الرئيسية | الوطن الثقافي | عماد البليك - العقل بين التخييل والتأويل

عماد البليك - العقل بين التخييل والتأويل

بواسطة
حجم الخط: Decrease font Enlarge font
image
 
عماد البليك
 
 
 
 
 تكاد تكون كل أزمات الراهن السوداني وتعقيداته وما يمر به من منعطفات وربما إزاحات تاريخية، وليدة تلك "القوقعة الشريرة" التي تسمى مجازا العقل. فالعقل وعلى مدار التاريخ الإنساني ظل محل جدل في حد ذاته في الوقت الذي استطاع فيه أن يحرك الجدل التاريخي ويموضع الأشياء ويزف الكائن البشري من البدائية إلى التاريخ الجديد متنقلا في أطوار حملت الإنسانية بحثا عن "المعنى" الكامن وراء سر الوجود، ومحاولة الإجابة على الأسئلة الكبيرة مثل: من نحن؟ وماذا نريد؟ وإلى أين ذاهبون؟ 
وهي تلك الألغاز الكونية الكبرى التي شغلت الديانات مثلما شغلت الملحدون وعملت الحضارات المختلفة على إبداع الإجابات المتباينة لها والتي تكاد تكون متنوعة وسمينة عبر مسارات الحضارة البشرية على هذا الكوكب، وربما قبله، ساعة كان ولابد من ربط الوجود الإنساني بما خارج محيط الأرض، بصور كالجنة السماوية والكواكب البعيدة، وغيرها من محيطات الغيب الديني والعلمي.
ما هو العقل؟ يمكن العثور على إجابات من خلال تشريح المصطلحات والمفاهيم والمضي في إعادة وعي المفردات اللغوية بما تحمل من مجازات ودلالات.. لكن جملة هذا التحليل لن يقود لسوى صورة غائمة عن هذا الشيء المحير الذي يقترب أحيانا من الطبيعة البيولوجية باعتباره جسم حي مركب من خلايا ويمكن تعريفه بناء على شروط تشريحية بحتة تتم في المعامل وهو هنا يسمى المخ في الغالب.. غير أن ما يتم البحث عنه في إطار التفكير في الإنسان والمجتمع كسياق من السرديات و"الأوهام" والتصورات لا يتعلق بالطبيعة التشريحية وإنما بالمجاز المرسل لهذا الجزء غير المحدد من الإنسان، الذي يكاد يتراوح بين الدماغ والقلب والنفس والفؤاد وغيرها من المسميات التي أطلقتها اللغة والتي تأتي كإنعكاس لمحاولة الإجابة على سؤال، موقع الذات من العالم ومن وعي الذات.
وإذا كان بعض من الأوائل حاول أن يفسر العقل على أنه ميزة الإنسان على الحيوان، كما ورد في لسان العرب: "العقل هو التمييز الذي به يتميز الإنسان من سائر الحيوان" فليست ثمة استدلال منطقي على هذا التقرير البدئي.. لأن الحيوان له عقله وتفكيره ونمطه في الوعي المفارق للنمط البشري. من حيث الإدراك والتفاهم وبناء ونسج العلاقات، وهذا يعني أن فكرة العقل تخضع للمحيط أو المجتمع المعين للكائن موضوع العقل.. فيمكن الحديث عن "عقل النمل" أو "عقل الصراصير".. وهنا لا نناقش العقل بالمستوى الإنساني الفوقي، كما "يتوهم" الإنسان في كونه اختيار إلهي، وذات علية مستلة أو منفوخة من روح الخالق كما في التراث الإسلامي، حيث أن الإنسان وليد النفخة الربانية للكائن الأول وبالتالي فيه من التمييز الذي يتحدث عنه ابن منظور. والمفارقة أن طبقات البشر والمجتمعات في حد ذاتها يمكن أن تحتمل التمييز نفسه الذي يشار إليه هنا.. فما هو غريب ومجهول هو خارج نطاق العقل والعقلاني كاللغة غير المدركة لإنسان ما، فهي أصوات عديمة الفائدة. 
وربما كان التمييز الإنساني في قدرتهم – أي البشر- على التعايش الكلي في الكوكب بإدارة علاقات معرفية وإنتاجية فتحت المجال لبناء عقل جمعي، بخلاف الحيوانات التي تعيش في وحدات متناثرة في مجتمعاتها.. والغريب أنه رغم عدم التواصل بين هذه المجتمعات من موقع ما على الأرض لموقع آخر، إلا أن هناك أنماطا واحدة من العيش والتفكير وبناء الخبرات، وهو ما يطرح سؤالا آخر حول كيف تشكلت هذه الوحدة في رؤية العالم، هل هي إلهام أو تنزيل أو "وحي" كما يذهب النص القرآني، ساعة يتحدث عنهم كـ "أمم أمثالنا" أم أنها أمور أخرى من تشكيل الطبيعة في بناء الأدمغة، وفوق ذلك بناء المجمدات أو الجمادات في حد ذاتها وفق سياق وصفي وتكويني واحد، يجعلنا نتوقف عن سبب هذا التشابه الكلي في التركيب، وسره.. وكيف لعقل الطبيعة أن يرسم هذا الإنتاج المتحد الغريب.. أو هو التشكيل الرباني.. وفي كل الأحوال فإن الأمر مسار نظر وجدل وتعمق.
