الرئيسية | الوطن الثقافي | محمد الأمين بحري - أرخبيل المنافي الأبدية قراءة في رواية "سييرا دي مويرتي"

محمد الأمين بحري - أرخبيل المنافي الأبدية قراءة في رواية "سييرا دي مويرتي"

بواسطة
حجم الخط: Decrease font Enlarge font
image
  د. محمد الأمين بحري*
 
 
 
 
*- في ظلال المرويات
حينما يحكي الروائي عبد الوهاب عيساوي عن سيرة منفى بحجم مدينة "جلفا" ذات الأسوار، وقلاع معتقل "عين الأسرار"، تمر أمام ناظريك مدنٌ آثمة وصمتها الخطايا، و تلفعت بالرزايا.. تنفتح أمامك "سدوم" وقد تلبست اللعنة و الدمار.. وتطالعك "أوروك ذات الأسوار"، التي تغنى بها ملكها كلكامش المنفي جسداً في رحلة البحث عن الخلود، و المنفي روحاً بعد خيبة المسعى و الجهود.
أما روائياً، فتتقارع في أذنيك أجراس أرنست هيمينغواي(1)، و أنت ترقب شخصية "بابلو" المشتركة بين الروايتين، ذلك العجوز الذي نذر حياته للجمهوريين في الحرب الأهلية الإسبانية و مات عبثاً على ربوة عارية تشبه نهد صبية في الثانية عشر، كما وصفها هيمنغواي، بينما لم ينتهِ "بابلو" في رواية سييرا دي مويرتي على طريقة نظيره عند هيمنغواي، و إنما حدث له ذلك على طريقة أقرب إلى اختفاء مصطفى سعيد في "موسم" الطيب صالح(2).. مخلفاً غصة واغتراباً مختلفين عن لا أدرية الطيب صالح وعبثية هيمنغواي، ولو قيض لي وصف هذا الاغتراب في الرواية لما وجدت له أفضل من وصف: لعنة الأرواح المنفية لعبد الوهاب عيساوي.
أما حينما يغرق بطل الرواية "مانويل" الشيوعي الإسباني المهزوم في معركة سييرا دي مويرتي ضد جحافل فرانكو، فستجد نفسك إزاء هذيان يذكرك باستيهامات أبطال الطاهر وطار(3)، وهم يطاردون هواجسهم والأوهام، و يحادثون الأموات، و يجالسون الأولياء الآفلين في الأنام .. 
لم يكن سرد رواية سييرا دي مويرتي ليطابق أي من تلك الحالات السردية السالفة، بقدر ما اختط له إلى جوارها مساراً محايثاً لا يقل عنها أسراً للقارئ سواء في حبك السرود المتواشجة، أو في التصوير حالات اغتراب الأرواح المنفية، أو في مشهدة تاريخ القمع والهزيمة انتفاء الإنسان. 
*- الأرخبيل المنافي 
توزعت فضاءات الرواية التي لم تكن سوى المنافي و المعتقلات، إلى ثلاث جزر اعتقلت أرواح السجناء المهزومين قبل أجسادهم . تبدأ رحلة العذاب من المعتقل الأول بجنوب فرنسا المسمى [فارني دارياج]، لينتقل السجناء إلى المعتقل الثاني بجنوب إسبانيا [سييرا دي مويرتي]، وتختتم الرحلة في المعتقل الثالث و الأخير [ عين الأسرار]، بمدينة جلفا بالجزائر الذي يبتلع في نهاية المطاف كل أوهام الحرية التي تعلق بها السجناء طوال رحلتهم المريرة بين أضلاع مثلث الجحيم.
لم تكن تلك المعتقلات جزراً بالمفهوم الجغرافي بقدر ما كانت كذلك بالمعنى الرمزي، بكل ما تمثله من استبعاد و عزل و حرمان من حياة البشر و طمأنينة الروح، و أنس الأهل.
تتعين المنافي الثلاثة جزراً متباعدة في أرخبيل يتسع لكل ألوان النكال البشري، وامتهان الإنسانية في كائنات مستباحة لم تعدم يوماً التعلق بخيط من الوهم بإمكانية الخروج لتحيا سوية وإن التهمت المعتقلات ربيع عمرها.
