الرئيسية | الوطن الثقافي | فارس شرف الدين شكري - تاريخ جدلي

فارس شرف الدين شكري - تاريخ جدلي

بواسطة
حجم الخط: Decrease font Enlarge font
image

 

فارس شرف الدين شكري



فلسفياً؛ لا يخرج جوهر أيُّ صِراع عن جدلية الحِراك بين الأقطاب. وإذا أمكننا أن ننعت الصِّراع، كيفما كان شكله ونوعه، بمصطلح أو تصوّرٍ موضوعي بديل، فإن صفة «الحتمية» ستكون هي القرين المباشر الذي لا مناص منه. وهو الأمر الذي ناظَرَت حوله مدارس أدبية وفكرية وفلسفية عديدة ابتداء من القرن المنصرم (دون أن ننسى أعمال كيركغار ونيتشه التي كانت هي المدخل الأساس)، حين ارتفع نجم الوجودية، على مستوى المسرح مثلاً (أنتونان آرتو- جون كوكتو)، وعلى مستوى الأدب والفلسفة (سارتر وليوطار نموذجين)، ثم نجم المدرسة النقدية، على مستوى علم الاجتماع (سليلي المدرسة الماركسية المستحدثة: بورديو نموذجاً)..إلخ.

 

 


الصراع ظاهرة بشريّة، لا يمكن لها أن تنتهي، هي تُمثّل الحِراك، والتاريخ بطبعه جدلي- جدالي- حِراكي، وأبداً لا يمكن له من خلال طبيعته أن يكون ساكناً، حتى وإن اختلفت معالم الحِراك، بين دينامية سريعة ودينامية تبدو بطيئة، ولكنها مرجأة لا غير، في انتظار المفعّل الموضوعي لها.. دور الفلسفة سيكون إذن في تحديد إشكالية الصِراع في كل مجتمع، والبحث عن ميكانيزمات ونسق الحِراك الذي تتحكم فيه. من يتحكّم في ميكانيزمات الحِراك، يتحكّم في الصراع إلى أبعد الحدود، لأنّ الصراع الذي ينقلب إلى حرب، في امتداده الأسمى، لن يخبرنا بمنتهاه أبداً، مثلما أشار إلى ذلك «تشرشل»، بعدما أعلنت بريطانيا الحربَ على ألمانيا في الحرب العالمية الثانية

دور الفلسفة أيضاً ملزم بالتساؤل عن مكانته ضمن الصراعات الحالية: هل هي مصاحبة اليوم لأنواع الصراع الجديدة. خاصة ونحن نعلم بأن ميكانيزمات الصراع التي تخلقها الديموقراطية، تختلف عن تلك التي تخلقها القوى السلفية؟. هل الصراع، هو فعلاً بين القديم والحديث، كما أُريد له في عهد الاسئلة الإصلاحية الكبرى بعد نهاية الحرب العالمية الثانية وفشل التجربة التنويرية في خلق إنسان سعيد، وبلا جرائم دامية؟ حتى الصراع الديموقراطي الذي يدّعي أنه يتهرّب من منطلقات قديمة عِدّة، يعتمد في أحيان كثيرة على معالم قديمة -أميركا نموذجاً-. وبعيداً عن « مأزق التنوير» أعتقد أن دور الفلسفة اليوم هو في التأمّل بشكل جدّي في مأزق ما بعد نهاية التاريخ. وهو أمر لم نتشبعْ لحدّ الساعة منه فهماً، بشكل كبير.

***

عربياً، نجد وفي ظِلّ الحِراك الراهن للشارع، الذي تحوّل من صراع بين الأنظمة والشعوب، في السنوات الثلاث المنصرمة كعلامة مميزة لفشل المشاريع الإصلاحية التي تقدّمت بها بعض الجهات الإصلاحية العربية التي أخذت صفة التيار العلماني،أو تلك التي تزيّت بالطابع الديني في محاولته المتكرّرة التليدة التي لم تجدْ لا التصوّر المنطقي لاستيعابها، ولا التجربة الميدانية الراشدة لولادتها.. نجد بأنّ أسئلة الشارع العربي، من المشرق إلى المغرب، لا تحسن الإجابة الفعلية عن مصدر الحراك الذي يولّد الصراع البادي عينياً، لأن المواطن العربي لا يملك التربية الراشدة الضرورية التي تخوّل له الثقة في رؤيته، ومن ثَمّ الاقتناع بمحلية أي حِراك سياسي من شأنه أن يجعل من صناعة التاريخ المحلّي منطلقاً مستقلاً.

