الرئيسية | الوطن الثقافي | فوزي سعد الله - موسيقى الأندلس تجتاح أوروبا

فوزي سعد الله - موسيقى الأندلس تجتاح أوروبا

بواسطة
حجم الخط: Decrease font Enlarge font
image

فوزي سعد الله 

 

".....ومن بين الآثار الشاهدة على انتشار الموسيقى العربية في أوروبا في الفترة ما بين القرنين 13م 16م وجود مصطلحات ومفاهيم موسيقية عربية في اللغات الأوروبية الحديثة مثل الـ: "تْرُوبَادُورْ" (Troubadour) المأخوذة من كلمة (طَرَب ودُورْ) الأندلسية، وكلمة (تراستي) المأخوذة من كلمة "دستان" العربية فضلا عن أسماء العديد من الآلات الموسيقية التي كانت شائعة في الأندلس كالعود والربابة والقيثارة وغيرها وأسماء عدد من الأزياء الخاصة بالفنانين والتي بقيت مُتداوَلة إلى غاية العصر الحديث في اللغات الأوروبية كاللغات الفرنسية والإيطالية والإنجليزية والألمانية.

ومن المعروف أن آلة العود تَحوَّلتْ إلى موضة في الأوساط الفنية الأوروبية طيلة خمسة قرون على الأقل، من القرن 13م إلى القرن 18م، بعد أن انتقلتْ إليها عبْر الأندلس ثم جزيرة صقلية والإمبراطورية العثمانية. إذ لم يكن يُعقل حينها أن يكون الفنان فنانا ومحترَما دون إحاطته بِحدٍّ مَا من أصول العزف على العود. وتَوَاصَلَ ذلك إلى غايةِ ظهورِ آلةِ البْيَانُو التي أخذت منه الصدارةَ تدريجيا في البلاد الأوروبية.

ولم تكتفِ أوروبا بتقليد مسلمي الأندلس فيما يتعلق بالعود بل قَدَّمتْ إسهامات جديدة زادت في تطويره، لعل أبرزها الزيادة المتواصلة عبْر الأجيال لأوْتَارِه حتى بلغتْ 11 وترا بعدما كانت 4 في بغداد قبل أن يزيدَها زرياب وترا خامسا في الأندلس.

 

وأصبح كبار موسيقيي أوروبا يُلحِّنون أغانيهم ومقطوعاتهم الموسيقية على آلة العود مثلما فعل زرياب وابن باجة وابن الحاسب المُرْسي وابن فرناس وابن أبي الصلت وغيرهم من فناني الأندلس وبَرّ العدوة. 
وبرز في هذا المجال عام 1546م الموسيقار الإيطالي بِتْرُوتْشِي في مدينة البندقية حيث ظهر 40 كتابا حول آلة العود، وأتينيان الفرنسي مُؤلِّف كتابيْن عن العُود في النصف الثاني من القرن 16م، إضافةً إلى فرنسيَِّيْن آخريْن هُما فْرَانْسِيسْكْ وبِيزَارْ اللذيْن بلغتْ بفضلهما آلةُ العود أوْجَ شعبيتها خلال القرن 17م، إضافةً إلى بلاَرُوفَالِي وغُولْتِي. كما لمع جُونْ دُولاَنْدْ في بريطانيا التي شهدت تأليف نحو 2000 قطعة موسيقية للعود ما بين عامي 1540م و1620م. أما في ألمانيا فقد لمع بشكل خاص في هذا المجال فَايْسْ وبَاخْ وهَايْدَنْ.

 

يُضاف إلى كل الجسور التي انتقلت عَبْرَهَا الفنونُ الموسيقية الأندلسية إلى أوروبا الزواج المختلط والسَّبْي بين المسلمين والإسبان.

كما أسهمت البعثات التي أرسلتها بعض الدول الأوروبية للدراسة في قرطبة في نقل علم الموسيقى العربية إليها، كما حدث مع جورج الثاني ملك انجلترا الذي بعث رسالة إلى الخليفة الأموي الحكم بن هشام في قرطبة يطلب فيها منه استقبال عدد من الطلاب الإنجليز للدراسة في معاهد الأندلس قائلا: "لقد سمعنا عن الرقيّ العظيم الذي تمتعتْ بفيضه الصافي معاهدُ العلم والصناعات في بلادكم العامرة، فأردنا اقتباس أثركم لنشر نور العلم في بلادنا التي يحيط بها الجهل من أركانها الأربعة...".

وكان الافتتان حينها بالحضارة الأندلسية في أوْجِه في أوروبا حتى أن تالابيرا (Talavera) رئيس أساقفة النصارى في إسبانيا بلغ به الإعجاب إلى حدِّ القول "إن العربي تنقصه المسيحية، أما الإسباني فتنقصه لكي يصبح مسيحيا حقا الأفعال الحميدة التي يفعلها العربي".

