الرئيسية | الوطن الثقافي | فوزي سعد الله - "كاسي يا كاس غازوز... نشربوه أنا وعزوز"....

فوزي سعد الله - "كاسي يا كاس غازوز... نشربوه أنا وعزوز"....

بواسطة
حجم الخط: Decrease font Enlarge font
image

فوزي سعد الله 

لم تكن مدينة الجزائر حاضرة لرياس البحر والدايات وقعقعة السيوف ودوي المدافع فقط، بل كانت أيضا، ولا زالت، مدينة الحكماء وصناع الكلمات الرقيقة القوية التعبير القائمة على الصور اللغوية الفصيحة والألحان العذبة الرقيقة...

في "دْرُوجْ" العمارات، في البيوت، في: "مْنَازَهْ" القصبة ، وعلى السطوح، غنت نساء العاصمة وأبدعت وأطربت منذ قرون، وليس منذ اليوم فقط، في سهرات رمضان، في الأعياد والأعراس..، قبل أن تُسكتها قاعات الحفلات و"الدِّيسْكْ جُوكِي".

ليس كل العائلات كانت تملك إمكانية إقامة حفل أو عرس أو حتى "وَعْدَة" بالمْسامْعِيات، لذلك سوف تضطر العائلات المتواضعة الحال إلى تحقيق الاكتفاء الذاتي غنائيا وتجنيد فتياتها وجميع المدعوات لصنع البهجة وإنجاح العرس بالغناء الجماعي المرافَق بالتصفيقات والزغاريد والرقص على إيقاعات الدربوكة والطّرّ، أو حتى على إيقاع دلْو من الدّلاء البلاستيكية فقط عندما لا تتوفر الإمكانيات...

"حَجَّة وفَرْجَة"

في مثل هذه الحفلات النسوية الحميمية جدا تصنع المدعوات البهجة والطرب وتستمتع بها في نفس الوقت... فهُن المنتج وهن المستهلك...، "حجة وفرجة" كما يقال، في حين إذا حضرت المسامعيات أو "الديسك جوكي" تكتفي النسوة بالمتابعة فقط وحديث الأذنين الخافت واللاذع أحيانا، فيكون الحماس أقل والاستمتاع أضعف واحتمالات ظهور بُؤر توتر جديدة بين العائلات أكبر...

كانت هذه الأعراس مجالس شعرية – غنائية لنساء العاصمة الجزائرية تلتقي فيها الوجدانيات بالفخر والغزل وبالحوارات والمناظرات الشِّعرية الطريفة التي تخص الحياة الاجتماعية اليومية للمرأة العاصمية.

ولعل أشهر ما صدر عن هذه اللقاءات الحميمية في الستينيات من القرن الماضي حتى بداية الثمانينيات من أغاني نسوية تلقائية هي " ولاَّيْ لِيَا، وَلاَّيْ لِيَا...محبوب قلبي عَزُّوهْ عْليَّ" التي لا يمكن لأيٍّ كان أن يدّعي الانتماء إلى قصبة الجزائر وما جاورها من حوْمات إذا كان لا يحفظ على الأقل مطلعها...

https://www.youtube.com/watch?v=arW4tfE8UI4

لكن أعراس ذلك الوقت لم تكن قد استغنت عن بعض الأغاني الحَوْزِيَّة أو العْرُوبِيَّة التقليدية التي اشتهرت بها كل من فضيلة الجزائرية ، مريم فَكَّايْ والشِّيخة طِيطْْمََة وقبلهن المّْعَلّْمَة يَامْنَة بنت الحاج المهدي، مثل الافتتاحية الشهيرة: "رَانَا جِينَاكْ يَا نُورْ عَيْنَيَّ" والخاتمة "أبْقاوْ على خيرْ وَاحْنا مْشينا.. واللِّي يْحَبّْنا يَحْلَفْ علينا"، وأيضا "سيدي جابْ الزَلَّيفْ.. واعطاني غيرْ النِّيفْ.. سيدي جابْ اللّْحَمْ .. واعطاني غيرْ العْظَمْ..." وهي أهم وأحلى مقاطع أغنية "فَرّْشِي لَعْجُوزْتَكْ وقُولي لْها لالَّة..." وقد نالتْ كلها شهرة كبيرة قبل منتصف العشرية الماضية، وتحولت إلى أداة تصفية حسابات وشجار غنائي في الأعراس بين جيليْ الحموات و"العْرايَسْ".