يحتاج فهم الصراع، خاصة في شكله الحديث، إلى قوة تصوّرية مركّبة رهيبة، وإلى حرّيّة رهيبة أيضاً من أجل الجهر بمصادره التي تأخذ منطقياً تركيباً شبكياً (بنيوياً). نحن هنا إذن أمام تخطيط إبيستيمي، يحتاج إلى منطق اختزالي شجاع من أجل التخلص من الشوائب غير العقلانية التي تعلق به، والتي يعدّ المركب الديني السطحي أحد مدخلاته المهمة. وإذا كان المُدخل الديني الذي يُسيّر حياة أغلب سكان البلاد العربية، خاصة في ظِلّ مأسسة الخطاب الرسمي وإخضاعه لرغبات الكتلة السوسيولوجية ذات الاتجاهات المحافظة، هو الدينامو المباشر لحركية الحياة، فإن تربية تلك الكتلة ليست نقدية بتاتاً، ولا تسمح للدراسات التيولوجية بأن تكون هي أساس الرؤية التربوية الحديثة للإنسان المسلم والعربي. وهو الأمر الذي عانى منه كثيراً الراحل محمّد أركون الذي لم ينجحْ في مشروع «إسلامياته المطبّقة»، والذي يدخل ضمن فشل المشاريع الإصلاحية التي تكلمنا عنها أعلاه، والتي كانت علامة من علامات الصراع الذي يعيشه المجتمع العربي. وإذا كان المغرب العربي الذي عاني في مرحلة ليست بالبعيدة (حالة الجزائر نموذجاً)، مُهدَّداً في استقراره (يجب فهم الاستقرار بمثابة الحِراك الإيجابي للصراع)، عبر حالة الفوضى التي تعيشها ليبيا بعد انهيار الدولة التوتاليتارية (يجب فهم الفوضى بمثابة الصراع السلبي)، فإن تربية هذا المجتمع، بعد مرحلة استقلال دوله من الاستعمار الغربي، أفرزت نوعاً من الدولة المدنية التي تحكمها كتل سياسية مصلحاتية، والتي كانت تعي ذلك، رغم ادعائها للديموقراطية، وتبرّره بفكرة: «الضرورة الأمنية تحتّم ذلك». 

لقد كان لبناء دول المغرب العربي المستقلّة حديثاً حينها، مميزات تاريخية استعمارية وتراث قبلي وتركيبات سياسية مختلفة، لم تسمحْ لها بأن تلتقي في نشأتها إلّا رمزيا، عبر الخطاب السياسي الترويجي، بينما كانت حقيقة الميدان تكذّب ذلك. يمكننا الوقوف على نوع من التأجيل المتعمّد للفعل الديموقراطي، لا يأخذ «مكر التاريخ» بعين الاعتبار، ولا يتعلّم درس «الحتمية التاريخية» التي يمكن لنا أن نقرأها من باب الاتعاظ بدروس التاريخ، التي قُضيَ فيها على أي رغبة تعادي الشعوب مع الزمن. هنا تتبادر إلى أذهاننا كلمة ليوطار الشهيرة: «حقوق الإنسان، هي حقوق اللّامنتهى». ويبدو بأنّ التجربة الديمواقرطية الفجّة التي تمارسها أنظمة الحكم في البلاد المغاربية، لم تنضجْ بعد كي تقتنع بأن حقوق الإنسان، هي حقوق غير منتهية، ومُتجدّدة، وتتطلب دماء جديدة تسهر على استيلاد لحظة الوعي الراهن المواكبة لمطالب الشعوب، بدل جلدها على جُمل التكرار والطاعة العمياء، وما دليل فشل الاتحاد المغاربي إلّا نتيجة لصراع مصالح الأنظمة، التي لم تفكرْ ولو ليوم، حقيقة في مصالح الشعوب المغاربية المتقاربة فيما بينها، مُعتقَداً، وعرقاً وثقافَةً، والمتباعدة أشدّ البعاد، سياسةً

إنّ السياسة في المنطقة المغاربية، أكثر حرصاً على مصالح البروباغاندا السياسية المركزية، منها على مصالح الشعوب المغاربية اقتصادياً وثقافياً وتطوّراً، ولذلك فإن الصراع الذي قلنا إنه حتمية تاريخية، تنشّطه هذه النتاقضات في هرم السلطة، أكثر مما يقوم به الفعل السياسي الراشد. إننا أمام نوع من الصراع الفـجّ.

