الرئيسية | الوطن الثقافي | حسن ناظم - المثقّف وعالم اللامصلحة النقيّ

حسن ناظم - المثقّف وعالم اللامصلحة النقيّ

بواسطة
حجم الخط: Decrease font Enlarge font
image

 

د. حسن ناظم
مقال ينتهي بالسؤال الآتي:ـ
كيف يمكن للمثقف الذي يتورّط بالموقف السياسي أن يبقى عنده الضمير متقدماً؟

بالطبع، يمكنُ أن يكونَ المثقّفُ فاسداً. وهنا لابدّ من وقفةٍ ضدّ تانتالوس، المطعومِ من موائد الآلهة، والمعذّبِ لاحقاً بقرب الثمار فوقه دونَ قدرةٍ على تناولها، والماء تحت فمه دون قدرة على شربه. يريد مثقّفنا أن يسعى إلى المغانم دون تضحية بـ"عفاف الكفّ"، وهيهات ذلك. إنه يأخذ المغانم، وقد يستقلّها، ويطلب المزيد، لكنه أبداً لا يجرؤ على الاعتراف بحاجته المذلّة إليها، وبسعيه خسيساً إلى نيلها. هل يجدر بالمرء (المثقف)، في وفرة من الأحايين، أن يجعل من قمعِ رغبته رغبة. وبدلاً من أن يشيحَ المرغوبُ فيه ببصره عنه، عليه أن يشيح ببصره عن رغائبه.

 

أشباه تانتالوس

 

ولكن، مَنْ بمقدوره أن يطويَ كشحاً عارياً عن الرغائب، رغائبه؟ لن يكون هذا الكلام ذا وشيجة مع الزهد أو التصوّف طريقيْن في فنّ قمع الرغبة، بل مع الرغبة نفسها طريقاً في التحوّل، تحوّل اتجاهها، ومع فنّ اكتشاف الرُّقى التي تدفعُ اللعنةَ، وتفكّ شفرتَها. 
إن تانتالوس شبهُ غريقٍ، الثمار تعلو رأسَه والماء ينحطُّ عن ذقنه. ولو أرسمُ بعضَ مثقّفينا لرسمتُ تانتالوس في وضعيته تلك. إنه يتشوّف المرغوب، ولا يبلغُه، فلا يرثُ اللعنةَ حسب، بل يرثُ الإحساسَ المفعم بالبحث عن المغانم العصيّة، والاستحواذ عليها أنفالاً. أكداسٌ من الأسلاب حوّلت حدائقَه إلى معاطن، ورِحابه إلى مخانق، وحرّيته إلى سجن. 
يمضي المثقّف المتشوّف إلى تحقيق مغنم دون مبالاة بسحق "عفاف الكفّ": مغنمه الجوهريّ، إنه يبدو مشغولاً يتشمّم رائحة المنافسين والأعداء، مثل كائن كافكويّ يعيش في الظلمة، في قصة "الجُحْر"، خائفاً يثابرُ على تخطيطِ متاهاتٍ يهرمُ فيها الخادعُ ويضيع فيها المخدوعُ، ومتوتّراً يتترّس خشيةَ سلبِ الأسلاب. فمن فرط ما عسعسَ انتهى طريدةً يُعسعَسُ خلفَها، ومن فرط ما أخاف خافَ، ومن فرط ما ظهر اختفى. فالفاسد يفكّر في ملء جوف لا يمتلئ، وردم هاوية بلا قرار، إنها عيونُه المفتوحة، وما من محيد عن الجشع.انظروا إليه، يعيش في ذعر اللحظة القادمة، فيفقد الحاضر الآمن. وانظروا أيضاً إلى ارتعاشة يديه المثقلتيْن بخوف من مجهول يتربّص به كلَّ دائرة، وبغريزته يعلم أن الدوائر تدور، حتماً. إنه ينظر إلى حفرته تُنثَل، فتعلو أكوام ترابه، ينتظر ويترقّب حشداً من الآلهة تُنزلُ به نازلة، وتصعد بروحه العطشى من صَيْهد الحاجة الكاذب إلى سماء الحقيقة. إنه يقرّب شفتيْه ويمطّهما مشرئبّاً كغريق على وشك الخلود إلى أعماق الوحشة، وما من قشّة.كيف يُمكنُ الاقترابُ من موضوعة حرصِ المثقّف على البقاء في "عالم اللامصلحة النقيّ"؟ كنتُ أتحيّن الفرصَ لنمذجة واقعية لهذه الموضوعة، ويبدو أن النموذجَ الواقعي قد يجعلُ الموضوعةَ ملتبسةً، ولذا طوّحتُ بين نموذج أسطوريّ (تانتالوس) والموضوعة نفسها، موضوعة زعم المثقّف أنه والضمير صنوان، وأنه أبداً يتنفّس أفكارَه الموضوعية في "عالم اللامصلحة النقيّ". 
في الثمانينيات، أيام الحرب العراقية الإيرانية، وباستثناء قلّة قليلة ممّن لم تلفَّهم خططُ السلطة ليغطسوا في "طهارتها"، فإن أغلبية المثقفين، نعم الأغلبية، استجابوا برضىً لنوازع الطمعِ والجشعِ غاضّين النظرَ عن أيّ معنى من معاني دعم الدكتاتورية في حروبها. وبطبيعة الحال، حظيتْ هذه الأغلبية برعاية الدكتاتورية، أما القلّةُ الساكتة أو المنشغلة بالثقافة "اللاسياسية" فلم تجدْ رعاية؛ لأن الدكتاتورية قاطعة وحاسمة، إما أن ترعاك وأنت معها أو تقتلَك وأنت ضدّها، مع هامش بسيط لمن يبدون غير مبالين بما يحدث، وهمّهم حقولهم الأدبية أو المعرفية أو العلمية البحتة، وهذه الحقول لم تكن ذات صلة بالسياسة أو الموقف السياسي، بحكم القسر الذي لا يتيح حرية التعبير ولا أن يكون للمشتغلين بهذه الحقول موقف سياسي.بعد سقوط الدكتاتورية في العام 2003، لم يعد أحدٌ يلوذ بالصمت ولم تعد الحقول الأدبية أو المعرفية وحتى العلمية غير ذات صلة بالسياسة، ولم تعد هناك أغلبية تحظى بالرعاية وأقلية بلا رعاية. فالديمقراطية ضمنت حريةَ التعبير، ليس بلا حدود، ولكلِّ رأيٍ أو موقفٍ جهةٌ راعية، سواء أكانت مع السلطة أو ضدّها. فالسلطة لم تعد تحتكر الوسائل التي يعبّر بها المثقف عن آرائه، كما أنها لم تعد تحتكر الوظائف التي يمكن أن يجد فيها المثقف سُبلَ عيشه، ولم تعد تحتكر وسائل الإعلام، بل إنها لم تعد تحتكر حتى وسائل العنف. من هنا صار للمعارضة وسائل يعبر بها المثقف عن آرائه إذا وقف ضد ّالسلطة، ووظائف يجد فيها سُبل عيشه. وكلا الطريقيْن محفوف بالمخاطر، مخاطر انزلاق المثقف إلى خذلان نفسه بالتعبير عن موقف راعيه لضمان بقائه في الضوء وضمان عيشه، سواء أكان الراعي سلطةً أم معارضة. أمّا الهامش لمن يقفون ضد الاثنين، فلا هم مع السلطة ولا هم مع المعارضة، بل هم مع أنفسهم، مع "عالم اللامصلحة النقيّ" المستحيل، فهو هامش ضيّق جداً، وأتبيّن من هؤلاء أيام الدكتاتورية الشاعر محمود البريكان، ولا أكاد أتبيّن أحداً هذه الأيام، ذلك لأن الدكتاتورية عامل، من بين عوامل أخرى، يهيئ الظروف لاحتجاز المرء في هذا العالم قسراً، بينما تمنع الديمقراطية هذا اللون من الاحتجاز.
الوهم