وفي عموم الدلالات اللغوية عند العرب فإن معنى العقل مرتبط بالمنع والحبس، وهذا يعني أنهم يتكلمون عن العقل بوصفه توصيف أو تشريح للمعطى وليس عن العقل نفسه كسياق كلي معقد، فهم يريدون العقل بوصفه الإحكام والضبط.. 
وهذا ما يفتح الاستفهام حول هل يوجد مرادف لغوي للعقل كمجاز مطلق وكلي وليس كطبيعة العمليات التي توصف بـ "العقل" كالقدرات الإرادية على فعل شيء أو ضبطه أو تيسيره إلخ.. وهذا السؤال يجعل المفكر يذهب إلى أن العقل كشيء مجرد وليس كتوصيف أفعال مترتبة عنه، هو واحد من الأمور التي جعلت الإنسان يفكر في الفصل بين الذات الإنسانية ويجعلها محدودة في مقابل الخالق المطلق والفعال لما يريد.. كعقل مجرد، وفق ما يشير الإسكندر الافروديسي إلى "أن هذا العقل الفعال هو الله.. لأن الله عقل محضّ مفارق للمادة عند أرسطو". 
فقد بحث الإنسان مبكرا في طريقة لفك الارتباط بين الذات "المفكرة" عن البدن والأعراض، ولم يكن ذلك ليتأتى إلا من خلال "توهيمات روحانية" في الفكر الصوفي مثلا أو غيره من أفكار تحاول أن تقرب الإنسان من الخالق أو تتحدث عن الحلول.. لكن ذلك الفعل حتى لو تم لا يعني أن العقل صار محضا.. 
ومن هنا فإن "العقل المحض" وهو عقل ذاتي على العموم.. لكنه شامل ورائي ومتعقل وكبير ومستوعب لكليات العالم وفيه من التناقضات كما فيه من التشابهات والترادفات. وهي صفات موجود في العقل "الأصغر" – أي عقل الإنسان- غير أن المفارق يبقى في التصور الذهني لمطلق عقل الله وعدم قدرة العقل "الأصغر" على تحديده في جغرافية أو محدد زمني أو مكاني.. ذلك لأنه فوق طاقة الزمكان، فوق كلي وفوقطبيعي.
ويكاد يكون تراث العقل من حيث البحث عن ماهيته وجوهر تراثا مهولا في الفلسفات الغربية والشرقية، فالكندي يذهب إلى أن "العقل جوهر بسيط مدرك للأشياء بحقائقها"، ويرى ابن سينا: هذا الجوهر "ليس مركبا من قوة قابلة للفساد"، فيما يرى الجرجاني أن العقل هو "مجرد عن المادة في ذاته مقارن لها في فعله"، ويرى الفارابي أن "القوة العاقلة جوهر بسيط مقارن للمادة يبقى بعد موت البدن، وهو جوهري أحدي، وهو الإنسان على الحقيقة"... أي أنه حقيقة الإنسان الباقية..
والكلام عن العقل بوصفه جوهرا... يعني بحثا مباشرا عن اطلاق الإنسان والبحث عن كماله وكليته لاسيما في فكر الحضارة المشرقية الإسلامية التي نزحت هذا النوع من التفكير عند فلاسفتها الكبار.. وإذا كان جوهر الله في تصوراتهم هو الخلود والتعالي والبقاء والديمومة الأبدية فإن جوهر العقل الإنساني، روحاني جوهري وخالد، بالبحث عن مماثلة النافخ والخالق.. كونه – أي العقل - كما يعبر الفارابي يبقى بعد الموت.. وهو شيء غير مادي.. ولكن ليس هو الروح كما يرد من هذه التعريفات.. وهو ما يفتح سؤالا عن علاقة العقل بالروح في الفكر الإسلامي.. أين حدود الروح من العقل!!..
إذن فالحديث عن العقل أو محاولة تعريفه تقود إلى مسارات عدة، يمكن إحكامها أو القبض عليها من خلال المعنى الفلسفي الذي يحركه مسار هذا البحث، في محاولة فهم العقل السوداني في دوائر التخيل والمجازات والوقائع والأحداث، وهذا يعني أنه يخضع لكل ما ورد.. لكنه في الوقت نفسه يمتلك خصوصياته في إطار محدد.. حيث أنه لا مجال لإدراج تصور كامل أو سياق "عقلاني" عن العقل منذ أرسطو إلى الآن.. و"يتبين أخيرا أن مفهوم العقل تنقل من الشرق إلى الغرب ومن الشمال إلى الجنوب ومن الجنوب إلى الشمال وتقاذفه الفلاسفة لمدة قرون. وخلال هذه المسيرة التاريخية لمفهوم العقل شهد هذا الأخير، خاصة في اللغات اللاتينية والنيولاتينية تغيرات أساسية، سواء في معناه أو في تطبيقاته. ولا يزال هذا المفهوم حتى اليوم موضع بحث كما تدل على ذلك المؤلفات التي تظهر من حين لآخر في الساحة الثقافية بشكل عام، سواء في أوروبا أو في المغرب أو في المشرق".
نستخلص أن مفهوم العقل عبر سيرورته التاريخيه خضع لمعيار ظرفه وموضعه من حيث الدارسة والإفادة المرجوة، وتراوح بين معاني الإطلاق والتقييد، عند الفلاسفة والمتدينين والعلماء وعامة الناس التي تربطه بالفهم والإدراك.. ويكاد يكون التعقيد في فهم العقل إلا بالمعنى المجازي الذي سنأتي عليه، هو أزمة فلسفة كاملة.. أو هو سؤال عميق يتعلق بـالبحث عن العقل نفسه.
 
