الرئيسية | الوطن الثقافي | عادل السرحان - من جعل السياب يكذب " قراءة في كتاب كنت شيوعيا "

عادل السرحان - من جعل السياب يكذب " قراءة في كتاب كنت شيوعيا "

بواسطة
حجم الخط: Decrease font Enlarge font
image
عادل السرحان  
 
 
 
حين أنهيت قراءتي لكتاب كنت شيوعيا وهو من منشورات دار الجمل ط1 2007 والذي هو عبارة عن مقالات نشرها السياب تباعا عام 1959 في جريدة الحرية البغدادية ، أقول حين انتهيت من القراءة وجدتني أمام مزيد من الأسئلة حول مسؤولية المثقف تجاه المجتمع الذي يعيش فيه ويتفاعل معه ومن تلك الأسئلة هل من واجب المثقف اي كان ان يقنع مجتمعه بما يؤمن به وما لايؤمن به ؟ وهل من واجبه ان يتبع وسائل غير الاقناع في تحقيق اهدافه وقناعاته السياسية والدينية والثقافية .؟
والى اي مدى يمكنه المضي في الاقناع حد العنف ؟ وما الذي يمكن ان يجبره على تجاوز الحقيقة الى الكذب وهو المثقف الواعي ؟
وبالمقابل هل ان اعتراف المثقف وان بعد حين وبشجاعة متناهية كما فعل السياب كفيل باعادة التوازن لدوره في الحياة ؟ وما مصير القناعات التي تشكلت لدى الناس بسببه سلبا وايجابا وخصوصا في القضايا الكبرى التي قد يموت الانسان او يدفع زهرة شبابه سجنا من أجلها .؟
ان القصائد الكبرى التي كتبها هذا الشاعر العظيم مثل المومس العمياء والاسلحة والاطفال والتي كتبت في خضم صراع القناعات الداخلية لديه وصراع التيارات السياسية والثقافية في العراق من جهة اخرى حيث لامست الاسلحة والاطفال قناعات الشيوعيين في حين لامست المومس العمياء قناعات القوميين واثارت الشيوعيون انذاك وتلك المرحلة كانت مرحلة جفوة بين السياب والشيوعية بعد عدة صدمات تعرضت لها قناعاته السياسية لتدفعه الى ذاته الاولى .
لقد كان السياب معبرا عما يؤمن به من فكر وباخلاص حتى انه حين انتقل بقناعاته الى الشيوعية التي رأى فيها خلاصا لعذابات الشعب العراقي من جور السلطات دافع عنها الى أبعد الحدود حتى الحدود التي تحمي قناعاته الشخصية والدينية والعائلية حيث يقول :كان لدى جدي فلاح اسمه ـ محمود طيارة ـ سرق ادوات الفلاحة من بستانه والتي كانت ملك صرف لجدي فارسل اليه من يستدعيه ولما سأله عنها قال بكل صلافة كما علمناه في كل الايام السابقة : انها ليست لك بل لي أنا الفلاح عندها هجم عليه جدي واخذ يضربه بالخيزرانه وقمت أنا بوقاحة وتظاهرت بأنني أحجز بين جدي وبين الفلاح ونزعت الخيزرانه من يد جدي ووضعتها بيد الفلاح ثم حركت يده ليضربه فلم يكن يجرؤ هو على القيام بذلك حتى تضرب الخيزرانة جدي على عينيه .
لقد اعتبرت عملي هذا يومذاك بطولة وانتصارا للفلاح الكادح من الاقطاعي الحقير ، ولعل من البداهة ان احترام الجد والاب والاخ الكبير هو حق في كل الديانات والوصايا الاخلاقية عند جميع البشر الا نحن الشيوعيين نرى هذا من السخف والبرجوازية .
فهل كانت خديعة السياب للفلاحين وتحريضهم على التمرد على ملاك الاراضي ليثوروا عليهم وينتزعوا منهم ملكهم بالقوة بحجة كونهم اقطاعيون رغم اعتراف السياب ان افضل الملاك ماكان يحصل على اكثر من دخل 50 دينار شهريا من مجموع غلة الارض سنويا 
وهو مايعادل دخل موظف حكومي في تلك الفترة.
ويقول السياب : ان من يقرأ قصيدتي في حفلة اقامها جماعة من اهالي الكرادة لتأبين شهداء الوثبة وقد دعوني للمشاركة وهم لايعلمون اني شيوعيا مع اخر هو شيوعي مثلي يدعى محمد شراره وجاء في قصيدتي 
مازال يملأ مسمع الأحقاب ذاك الهدير من الدم المنساب 
يعلو فيرتجف الطغاة وتحمى اسطورة الأحساب والأنساب 
فما علاقة والقول للسياب الأحساب والأنساب بوثبة الشعب على ظالميه ؟ انها الشعوبية التي يغيظها ويمزق أعصابها ان يقول العربي