رواية تحكي أرخبيلاً لغولاغٍ أبدي لا يمتد صقيعه خارجاً مثل غولاغ الروائي الروسي سولجينتسين(4)، بل يمتد داخلياً ليجمد روح الضحية وجلادها، اللذان يتحدان في حياة عبثية جعلتهما يتناوبان على سرد وقائع ربطت مصيرهما برباط الأسر.. 
رواية تاريخية ملوكها زعماء الحروب، و محركوها السجّانون المأمورون، وشعوبها المعتقلون المنفيون، المدانون بالنكال الأبدي، ولغتها نظرات متبادلة بألف معنى بين حاكم و مأمور و محكوم .. وكلٌ في فلك المنفى يسبحون.
*- المحمول المعرفي :
طالما رددت في أكثر من مناسبة بأن الرواية التي لا تحمل للقارئ في جرابها محمولاً معرفياً.. لتثري معارفه و تناوشها، و تطعن في ثوابته و تزعزعها، هي رواية للنسيان، لن ترسخ في ذاكرة قارئ ولا تستحق مكاناً في مخياله. لكن رواية سييرا دي مويرتي، على خلاف ذلك، تقتحم بتنوعها مستودع معارف القارئ لتضيف إليه، من سير القدامي وطقوس حياتهم، و معتركات الإيديولوجيات، وتاريخ الاضطهاد و سياسات الاستبداد، في أزمنة الاستعمار وذهنيته العابر للأمم والشعوب، و مسارات الحروب المقدسة، و تاريخ سفك الدماء باسم المقدسات والأديان، وعادات الأعراب، والأعاجم في مستعمرات العالم، و حوار الأديان بين اليهود و المسيحيين و ورثة الإسلام.
يقول الراوي: "بدت لي "جلفا" غامضة في أبنيتها القليلة، و سورها القديم... يمر رجل من اليهود يسير إلى جانب العربي مثل إخوة، و للحظات أسمع جرس الكنيسة يرتفع... لطالما كنت بعيداً عن الدين، ولكنني في كل يوم أجزم أن الحرائق دائماً تنشب باسمه، حتى عندما كنا في إسبانيا، انحازت الكنيسة للقوي، و فجأة أصبحنا في مواجهة الرب" (ص 109).
هنا يشرع للقارئ أن يتساءل هل يمكن أن يوجد هذا اللون الزاهي من التسامح بين الأعراق و الأديان في مدينة داخلية جزائرية (لازالت مهمشة لحد الآن) مثل "جلفا"؟؟
قبل أن تغوص به الرواية في ألاعيب سردية شتى تقلب أمامه المواقف بعد أن يطمئن لمنطق سيرها، تستجمع ثقافات التاريخ و أحداثه، و تثير أسئلته و تنبش مقدساته، وتدس قصصاً حميمة بين طياته، وتصهر الكل ثم تصبه في ذهن القارئ فتشوش معارفه و تزعزع يقينياته. و تبقيه على مسافة من التوجس والشك في ما عرف عن تاريخه القريب و البعيد.
*- هندسة النص
- الوصف التمثيلي
من الوجهة الوصفية، تتسيد النص توليفة من الشخصيات ذات المسميات الأجنبية، على رأسها البطل الراوي: مانويل، وهو سجين شيوعي من الجمهوريين المهزومين في الحرب الأهلية الإسبانية على يد الطاغية فرانكو- و صديقه في الجبهة والمعتقل بابلو- و اليهودي البولوني كورسكي. أما من ضباط المعتقل الذين رافقوا السجناء في عين الأسرار بمدينة جلفا، نجد الضابط غرافال، والطبيب بيير، ومدير المعتقل السيد كابوش، ولم يكن للشخصيات العربية من نصيب سوى في اثنين: قائد الحرس العرب التابعين لفرنسا: أحمد صبايحي، و صاحب الدكان الشعبي في مدينة جلفا دحمان السلمي.
ومن أبرز محمولات الرواية من الوجهة المعرفية، ذلك الزخم من الأنساق الثقافية الرامزة الذي تحمله إلى قارئها، منها ما تتمثل في تقاليد الدفن و أسماء المقابر(مقبرة اليهود- المجحودة)، ومنها ما تحمله الألبسة ورمزيتها (البرنس الأبيض والأحمر الرامز لزي عملاء فرنسا في الجزائر). وكذا أسماء أحياء و شوارع ومعالم مدينة جافا في عهدها الاستعماري (قلعة كافارولي- شارع بوا دو جلبار- مقهى لا بوست)...