التنقلات الكثيفة بين أوروبا والمجال الجغرافي الحضاري الأندلسي – المغاربي لم تتوقف أبدا رغم حالة الحرب المبدئية التي كانت شبه دائمة بين الطرفين. ولم تقتصر على التنقلات الأوربية جنوبا إلى "دار الإسلام" فحسب، والتي سبقت الإشارة إليها، وإنما وُجدتْ تنقلاتٌ لا تقل أهمية في الاتجاه المعاكس من المغرب الإسلامي والأندلس باتجاه أوروبا، ولو لم تنل حقها من البحث والدراسة.

 

ومثلما حَلَّ أوروبيون بديار الإسلام، وُجد مسلمون ومسلمات ويهود ويهوديات في بلدان جنوب أوروبا قادمين إليها من الأندلس والمغرب الإسلامي. 
وكان من بين هؤلاء فنانون وفنانات مارسوا فنهم العربي الأندلسي بإتقان وبهروا به الأوروبيين الذين كانوا في قمة افتتانهم بالثقافة العربية الإسلامية مثلما يجري للمسلمين اليوم إزاء الثقافتيْن الأوروبية والأمريكية.

 

 

وكان هذا الحضور الموسيقي العربي في جنوب أوروبا المسيحية لايختلف من حيث تقاليده وأعرافه وطقوسه عما كان يجري في الأندلس والمغرب الإسلامي حيث كان مصحوبا بالقيان والجواري وحتى بالأسيرات المسلمات اللواتي غنين وأطربن وأبدعن في البلاطات الأوروبية. 
وقد عرفتْ بلاطات الملوك المسيحيين الكثير من هؤلاء المطربين والمطربات ذوي الكفاءات الفنية العالية الذين مازال صدى سهراتهم ومجالسهم يتردد في أمهات المراجع التاريخية في أوربا. وكان الأسرى المسلمون والمسلمات، خاصة في شمال شبه الجزيرة الإيبيرية وفي أقاليم بروفانسيا وآكيتينيا ونورمانديا وبورغونيا، في فرنسا، أداة فعالة في انتقال فنون الموسيقى العربية الإسلامية إلى الغرب المسيحي.

 

ويذكر علي ابن بسام الشنتريني الأندلسي في "الذخيرة في معرفة أهل الجزيرة" أن "ابن الكنان المتطبب قال واصفا مجلس غناء في أحد قصور النصارى فقال: شهدتُ يوما مجلس العلجة بنت شنجة (Saint Jean) ملك البَشْكُوشْ (Bascos) زوج الطاغية شنجة بن غارسية بن فردناند (Saint Jean fils de Garcia fils de Ferdinand)، وفي المجلس عدة قينات مسلمات من اللواتي وهبهن له سليمان بن الحكم أيام إمارته بقرطبة، فأومأت العلجة إلى جارية فيهن فأخذت العود وغنت به... فأحسنتْ وأجادتْ، وعلى رأس العلجة جاريات من القوامات أسيرات كأنهن فلقات قمر...".

وفي العام 1064م/456هـ، يذكر ابن حيان القرطبي صاحب "المقتبس في تاريخ الأندلس"، الذي عاصر حربَ بَارْبَاشْتْرُو (Barbastro) الصليبية، أن "الغزاة الفرنسيين والنورمان سبوا عددا هائلا يُقدَّر بعدة آلاف من نساء المدينة (خلال هذه الحرب ndlr). وحدث أن كلَّف أحدُ الأغنياء المسلمين تاجرًا يهوديا بالتوسُّط له في فداءِ ابنته الأسيرة لدى أحد قوَّاد الحملة. فلما دخل اليهودي على الكونت المسيحي وجده في نشوةِ طرب يرتدي زيًّا عربيا ويستمع إلى مجموعة كبيرة من الجواري المسلمات وهن يضربن على أعوادهن ويغنين بالعربية. تقدم التاجر اليهودي إلى الكونت وحدَّثه بالأمر واضعا بين يديه الجواهر والهدايا النفيسة، غير أن الكونت رفض الطلبَ (إعجابا بالجواري المسلمات) ومدعيا أنهن أغلى عنده من الدنيا وما فيها، ثم همهم بالعربية – يقول اليهودي إنه لم يفهمها – آمرا إحدى الأسيرات بالغناء. فأمسكت بعودها وغنت بالعربية وهي لا تمسك دموعها، بينما طرب الكونت بشدة وهو يستمع ويشير، ما يوحي أنه كان يفهم العربية"......."

 

المصدر: فوزي سعد الله: صفحات مجهولة من تاريخ الغناء الأندلسي...دار قرطبة. الجزائر 2011م.
 