انه عربي ، اما كلمة زميلي شراره فكانت مخصصة لمهاجمة الحجاج العربي الذي اراد ان يحمي الكوفة من الغزو الفارسي الشعوبي .
ويقول السياب :انني ليحرقني الأسف على آلاف الشباب الطيبين الذين يرغبون رغبة صادقة في خدمة وطنهم كيف نخدعهم بالكلمات المعسولة والاحلام العذبة والوعود الحلوة حتى اذا زلت بهم القدم في هوة الشيوعية أصبحوا لايملأ قلوبهم غير الحقد والحسد والشر.
ويقول متحدثا عن خديعته للقاريء فيما مضى وهو يتحدث عن الشعر والشعراء فيقول : لقد قرأت شعر الكثير من شعراء الشيوعية ومنهم ناظم حكمت وبابلو نيرورا وماو تسي تونغ والسوفيتي سيمونوف فوجدته سخيفا ، بل وجدت الكثير منه لايستحق حتى ان يسمى شعرا ولكنني كشيوعي وعضو في الحزب كنت ملزما بالدفاع عن هؤلاء والادعاء بأنهم أعظم شعراء العالم وان شاعرا سخيفا كناظم حكمت هو أعظم من الشاعر الأنكليزي العبقري ت.س. اليوت أو ايدث ستويل ، ولكن بيني وبين نفسي كنت معجبا بهما . 
أما انا فأقول : من كان يقرأ للسياب في حينها كل ذلك وربما تشكلت لديه قناعات مزيفة حول الشعر والشعراء ماذا عساه ان يفعل ؟
ويقول السياب : كنت أنا المنظم الحقيقي للفلاحين الحزبيين في ابي الخصيب وكان علينا ان نحتفظ بأعضاء الحزب البسطاء ومؤيديه لئلا يفلتوا من قبضته الحمراء نتيجة ظروف مر بها الحزب وصرت أجزل لهم عطاء الوعود حتى انني وبمساعدة بعض الحزبيين من (الافندية) رسمنا خريطة لبساتين القرية ووزعنا تلك البساتين على الفلاحين وصرنا ندور عليهم وبأيدينا الخرائط العنيدة فنكشفها امامهم وكانت رؤيتهم للخريطة كافية لاقناعهم بصدق عزمنا ، انهم اناس بسيطون ، سذج ، يصدقون الحرف المكتوب ويؤمنون به كما لوكان قرآن منزل . 
وهنا كانت في رأيي خطورة كذب المثقف على البسطاء والسذج .
وفي الكتاب الكثير الكثير مما اعترف به السياب مشكورا وبشجاعة فريدة في ظروف تمرد فيها على فكر حزب عتيد مثل الحزب الشيوعي في ذلك الوقت ونراه يقول : لن أكف عن محاربتهم سأنقد كتبا ودواوين شيوعية والخص كتبا ضدها وانشر صورا قلمية لبعض الشيوعيين، فلا يفرح الرفاق بأن مذكراتي قد انتهت وأنهم استراحوا منها .. والى اللقاء.
من كل ماسبق وبرغم شجاعة السياب في الطرح تبقى اشكالية الخديعة الى ماقبل البوح والتراجع عن أفكار الماضي خصوصا حين تصدر عن المثقف اي كان ناهيك عن شاعر كبير مثل بدر وربما ذهب ضحية ذلك الخداع اناس كثيرون قتلا وسجنا وفكرا واخلاقيا 
ولاشك ان هذا الأمر ليس وقفا على السياب وحده بل على مثقفين وادباء وشعراء كبار غيره .
فهل ينبغي للمثقف ان ينأى بنفسه عن السياسة كأنتماء الى احدى جهاتها وليس لنقدها او الوقوف مع مجتمعه حين تتعارض مصالحه وحقوقه مع تلك السياسة ؟ أم لامانع من خوض السياسة ومضمار الثقافة والادب معا ؟ وهل ينبغي عليه ان يقف مع مايؤمن به وان تعارض مع مصالح مجتمعه كما يفعل أدونيس في موقفه من الثورة السورية وغيرها من القضايا غير مهتما بالنقد الموجه اليه .
وهل كل مثقف قادر على ان يتراجع عما تراجع عنه السياب مما قد يثير الناس ضده ويسيء الى سمعته كشاعر عظيم خصوصا وان تراجعه ذلك قد فتح عليه اتون حرب نفسية واقتصادية كلفته الكثير ليس أقله فصله من الوظيفة وتركه تحت وطأة الفقر والمرض هو وعائلته التي ليس لها معيل سواه .
ان وفاة السياب في الكويت وحيدا فقيرا بعيدا عن وطنه وعائلته لمؤشر على ذلك الثمن الباهض الذي دفعه بعيد قراره الصعب ذلك في العام 1964 حيث شيعه القلة من أهله واصدقائه ومنهم الشاعر علي السبتي الى مقبرة الحسن البصري في البصرة في يوم ماطر واضح الدلالة كأنشودة المطر الرائعة . رحم الله بدرا شاعرا عظيما وانسانا صادقا نزيها لم يلق في حياته وبعد مماته ما يستحقه من التقدير والاهتمام الا مافرضته عبقريته الشعرية على الجميع .