- زاوية الرؤية و تقنية السارد الحكواتي :
لقد حسم الروائي منذ بداية النص استراتيجية سرده وفق تقنية السرد التاريخي الذي اضطلعت بروايته شخصية السجين"مانويل"، الذي طغت عليه شخصية الحكّاء المنتمي، أكثر من شخصية الراوي المحايد، مما مكنه من تمثيل دور الشخصية الثانية للكاتب، الذي لم يشأ أن يمنح سلطان الحكاية لراوِ عليم، أو يوزع سرد الرواية على رواة فرعيين، بل أوكل السرد لحكواتيٍ يبسط الحكاية أمامه و يمنع القارئ من توقع أي حدث ما لم يصدر عنه هو. لكن هذا الحرمان ليس بيد الراوي مانويل بقدر ما يبدو هو نفسه محروماً من العلم بما سيقع له ولرفقته من حوادث، لأن زمام الحكاية كان بيد الروائي نفسه الذي أوكل لراويه سرد أحداث مغامرة يملك هو خيوط سيرها و تحريكها، معتمداً تقنية "الرؤية مع"، التي لا يعلم فيها القارئ إلا ما علم الراوي (الشخصية الثانية للكاتب).
ولا ننكر أن هذه التقنية السردية تعد الأكثر تبئيراً و مركزة للراوي، و مع ذلك لا ينفك عنها الكاتب، بل أكثر من ذلك نجده يسند لراويه الوحيد حتى القصص الفرعية التي لم يشأ إسنادها إلى شخصيات أقرب إليها.
*- أوديسا بلا شواطئ.. 
حينما يطغى السرد الاسترجاعي والتذكري على الحكاية، تنشأ فجوات متسعة من الفسحات المخيالية المتدهلزة تتراوح بين الحوار الداخلي، و تيار الوعي، تواتر طابع الحوار فيها بين الهوس والأمل و الوهم. فصارت أسئلة المعتقلين تفاضل بين مآزق لا منجاة منها، في فضاء سوداوي معتم ، كأن يسأل أحدهم الآخر: " أيهما أكثر قسوة: أن تموت في حرب خاسرة أم تحيا في منفى بعيد؟"(ص 84).
هواجس حائرة تطبع يوميات سجناء غولاغ أبدي رسم شخصيات نزلائه بصور متفرقة؛ بين شجاع آثر الفرار من المعتقل الأبدي ممسكاً الحرية بيمينه و الموت بشماله، فلاقى مصيره فرداً (الإسباني بابلو)، و آخر روحاني التأمل لا يأبه بحريته ولا يكترث بنيلها أو ضياعها (اليهودي البولوني- كورسكي)، وثالث تلفع بالجبن والاستكانة فنال بعض التميز عن بقية السجناء بولائه وطاعته لمسؤولي السجن (البطل الراوي- مانويل)، أما بقية سجناء المعتقل فكائنات فوضوية تأمل الحرية، وديدنها العنف، و جوابها القمع و العقاب. لكن ما يوحد الجميع هي سلاسل الحديد التي يجرجرونها في أقدامهم إلى مالانهاية من يوميات الغولاغ الأبدي التي تبدأ كما تنتهي:" ماتت داخله جميع الرغبات في العودة حياً، ومات في يوم بارد مثل الذي نعيشه بشكل يومي، و ننتظر أن نموت فيه، صباحه لا يختلف عن مسائه، مثل الأيام التي يتكلم عنها الكتاب المقدس، يوم لا نهاية له (...) أضحى مثل قصة عميقة منهكة، ولن تتكرر، إلا عندما نستفيق في سييرا، أو نموت في عين الأسرارا" (ص 124- 130)..
إنها روايات بلا خيارات تحكي أوديسا بلا شواطئ.. ارتسمت فيها مدينة "سييرا دي مويريتي" مدينة أسطورية لا يزورها البطل مانويل إلا في الحلم، و من "عين الأسرار" في "جلفا" الجزائرية مدينة للمنفى لم تخلق إلا للألم.. وبين الحلم و الألم ترسم الرواية جزراً من الآمال والأوهام في أرخبيل البؤس الأبدي الذي شكلته و لازالت تشكله دون كلال، يد الإنسان.. ذلك الكائن المهدور..
 