 

 

والآن، فإن ثمة مشكلة تبرز الوهم الذي يعيش فيه بعض المثقفين، وهو أنهم كانوا في موقع أيام الدكتاتورية، وواصلوا الصمود فيه أيام الديمقراطية. كانت الدكتاتورية من القسوة والبطش بحيث صار من الممكن للمثقف العراقي أن يفخر بمجرد أنه لم يكن مع السلطة الديكتاتورية، وعبارة "لم يكن المثقف مع السلطة" توهم أنه كان ضدّها، لكن الحقيقة هو أنه كان عاجزاً عن فعل أيّ شيء ضدّ السلطة، وأنه لم ينخرط في دعمها. إن تفكيك موقع المثقف هذا يبيّن أنه لم يكن موقعاً ضدّ الدكتاتورية، وهنا يبرز هذا السؤال: هل معنى عبارة "لم يكن المثقف مع السلطة" واحد في الحالتين، حالة الديكتاتورية وحالة الديمقراطية؟ كلاّ، فالأول كان ينشغل عن أيّ موقف ضدّ السلطة، وهذا حقّه في حفظ الذات، بحقل يختاره، كأن ينهمك في مشكلات قصيدة النثر، أو التجريد الغرائبي في الفنّ، أو المناهج الشكلانية في دراسة الأدب، أو حتى أن يتبنى بوهيمية سلبية، وغير ذلك؛ أما الثاني فلم يجد في الانشغال بالحقول المعرفية ضرورة، وآثر مغادرة الموقع السابق إلى جبهة تطلب موقفه بمقابل متفق عليه صراحةً أو ضمناً.
ما من شكّ في حقّ المثقّف في الاعتياش من معرفته، أي من عمل عقله في النهاية. لكن ثمة شكّاً في اعتياش المثقف من موقفه وطبيعة توظيفه. وهنا دقّة تفوت أغلب المثقفين، لا لعيب فيهم، بل لقلّة خبرة في بلورة المواقف في ظلّ وضع جديد تمام الجدّة بالنسبة إليهم، وضع محكوم بتعدّد غير مألوف للجميع. فإذا كانت بعض المواقف لا تجد راعياً أيام الديكتاتورية، فإن لكلّ موقف راعياً أيام الديمقراطية، ومن هنا ورطة المثقف في أنه بات مطلوباً مهما كان موقفه. ومن هنا ورطته في أنه أقبل، ويُقبل، على انقسامات لا تُعدّ. فإذا كان أمر المثقفين واضحاً أيام الديكتاتورية عبر مواقف "مع" السلطة الواحدة المطلقة أو "ضدّ"ـها أو الوقوف بصمت على الحياد، فإن أمرهم الآن أعقد من هذه التقسيمات، لأن السلطة انحلّت إلى سلطات، والمعارضة إلى معارضات، وكلّ عنده وسائل إعلام ووظائف وأموال، وحينها كيف يمكن للمثقف الذي يتورّط بالموقف السياسي أن يبقى عنده الضمير متقدماً.

