la guitare, puis Abdelghani Belqayed jouant le violent. A gauche d'Al-Anqa, on voit Moh Essghir Laama jouant la guitare à sa manière très particulière...

 Amar Ezzahi le grand chanteur Chaabi d'Alger et à sa gauche son ami Djamel Sébillot au banjo il y a quelques années

 Dahmène Sébillot jouant à la mandoline et son frère Rachid jouant au piano, il y a plus de 50 ans, à Alger

 

شوهد المقال 2526 مرة

التعليقات (0 تعليقات سابقة):

أضف تعليقك comment

  • أرسل إلى صديق أرسل إلى صديق
  • نسخة للطباعة نسخة للطباعة
  • نسخة نصية كاملة نسخة نصية كاملة
طالع أيضا
image

يزيد أڨدال ـ لماذا تتعثر الشركات الناشئة Startups في الجزائر ؟

يزيد أڨدال هذا السؤال هو ما يدور في بال الكثيرين من المهتمين بهذا المجال في الجزائر، وخصوصا ممن يملك أفكارنا يريد تجسيدها بإطلاق مشروعه الخاص، ولكن
image

حكيمة صبايحي ـ الحياء لحاء الحب الوطني الذي لا ينقطع مدده

حكيمة صبايحي  يحتاج الإنسان إلى حافز نفسي لإنجاز أي شيء وكل شيء بقدر ما يمكنه من الإتقان، وحتى عندما يتعب، يتابع العمل والاجتهاد، وحتى عندما تخدعه
image

نصرالدين قاسم ـ "الجمعة 106" خارقة .. فارقة

نصرالدين قاسم قطعت الجمعة السادسة بعد المئة قول كل خطيب، لتؤكد أن الحقيقة كل الحقيقة ولا شيء غير الحقيقة في الشارع في الهتافات والشعارات التي هدرت
image

رضوان بوجمعة ـ الأمة الحية تأبى البقاء رهينة للمنظومة الميتة

د. رضوان بوجمعة  الجزائر الجديدة 195 بعد عام كامل من تعليق الجزائريين والجزائريات للمسيرات بسبب وباء كورونا، عادت الميادين على المستوى الوطني اليوم الجمعة، في أول
image

نجيب بلحيمر ـ عودة السلمية.. الكابوس وطوق النجاة

نجيب بلحيمر "رانا ولينا وباصيتو بينا".. الرسالة واضحة، السلمية عادت وقشة "الاحتفال" التي كانت السلطة وزبائنها يتمسكون بها لعلها تنقذهم من الغرق بطوفان الشارع جرفتها اليوم
image

بوداود عمير ـ واقع الفنان الجزائري المؤلم " الفنان الكبير أحمد قادري " قريقش فنيا "

بوداود عمير  مؤسف ومؤلم جدا واقع الفنان الجزائري، لا وضعية مادية واجتماعية مريحة ولا عروض فنية تحقق بعضا من حضوره الفني. ذلك ما استخلصته وأنا أنهي
image

جلال خَشِّيبْ ـ عودةُ الاحتواء: ما الذّي تعنيه سياسةُ الحرب الباردة للحظتنا الراهنة دِيبُورا وِيلتْش لارسون، مجلّة السياسة الخارجية، 15 يناير 2021، الولايات المتحدّة

إعداد وترجمة: جلال خَشِّيبْ، باحث مشارك أول بمركز دراسات الإسلام والشؤون العالمية (CIGA)  عودةُ الاحتواء: ما الذّي تعنيه سياسةُ الحرب الباردة للحظتنا الراهنةدِيبُورا وِيلتْش لارسون، مجلّة
image

يوسف بوشريم ـ ثلاثة مواقف يوم 22-2-2021 ستبقى راسخة في ذهني. نور السلمية

يوسف بوشريم  الموقف الأول (الحر البصير القادم من خنشلة):العلم الوطني أداة جريمة في الجزائر لمستقلة  و نحن في طريقنا مشيا على الأقدام من ساحة الأمير عبد القادر
image

نجيب بلحيمر ـ إهانة مظاهر "الدولة" أهم من ترسيم تسعيني

نجيب بلحيمر  أهم من ترسيم تسعيني رئيسا لمجلس الأمة، بعد نحو سنتين من توليه هذه المسؤولية بالنيابة، طريقة إخراج هذه العملية.ما حدث اليوم يؤكد أن هذا
image

عبد الجليل بن سليم ـ النظام السلطوي تعامله معنا .. تعاملنا معه

د. عبد الجليل بن سليم  عندما يتم إلقاء القبض على أي شخص قام بحقه في الكلام و التعبير عن سخطه ، فان ردة فعلنا لمادا النظام

:

لا توجد مدونات لهذا الموضوع

قيم هذا المقال

0
Free counter and web stats