الرئيسية | الوطن الثقافي | عماد البليك - لا يحكى " الطريق إلى خيال جديد"

عماد البليك - لا يحكى " الطريق إلى خيال جديد"

بواسطة
حجم الخط: Decrease font Enlarge font
image

عماد البليك

 

مرة كتب الشاعر التونسي أبو القاسم الشابي في الربع الأول من القرن العشرين محاضرة شهيرة حول ضعف الخيال الإبداعي أو الشاعري عند العرب، وعزا ذلك لأسباب كثيرة متعلقة بالبيئة كذلك التحضر والمدنية والمضي إلى أنساق حياة معقدة من حيث البنى المتخيلة وطبقات اللاوعي في كثافتها، إذ أن ثمة من يرى أن الحياة الحديثة في أبلغ تجلياتها تتكثف في طبقات من اللاوعي وهي ليست بالوعي المرئي المباشر ولا الواقع في تعريفه القديم والمعتاد. 

وقد يبدو هذا الأمر في البداية غريبا، لكن مراجعة بسيطة لحياة كل منا وتفاصيله اليومية سوف يكتشف هذا الشيء وبوضوح، فحضور اللاوعي متأكد في الذات الجديدة ورؤيتها للعالم وممارستها الوظيفية المباشرة والتعاملات اليومية، في ظل تعدد وسائط التلقي وأنظمة التخييل لدى الإنسان الجديد، فهو يتعرض في البرهة الزمنية المعينة لعدد كبير جدا من الأفكار والمتخيلات والمرئيات وغيرها من أشكال التأثير، التي يمكن أن نقول بشكل مباشر أنها تتجمع في وعيه على شاكلة لاوعي بحيث لا يمكن القبض منها على المجاز والواقع، مع مضي اللحظة نفسها وغيابها تماما وهي لا يمكن التحكم فيها أساسا منذ البدء. 
هذا يعني أن الإنسان بات أسير المتخيلات والرؤى أكثر من الواقعية والاحتكاك مع العالم البسيط وفق مرئيات محددة ويمكن تأكيدها كما في العوالم البدائية او الكلاسيكية كما في الريف بخلاف فضاء المدن التي هي مجموع متشابك ومعقد من الصور والعلامات والموضوعات والمشاهد والأفكار وهي ابتكار ذاتي يخضع للوعي الإنساني وثقافة المرء قبل أن يكون له موضوع محدد أو قيمة يمكن تعريفها بالشكل الواضح. 
لقد أنتجت الحياة الجديدة كمّاً من الاستعارات والمجازات التي بقدر ما حاولت تبسيط العالم إلا أنها جعلته أعمق وأكثر تعقيدا ورعبا من حيث غياب البداهة والأشكال القديمة ذات المجال المسطح في الرؤية، كذلك بات هذا العالم الجديد أسير التخييل أكثر من الأفكار الملموسة والمباشرة، وهذا واضح في الثورة التقنية الهائلة واتجاه ثقافة الاستهلاك والرأسمال وممارسته نحو توظيف الخيال بأكبر درجة ممكنة في الجانب "الوظيفي / النفعي" ما فتح الابتكار عالميا وجعل الحياة لامحدودة من حيث الإمكانيات والإضافات والقيم الجديدة التي يفرضها مجال الوعي التخييلي الذي بات ليس خيالا أو وهما غير مُجدٍ بل قيمة لها توظيف وفائدة وهذا هو المطلوب أو المعني عندما يكون الكلام حول خيال جديد.
وعمليا لا يمكن القفز إلى مرحلة الخيال الجديد الذي هو جوهر المستقبل المنشود، إلا وفق مراجعات تتم في أنظمة التلقي عندنا ونظرتنا للعالم بشكل عام والتي هي معقدة ليس بعض الشيء، وإنما كثيرا حيث تتداخل فيها آثار العقيدة والغيب بالتاريخ الذي لم تحسم الكثير من مقولاته العرجاء ولم تحسم بعد، وظلت لها أثر إلى اللحظة الراهنة بالإضافة إلى موروث القيم والتقاليد والعادات التي هي طقوس وأنساق حياة كانت فاعلة وحيوية وعملية ذات يوم، لكنها ومع التضاد الكبير قصاد التغير في الحياة والآليات والعالم الخارجي لم تعد مواكبة أو عملية بالمعنى، ما يتطلب إعادة النظر فيها وتفكيكها للاستفادة من عناصر القوة فيها، وهذا لا يتم عندنا لأننا نعتقد أن الحلول تبدأ من الطبقات العليا للأشياء