 
(1)- رواية لمن تقرع الأجراس لأرنست هيمنغواي
(2)- موسم الهجرة إلى الشمال للطيب صالح
(3)- هذيان بوالارواح في رواية الزلزال للطاهر وطار مثلاً
(4)- رواية أرخبيل الغولاغ للروائي الروسي ألكسندر سولجنتسين.

*- د/ محمد الأمين بحري ناقد و أكاديمي من الجزائر

شوهد المقال 1697 مرة

التعليقات (1 تعليقات سابقة):

محمد حيدار في 04:45 20.03.2017
avatar
يا دكتور محمد اخرج شويا عن الجامعة ليست الجامعة وحدها هي من ينتج الرواية التاريخية ..شكرا

أضف تعليقك comment

  • أرسل إلى صديق أرسل إلى صديق
  • نسخة للطباعة نسخة للطباعة
  • نسخة نصية كاملة نسخة نصية كاملة
طالع أيضا
image

بوعلام زياني ـ صندوق لعجب التلفزيون العمومي الجزائري في خدمة الإستبداد

بوعلام زياني  يسمونها الأرضية لان مستواها يمسح الارض ولا يعانق أحلام الجزائريين الكبيرة ،سموها سابقا باليتيمة لانها لم تنعم بدفء العائلة وعاشت مشردة يستغلها
image

وليد عبد الحي ـ دبلوماسية ترامب بين النووي الايراني وفلسطين

 أ.د.وليد عبد الحي  في إطار اعداد المسرح الاقليمي والدولي لاعلان ترامب عن تفاصيل " صفقة القرن" بُعيد الانتخابات الاسرائيلية القريبة ، وبعد أن ضمن
image

نجيب بلحيمر ـ الجزائر على موجة الثورة السلمية

نجيب بلحيمر   غاب كريم طابو عن الجمعة الثلاثين من الثورة السلمية لأنه في السجن، لكن الثمن الذي يدفعه الآن من حريته الشخصية لا يساوي شيئا
image

صدر حديثا أناشيد الملح - سيرة حراڴ للجزائري العربي رمضاني

المتوسط للنشر :  صدر حديثاً عن منشورات المتوسط - إيطاليا، الإصدار الأول للكاتب الجزائري العربي رمضاني، بعنوان: "أناشيد الملح - سيرة حراڴ"، وهي من
image

المرصد الأوروالمتوسطي لحقوق الإنسان : اعتقال النشطاء السلميين صفعة قاسية لحرية التعبير في الجزائر

جنيف- قال المرصد الأورومتوسطي لحقوق الإنسان اليوم إنّ السلطات الجزائرية اعتقلت أخيرًا عدد من النشطاء السلميين في خطوة تشكّل صفعة قاسية لحرية التعبير في الجزائر.     المثير للقلق
image

اليزيد قنيفي ـ العهد الجديد ..بين التفاؤل والتشاؤم ..!!

اليزيد قنيفي  على مدار عهد طويل تعرضت البلاد إلى حالة من التدمير والحرق والإهانة والسخرية والتجريف والنزيف غير مسبوقة ..استبداد وغلق وفساد معمم وشامل... ورداءة وفضائح
image

علاء الأديب ـ أدباء منسيون من بلادي..الروائي العراقي فؤاد التكرلي

 علاء الأديبعلى الرغم من أن الروائي العراقي المرحوم فؤاد التكرلي لم يكن غزيرا بكتابة الرواية من حيث عددها إلا إنه يعتبر من أوائل الروائيين العراقيين
image

العربي فرحاتي ـ حراك الشعب في الجمعة 30 ..المدنية هي شرط قوة الشعب والجيش

د. العربي فرحاتي  الجيش يقوى بقوة الشعب ..ويبقى قويا مادام الشعب قويا.. ويضعف بضعف الشعب ويبقى كذلك مادام الشعب ضعيفا...ولا يمكن لشخص مهما كان
image

محمد محمد علي جنيدي ـ حكاية بلد

محمد محمد علي جنيدي- مصر   كنتُ كُلَّما سافرتُ إلى بلدِها صباحاً لزيارةِ عَمَّتي العجوز، رأيْتُها تقطعُ الطَّريقَ لتذهبَ إلى محلِ الوردِ الذي تعملُ فيه، فإذا ما

:

لا توجد مدونات لهذا الموضوع

قيم هذا المقال

0
Free counter and web stats