 

 الصباح العراقية 

شوهد المقال 1267 مرة

التعليقات (0 تعليقات سابقة):

أضف تعليقك comment

  • أرسل إلى صديق أرسل إلى صديق
  • نسخة للطباعة نسخة للطباعة
  • نسخة نصية كاملة نسخة نصية كاملة
طالع أيضا
image

جابر خليفة جابر ـ ثقوبُ عار – أكاليلُ غار قراءة في " ثقوب عارية " للروائي علي الحديثي

جابر خليفة جابر    يُصنفُ هذا العمل ضمن الروايات القصيرة إذ تتكون من 73 صفحة موزعة على 11 مقطعاً. ويتخذُ الحدث فيها مساراً
image

محمد هناد ـ آخر خرجة : «نداء الوطن» !

د. محمد هناد  بعد واقعة تعديل قانون الجنسية، ها هي السلطة تطالعنا بمسعى جديد لن يأتي لها إلا بمزيد من الجفاء. يتعلق الأمر بإنشاء «تحالف» (مع
image

جباب محمد نورالدين ـ هل يضحكون على الشعب هذه المرة ؟

د. جباب محمد نورالدين  لا أعلم إذا كان، هذه المرة، يضحكون على الشعب مثل بقية المرات، فقد قالوا له سابقا يجب ان تقدم التضحيات
image

العربي فرحاتي ـ نخب انتهازية طور التكون ..في مهمات قذرة...

د. العربي فرحاتي  في غياب دولة الحق والقانون والعدالة والحرية ..من الطبيعي أن يكون لكل مرحلة سياسية استبدادية انتهازيوها كحال نظامنا الجزائري..فكان لمرحلة شعار "من الشعب
image

رضوان بوجمعة ـ العقل السياسي وبناء التحول الديمقراطي

د. رضوان بوجمعة  الجزائر الجديدة 198 يواصل الجزائريون والجزائريات مسيرتهم السلمية من أجل إخراج الجزائر مما هي فيه، المسيرة بدأت منذ أكثر من عامين، وهدفها الأساسي
image

عادل السرحان ـ البراحة

عادل السرحان                في البراحة شجرة يقطين تزحف الى النهر نخلتان لنا وأخرى لجارنا عضتني أمي بأسنانها الجميلة يوم تغيبت عن المدرسة تحت إحداها وكل البلابل التي
image

مولود مدي ـ الإقتصاد الريعي في خدمة النظام السياسي الجزائري

مولود مدي  من أحد الأدوات الأساسية التي استعملتها السلطة في تشديد السيطرة على المجتمع: احكام القبضة على السوق الوطنية للسلع والمواد الإستهلاكية الأساسية، ومراقبة سوق العمل.ولهذا
image

عادل صياد ـ نخب بين " ثورية ، انتهازية ، جبانة "

عادل صياد   في هذه اللحظات التاريخية المفصلية والحاسمة، التي يصنع ملحمتها الشعبُ الجزائريُّ العظيم منذ اندلاع ثورة 22 فيفري 2019، وما تلاها من أحداث ومحطات، تشكّلت
image

نصرالدين قاسم ـ في الجمعة 107 السلمية تحاصر السلطة

نصرالدين قاسم إصرار السلطة على التدليس بقصد التدنيس، والاعتقالات والتجاوزات لقمع المسيرات ووقف الاحتجاجات، كشف عوراتها وفتح عليها جبهات جديدة ما لها عليها من سلطان، بدأت
image

فوزي سعد الله ـ مصير غاز الجزائريين في المياة الغربية للبحر المتوسط

فوزي سعد الله  عندما تُقرع طبول الحروب لن يفيد صم الآذانجزء هام من مستقبل الجزائريين يُلعب في مياه البحر المتوسط الغربية حول حقول الغاز البحري قرب

:

لا توجد مدونات لهذا الموضوع

قيم هذا المقال

0
Free counter and web stats