ومن المناظير السياسية والاقتصادية، في حين أن جوهر المشكل الذي نعانيه يتعلق بتلافيف هذا الميراث الثقيل الذي يرمي بإفرازاته إلى اليوم في شكل صراعات وحروب وعرقية مقيتة وكراهية وظنون وفقدان ثقة بين المجموعات البشرية وتقسيم الناس وفق الهوية العقائدية أو الأيدلوجية أو الطبقية المقيتة التي برزت أيضا بشكل جلي، أو مجال اللون والعرق والجغرافية وأفكار كالمركز والهامش وغيرها من أشكال عجيبة تنتمي لعالم ما قبل التخييل الإيجابي والحياة المنفتحة ذات العقلانية والوعي التنويري والإنسان العملي والفاعل والحقيقي لا المزيف بالكبرياء والغموض الذي يغلف به ذاته عن جهل لا عن معرفة.
إن عملية الفرز بين الخيال الإيجابي والفاعل والتخيلات التي تأخذ طابع الوهم أمر ضروري من شأنه أن يعزز الاتجاه نحو تشييد الأكثر وظيفية في كيفية تحويل البحث عن الجديد في داخل ما نتوارثه من أشكال التخييل، وهذا عمل لا ينجز وفق مبدأ العفوية أو القدرية، أيضا ليس في سياقات عراك الحياة اليومية، وإنما هو اشتغال مستمر وسؤال لا يتوقف حول ماهية الحياة الأفضل التي يجب أن نعيشها إذا ما كنا كأمة جديرة بهذا الشيء وإلا كان مكاننا في أقبية التاريخ التي أخذت الكثير من الامم ونفتها إلى عوالمها المجهولة. 
لقد نهضت الكثير من المجتمعات والشعوب في الوقت الذي عرفت فيه كيف تعيد التفكير في أنظمة وعي العالم وكان الخيال عاملا أساسيا بل مركزيا في هذا الجانب، لأنه المبدأ الذي يتيح رؤية الذات بشكل أحسن وفي مواقع ممكنة وأفضل بناء على ما يتحرك به المرء في سبيل أن يكون ناجزا وإنسانيا، غير أن ذلك كما سبقت الإشارة مرات عديدة يقوم على أسس معرفية لابد منها، فالخيال لا يتحرر ولا يتجدد إلا عبر زاد المعرفة الفاعلة وليس مجرد الأمنيات أو "التأمل" الفارغ الذي يظن المرء أنه سوف يوصله إلى شيء معين أو نتيجة لها فائدة، لكن ذلك لن يحدث لأن التأمل هو شأن آخر يتعلق بالبعد الروحي في الذات ولا يمكن الولوج إليه إلا في درجات من رقي العقل البشري عندما يكون للمرء أن يتحرر من الأسئلة المباشرة ليغوص في المساحات الأعمق من سؤال الوجود أي في ما وراء الأنسقة الواقعية الشكلية وما وراء اليومي والمعاش، وما وراء أشكال الهوية وظنون السياسة وغيرها من المغيبات التي تقف حجر عثرة أمام التطور لأنها ما زالت تدور في أفلكة البدائية.
وبهذا فتحرير الخيال الإنساني أو المخيال الاجتماعي العام، وجعله وظيفيا وعارفا وغير ملتصق بالأكاذيب والأوهام المستوطنة والعلاقة السيئة مع الذات القائمة على وعي غير مؤسس له بأن ترى الذات أنها على شاكلة معينة وهي غير ذلك، كل هذه الشروط أو المرتكزات أبجدية في بناء الأمل لصورة أكثر موضوعية للحياة والمجتمع الذي بإمكانه أن يمضي نحو تفكيك تاريخه وأمسه برؤية جديدة وكذا موضعة حاضره في سياقه الصحيح دون أي مواربة أو قراءة مزيفة، وأبعد من ذلك نفي شكل الزمن الكلاسيكي الذي يقوم على تقسيمات الزمان بشكلها المدرسي وتقريب مسافة الوعي واللاوعي والواقع والخيال، وفق إرادة جديدة وعزائم متجددة. وهذا في خلاصته – هو - سؤال متناهي الصغر من حيث الرؤية لكنه كبير من حيث الممكنات والإجابات التي تشير في محصلتها إلى أن الإنسان يمكن أن يصنع حياته الجديدة إذا ما شاء بعد أن يكون قد تغير فعليا وكان قد استعد لذلك من ذي قبل. وإلا كان مجرد رقم عابر كشأن الملايين، وهكذا بعض الأمم التي لا تفلح في خلق الأثر في سجل التاريخ الإنساني. 
 