emadblake@gmail.com
 

شوهد المقال 1133 مرة

التعليقات (0 تعليقات سابقة):

أضف تعليقك comment

  • أرسل إلى صديق أرسل إلى صديق
  • نسخة للطباعة نسخة للطباعة
  • نسخة نصية كاملة نسخة نصية كاملة
طالع أيضا
image

جابر خليفة جابر ـ ثقوبُ عار – أكاليلُ غار قراءة في " ثقوب عارية " للروائي علي الحديثي

جابر خليفة جابر    يُصنفُ هذا العمل ضمن الروايات القصيرة إذ تتكون من 73 صفحة موزعة على 11 مقطعاً. ويتخذُ الحدث فيها مساراً
image

محمد هناد ـ آخر خرجة : «نداء الوطن» !

د. محمد هناد  بعد واقعة تعديل قانون الجنسية، ها هي السلطة تطالعنا بمسعى جديد لن يأتي لها إلا بمزيد من الجفاء. يتعلق الأمر بإنشاء «تحالف» (مع
image

جباب محمد نورالدين ـ هل يضحكون على الشعب هذه المرة ؟

د. جباب محمد نورالدين  لا أعلم إذا كان، هذه المرة، يضحكون على الشعب مثل بقية المرات، فقد قالوا له سابقا يجب ان تقدم التضحيات
image

العربي فرحاتي ـ نخب انتهازية طور التكون ..في مهمات قذرة...

د. العربي فرحاتي  في غياب دولة الحق والقانون والعدالة والحرية ..من الطبيعي أن يكون لكل مرحلة سياسية استبدادية انتهازيوها كحال نظامنا الجزائري..فكان لمرحلة شعار "من الشعب
image

رضوان بوجمعة ـ العقل السياسي وبناء التحول الديمقراطي

د. رضوان بوجمعة  الجزائر الجديدة 198 يواصل الجزائريون والجزائريات مسيرتهم السلمية من أجل إخراج الجزائر مما هي فيه، المسيرة بدأت منذ أكثر من عامين، وهدفها الأساسي
image

عادل السرحان ـ البراحة

عادل السرحان                في البراحة شجرة يقطين تزحف الى النهر نخلتان لنا وأخرى لجارنا عضتني أمي بأسنانها الجميلة يوم تغيبت عن المدرسة تحت إحداها وكل البلابل التي
image

مولود مدي ـ الإقتصاد الريعي في خدمة النظام السياسي الجزائري

مولود مدي  من أحد الأدوات الأساسية التي استعملتها السلطة في تشديد السيطرة على المجتمع: احكام القبضة على السوق الوطنية للسلع والمواد الإستهلاكية الأساسية، ومراقبة سوق العمل.ولهذا
image

عادل صياد ـ نخب بين " ثورية ، انتهازية ، جبانة "

عادل صياد   في هذه اللحظات التاريخية المفصلية والحاسمة، التي يصنع ملحمتها الشعبُ الجزائريُّ العظيم منذ اندلاع ثورة 22 فيفري 2019، وما تلاها من أحداث ومحطات، تشكّلت
image

نصرالدين قاسم ـ في الجمعة 107 السلمية تحاصر السلطة

نصرالدين قاسم إصرار السلطة على التدليس بقصد التدنيس، والاعتقالات والتجاوزات لقمع المسيرات ووقف الاحتجاجات، كشف عوراتها وفتح عليها جبهات جديدة ما لها عليها من سلطان، بدأت
image

فوزي سعد الله ـ مصير غاز الجزائريين في المياة الغربية للبحر المتوسط

فوزي سعد الله  عندما تُقرع طبول الحروب لن يفيد صم الآذانجزء هام من مستقبل الجزائريين يُلعب في مياه البحر المتوسط الغربية حول حقول الغاز البحري قرب

:

لا توجد مدونات لهذا الموضوع

قيم هذا المقال

0
Free counter and web stats