 

 

مجلة الدوحة

 

 

 

شوهد المقال 857 مرة

التعليقات (0 تعليقات سابقة):

أضف تعليقك comment

  • أرسل إلى صديق أرسل إلى صديق
  • نسخة للطباعة نسخة للطباعة
  • نسخة نصية كاملة نسخة نصية كاملة
طالع أيضا
image

جابر خليفة جابر ـ ثقوبُ عار – أكاليلُ غار قراءة في " ثقوب عارية " للروائي علي الحديثي

جابر خليفة جابر    يُصنفُ هذا العمل ضمن الروايات القصيرة إذ تتكون من 73 صفحة موزعة على 11 مقطعاً. ويتخذُ الحدث فيها مساراً
image

محمد هناد ـ آخر خرجة : «نداء الوطن» !

د. محمد هناد  بعد واقعة تعديل قانون الجنسية، ها هي السلطة تطالعنا بمسعى جديد لن يأتي لها إلا بمزيد من الجفاء. يتعلق الأمر بإنشاء «تحالف» (مع
image

جباب محمد نورالدين ـ هل يضحكون على الشعب هذه المرة ؟

د. جباب محمد نورالدين  لا أعلم إذا كان، هذه المرة، يضحكون على الشعب مثل بقية المرات، فقد قالوا له سابقا يجب ان تقدم التضحيات
image

العربي فرحاتي ـ نخب انتهازية طور التكون ..في مهمات قذرة...

د. العربي فرحاتي  في غياب دولة الحق والقانون والعدالة والحرية ..من الطبيعي أن يكون لكل مرحلة سياسية استبدادية انتهازيوها كحال نظامنا الجزائري..فكان لمرحلة شعار "من الشعب
image

رضوان بوجمعة ـ العقل السياسي وبناء التحول الديمقراطي

د. رضوان بوجمعة  الجزائر الجديدة 198 يواصل الجزائريون والجزائريات مسيرتهم السلمية من أجل إخراج الجزائر مما هي فيه، المسيرة بدأت منذ أكثر من عامين، وهدفها الأساسي
image

عادل السرحان ـ البراحة

عادل السرحان                في البراحة شجرة يقطين تزحف الى النهر نخلتان لنا وأخرى لجارنا عضتني أمي بأسنانها الجميلة يوم تغيبت عن المدرسة تحت إحداها وكل البلابل التي
image

مولود مدي ـ الإقتصاد الريعي في خدمة النظام السياسي الجزائري

مولود مدي  من أحد الأدوات الأساسية التي استعملتها السلطة في تشديد السيطرة على المجتمع: احكام القبضة على السوق الوطنية للسلع والمواد الإستهلاكية الأساسية، ومراقبة سوق العمل.ولهذا
image

عادل صياد ـ نخب بين " ثورية ، انتهازية ، جبانة "

عادل صياد   في هذه اللحظات التاريخية المفصلية والحاسمة، التي يصنع ملحمتها الشعبُ الجزائريُّ العظيم منذ اندلاع ثورة 22 فيفري 2019، وما تلاها من أحداث ومحطات، تشكّلت
image

نصرالدين قاسم ـ في الجمعة 107 السلمية تحاصر السلطة

نصرالدين قاسم إصرار السلطة على التدليس بقصد التدنيس، والاعتقالات والتجاوزات لقمع المسيرات ووقف الاحتجاجات، كشف عوراتها وفتح عليها جبهات جديدة ما لها عليها من سلطان، بدأت
image

فوزي سعد الله ـ مصير غاز الجزائريين في المياة الغربية للبحر المتوسط

فوزي سعد الله  عندما تُقرع طبول الحروب لن يفيد صم الآذانجزء هام من مستقبل الجزائريين يُلعب في مياه البحر المتوسط الغربية حول حقول الغاز البحري قرب

:

لا توجد مدونات لهذا الموضوع

قيم هذا المقال

0
Free counter and web stats