emadblake@gmail.com

 

شوهد المقال 1013 مرة

التعليقات (0 تعليقات سابقة):

أضف تعليقك comment

  • أرسل إلى صديق أرسل إلى صديق
  • نسخة للطباعة نسخة للطباعة
  • نسخة نصية كاملة نسخة نصية كاملة
طالع أيضا
image

يزيد أڨدال ـ لماذا تتعثر الشركات الناشئة Startups في الجزائر ؟

يزيد أڨدال هذا السؤال هو ما يدور في بال الكثيرين من المهتمين بهذا المجال في الجزائر، وخصوصا ممن يملك أفكارنا يريد تجسيدها بإطلاق مشروعه الخاص، ولكن
image

حكيمة صبايحي ـ الحياء لحاء الحب الوطني الذي لا ينقطع مدده

حكيمة صبايحي  يحتاج الإنسان إلى حافز نفسي لإنجاز أي شيء وكل شيء بقدر ما يمكنه من الإتقان، وحتى عندما يتعب، يتابع العمل والاجتهاد، وحتى عندما تخدعه
image

نصرالدين قاسم ـ "الجمعة 106" خارقة .. فارقة

نصرالدين قاسم قطعت الجمعة السادسة بعد المئة قول كل خطيب، لتؤكد أن الحقيقة كل الحقيقة ولا شيء غير الحقيقة في الشارع في الهتافات والشعارات التي هدرت
image

رضوان بوجمعة ـ الأمة الحية تأبى البقاء رهينة للمنظومة الميتة

د. رضوان بوجمعة  الجزائر الجديدة 195 بعد عام كامل من تعليق الجزائريين والجزائريات للمسيرات بسبب وباء كورونا، عادت الميادين على المستوى الوطني اليوم الجمعة، في أول
image

نجيب بلحيمر ـ عودة السلمية.. الكابوس وطوق النجاة

نجيب بلحيمر "رانا ولينا وباصيتو بينا".. الرسالة واضحة، السلمية عادت وقشة "الاحتفال" التي كانت السلطة وزبائنها يتمسكون بها لعلها تنقذهم من الغرق بطوفان الشارع جرفتها اليوم
image

بوداود عمير ـ واقع الفنان الجزائري المؤلم " الفنان الكبير أحمد قادري " قريقش فنيا "

بوداود عمير  مؤسف ومؤلم جدا واقع الفنان الجزائري، لا وضعية مادية واجتماعية مريحة ولا عروض فنية تحقق بعضا من حضوره الفني. ذلك ما استخلصته وأنا أنهي
image

جلال خَشِّيبْ ـ عودةُ الاحتواء: ما الذّي تعنيه سياسةُ الحرب الباردة للحظتنا الراهنة دِيبُورا وِيلتْش لارسون، مجلّة السياسة الخارجية، 15 يناير 2021، الولايات المتحدّة

إعداد وترجمة: جلال خَشِّيبْ، باحث مشارك أول بمركز دراسات الإسلام والشؤون العالمية (CIGA)  عودةُ الاحتواء: ما الذّي تعنيه سياسةُ الحرب الباردة للحظتنا الراهنةدِيبُورا وِيلتْش لارسون، مجلّة
image

يوسف بوشريم ـ ثلاثة مواقف يوم 22-2-2021 ستبقى راسخة في ذهني. نور السلمية

يوسف بوشريم  الموقف الأول (الحر البصير القادم من خنشلة):العلم الوطني أداة جريمة في الجزائر لمستقلة  و نحن في طريقنا مشيا على الأقدام من ساحة الأمير عبد القادر
image

نجيب بلحيمر ـ إهانة مظاهر "الدولة" أهم من ترسيم تسعيني

نجيب بلحيمر  أهم من ترسيم تسعيني رئيسا لمجلس الأمة، بعد نحو سنتين من توليه هذه المسؤولية بالنيابة، طريقة إخراج هذه العملية.ما حدث اليوم يؤكد أن هذا
image

عبد الجليل بن سليم ـ النظام السلطوي تعامله معنا .. تعاملنا معه

د. عبد الجليل بن سليم  عندما يتم إلقاء القبض على أي شخص قام بحقه في الكلام و التعبير عن سخطه ، فان ردة فعلنا لمادا النظام

:

لا توجد مدونات لهذا الموضوع

قيم هذا المقال

0
Free counter and web stats