 

الموسيقى في جنان وحدائق الأندلس La musique dans les jardins d'Al-Andalous

 


الموسيقى في قصور غرناطة وإشبيلية Dans les palais de Grenades et Séville

 


الموسيقى الشعبية على أنام الزرنة وإيقاعات الطبول تجتاح أوروبا في القرون الوسطى...La musique populaire d'Al-Andalous envahit l'Europe médievale

 Oeuvre de Hanz holtzbecher لوحة لهانز هولتزبيخير لعازفة على شكل من أشكال آلة العود

 


عازفة عود فرنسية معاصرة...Une musicienne francaise spécialisée dans la musique dite baroque; forme musicale européenne inspirée de la musique arabe, andalouse en particulier

 Chez luthier européen au Moyen Age...ورشة صانع العيدان ف أوروبا القرون الوسطى

  La joueuse de luth française Magalie Poulbot; une amoureude de cet instrument depuis un quart de siècle... عازفة العود الفرنسية ماغالي بولبو المتخصصة في هذه الآلة منذ 25 عاما

 


عازف عود أوروبي في القرون الوسطى...Joueur de luth en Europe médievale

 Quand le Luth (mot derivé de Lud ou Loud qui vient de oud en arabe) faisait le beau temps en Europe ... عندما كان العود يزيّن جلسات أوروبا وسهراتها في القرون الوسطى حتى عصر النهضة,

 

شوهد المقال 1493 مرة

التعليقات (0 تعليقات سابقة):

أضف تعليقك comment

  • أرسل إلى صديق أرسل إلى صديق
  • نسخة للطباعة نسخة للطباعة
  • نسخة نصية كاملة نسخة نصية كاملة
طالع أيضا
image

يزيد أڨدال ـ لماذا تتعثر الشركات الناشئة Startups في الجزائر ؟

يزيد أڨدال هذا السؤال هو ما يدور في بال الكثيرين من المهتمين بهذا المجال في الجزائر، وخصوصا ممن يملك أفكارنا يريد تجسيدها بإطلاق مشروعه الخاص، ولكن
image

حكيمة صبايحي ـ الحياء لحاء الحب الوطني الذي لا ينقطع مدده

حكيمة صبايحي  يحتاج الإنسان إلى حافز نفسي لإنجاز أي شيء وكل شيء بقدر ما يمكنه من الإتقان، وحتى عندما يتعب، يتابع العمل والاجتهاد، وحتى عندما تخدعه
image

نصرالدين قاسم ـ "الجمعة 106" خارقة .. فارقة

نصرالدين قاسم قطعت الجمعة السادسة بعد المئة قول كل خطيب، لتؤكد أن الحقيقة كل الحقيقة ولا شيء غير الحقيقة في الشارع في الهتافات والشعارات التي هدرت
image

رضوان بوجمعة ـ الأمة الحية تأبى البقاء رهينة للمنظومة الميتة

د. رضوان بوجمعة  الجزائر الجديدة 195 بعد عام كامل من تعليق الجزائريين والجزائريات للمسيرات بسبب وباء كورونا، عادت الميادين على المستوى الوطني اليوم الجمعة، في أول
image

نجيب بلحيمر ـ عودة السلمية.. الكابوس وطوق النجاة

نجيب بلحيمر "رانا ولينا وباصيتو بينا".. الرسالة واضحة، السلمية عادت وقشة "الاحتفال" التي كانت السلطة وزبائنها يتمسكون بها لعلها تنقذهم من الغرق بطوفان الشارع جرفتها اليوم
image

بوداود عمير ـ واقع الفنان الجزائري المؤلم " الفنان الكبير أحمد قادري " قريقش فنيا "

بوداود عمير  مؤسف ومؤلم جدا واقع الفنان الجزائري، لا وضعية مادية واجتماعية مريحة ولا عروض فنية تحقق بعضا من حضوره الفني. ذلك ما استخلصته وأنا أنهي
image

جلال خَشِّيبْ ـ عودةُ الاحتواء: ما الذّي تعنيه سياسةُ الحرب الباردة للحظتنا الراهنة دِيبُورا وِيلتْش لارسون، مجلّة السياسة الخارجية، 15 يناير 2021، الولايات المتحدّة

إعداد وترجمة: جلال خَشِّيبْ، باحث مشارك أول بمركز دراسات الإسلام والشؤون العالمية (CIGA)  عودةُ الاحتواء: ما الذّي تعنيه سياسةُ الحرب الباردة للحظتنا الراهنةدِيبُورا وِيلتْش لارسون، مجلّة
image

يوسف بوشريم ـ ثلاثة مواقف يوم 22-2-2021 ستبقى راسخة في ذهني. نور السلمية

يوسف بوشريم  الموقف الأول (الحر البصير القادم من خنشلة):العلم الوطني أداة جريمة في الجزائر لمستقلة  و نحن في طريقنا مشيا على الأقدام من ساحة الأمير عبد القادر
image

نجيب بلحيمر ـ إهانة مظاهر "الدولة" أهم من ترسيم تسعيني

نجيب بلحيمر  أهم من ترسيم تسعيني رئيسا لمجلس الأمة، بعد نحو سنتين من توليه هذه المسؤولية بالنيابة، طريقة إخراج هذه العملية.ما حدث اليوم يؤكد أن هذا
image

عبد الجليل بن سليم ـ النظام السلطوي تعامله معنا .. تعاملنا معه

د. عبد الجليل بن سليم  عندما يتم إلقاء القبض على أي شخص قام بحقه في الكلام و التعبير عن سخطه ، فان ردة فعلنا لمادا النظام

:

لا توجد مدونات لهذا الموضوع

قيم هذا المقال

0
Free counter and web stats