شوهد المقال 908 مرة

التعليقات (0 تعليقات سابقة):

أضف تعليقك comment

  • أرسل إلى صديق أرسل إلى صديق
  • نسخة للطباعة نسخة للطباعة
  • نسخة نصية كاملة نسخة نصية كاملة
طالع أيضا
image

يزيد أڨدال ـ لماذا تتعثر الشركات الناشئة Startups في الجزائر ؟

يزيد أڨدال هذا السؤال هو ما يدور في بال الكثيرين من المهتمين بهذا المجال في الجزائر، وخصوصا ممن يملك أفكارنا يريد تجسيدها بإطلاق مشروعه الخاص، ولكن
image

حكيمة صبايحي ـ الحياء لحاء الحب الوطني الذي لا ينقطع مدده

حكيمة صبايحي  يحتاج الإنسان إلى حافز نفسي لإنجاز أي شيء وكل شيء بقدر ما يمكنه من الإتقان، وحتى عندما يتعب، يتابع العمل والاجتهاد، وحتى عندما تخدعه
image

نصرالدين قاسم ـ "الجمعة 106" خارقة .. فارقة

نصرالدين قاسم قطعت الجمعة السادسة بعد المئة قول كل خطيب، لتؤكد أن الحقيقة كل الحقيقة ولا شيء غير الحقيقة في الشارع في الهتافات والشعارات التي هدرت
image

رضوان بوجمعة ـ الأمة الحية تأبى البقاء رهينة للمنظومة الميتة

د. رضوان بوجمعة  الجزائر الجديدة 195 بعد عام كامل من تعليق الجزائريين والجزائريات للمسيرات بسبب وباء كورونا، عادت الميادين على المستوى الوطني اليوم الجمعة، في أول
image

نجيب بلحيمر ـ عودة السلمية.. الكابوس وطوق النجاة

نجيب بلحيمر "رانا ولينا وباصيتو بينا".. الرسالة واضحة، السلمية عادت وقشة "الاحتفال" التي كانت السلطة وزبائنها يتمسكون بها لعلها تنقذهم من الغرق بطوفان الشارع جرفتها اليوم
image

بوداود عمير ـ واقع الفنان الجزائري المؤلم " الفنان الكبير أحمد قادري " قريقش فنيا "

بوداود عمير  مؤسف ومؤلم جدا واقع الفنان الجزائري، لا وضعية مادية واجتماعية مريحة ولا عروض فنية تحقق بعضا من حضوره الفني. ذلك ما استخلصته وأنا أنهي
image

جلال خَشِّيبْ ـ عودةُ الاحتواء: ما الذّي تعنيه سياسةُ الحرب الباردة للحظتنا الراهنة دِيبُورا وِيلتْش لارسون، مجلّة السياسة الخارجية، 15 يناير 2021، الولايات المتحدّة

إعداد وترجمة: جلال خَشِّيبْ، باحث مشارك أول بمركز دراسات الإسلام والشؤون العالمية (CIGA)  عودةُ الاحتواء: ما الذّي تعنيه سياسةُ الحرب الباردة للحظتنا الراهنةدِيبُورا وِيلتْش لارسون، مجلّة
image

يوسف بوشريم ـ ثلاثة مواقف يوم 22-2-2021 ستبقى راسخة في ذهني. نور السلمية

يوسف بوشريم  الموقف الأول (الحر البصير القادم من خنشلة):العلم الوطني أداة جريمة في الجزائر لمستقلة  و نحن في طريقنا مشيا على الأقدام من ساحة الأمير عبد القادر
image

نجيب بلحيمر ـ إهانة مظاهر "الدولة" أهم من ترسيم تسعيني

نجيب بلحيمر  أهم من ترسيم تسعيني رئيسا لمجلس الأمة، بعد نحو سنتين من توليه هذه المسؤولية بالنيابة، طريقة إخراج هذه العملية.ما حدث اليوم يؤكد أن هذا
image

عبد الجليل بن سليم ـ النظام السلطوي تعامله معنا .. تعاملنا معه

د. عبد الجليل بن سليم  عندما يتم إلقاء القبض على أي شخص قام بحقه في الكلام و التعبير عن سخطه ، فان ردة فعلنا لمادا النظام

:

لا توجد مدونات لهذا الموضوع

قيم هذا المقال

0
Free counter and web stats