https://www.youtube.com/watch?v=bMjrRpC2VEs

وتعتبر هذه الأغنية، "فرشي لعجوزتك"، التي قد تكون من توقيع زوجة مقهورة من طرف حماتها، تحفة فنية شعبية تتضمن شحنة احتجاجية قوية ضد "طغيان" "العجايز" واستبدادهن بالسلطة داخل البيوت على حساب زوجات أبنائهن. ثم تدعمت الأغنية في الثمانينيات الماضية بـضرَّة نالت رواجا باهرا، مطلعُها: "نوصيكم يا البنات زُوجْ بْزُوجْ، ماتْدِيرُوا الأمان في العْجُوزْ". لكن العجائز لم يسكتن على هذه الاستفزازات وغنين هن الأخريات أغاني طريفة عن جيل "الزّبدة"... ولا شك أنهن يقفن وراء مثل هذه الحملات اللاذعة على العرائس على غرار المثل الشعبي الشهير:"عْجُوزَة مْخَمّْلَة و لاَ عْرُوسَة مْقَمّْلَة"...

وعندما يبدأ الضغط في الارتفاع داخل العرس، تتدخل بعض الحكيمات بأغاني عاطفية لتلطيف الأجواء ووضع حد للتوترات تفاديا لقيام حرب باردة أولأي مكروه لا يُحمَد عقباه.

"نوصيكم يا البنات دَالَة بْدَالَة..."

ومن بين أهم المواضيع التي كانت النساء تتناولهن بحماس كبير وتَلْقَى إقبالا مماثلا من الحاضرات، وهو ما لاحظه ابن حزم الأندلسي منذ قرون، هي الرِّجال والخيانة والتنكر لـ: "العَشْرَة" و ما شابه ذلك. وهي مواضيع تعبر بفصاحة كبيرة عن طبيعة العلاقة بين النساء والرجال في الجزائر، وربما في كل العالم، حيث يختلط فيها الحب والهيام بالعزة بالنفس والرغبة في السيطرة على الآخر والحذر المتبادل وضعف الثقة بين الطرفين وحتى لعن الأب والأم عندما تكون الخييبة كبيرة... فالرجل يميل إلى اعتبار المرأة شيطانا يجب مراقبته عن قرب والحذر منه أقصى ما يمكن، وهو الطرح الشعبي الذي تؤكده مثلا أغنية الشاب مـامي: "ما فيكمْ أمان يا نساء ما فيكم أمان ... نيتكُمْ ديما ناقْصَة ، يا ويحْ الغفْلانْ...". في نفس الوقت تميل النساء إلى اعتبار الرجال معدنا لا ينضب للخيانة، "الرجال خدَّاعين" بالفطرة تقول النساء، لذلك يجب الاحتراز منهم وعدم الثقة فيهم ثقة مطلقة. وبهذا غنين كثيرا في الأعراس خلال العشريات الماضية حتى بحَّتْ حناجرهن:"...نوصيكم يا البنات دالة بدالة.. ما تْديروا الأمان في الرَّجَّالة...".

 

مع ذلك لم تَكُفْ النسوة أبدا عن التسامح مع الرجال بل وحبهم إلى حد إنكار الذات، مثلما لم يتمكن الرجال من العيش دونهن. 
في الأعراس، رغم الشعور بالغبن وبالاضطهاد الذكوري والرغبة في الأخذ بالثأر ولو بالكلام والألحان والرقفص فقط، سرعان ما تضع النساء تصفية الحسابات جانبا في كل مرة لتنطلق في أغاني الغزل والغراميات وكأن شيئا لم يحدث، لا خيانة ولا تنكر لـ: "العَشْرَة". فتبعث في حماس فياض من نوافذ الشقق بالعمارات العاصمية أنغام وكلمات جميلة كل يوم خميس بعد الظهر، خصوصا في فصليْ الصيف والخريف، أنغام وكلمات تتغنى بفضائل الرجال وعطفهم وحبهم وعشقهم وجمالهم وأسمائهم، وهي أغاني أصبح الجميع يحفظها حرفيا لكثرة ما ترددت. ولعل أشهرها في العشرية الماضية: "كاسي يا كاسْ غازوزْ.. نشرْبوهْ أنا وعزُّوزْ" أو"أعطوني دورو يا الأحباب، أعطوني دورو... نطلع للجبل ونْزورُه...".
البعض يقول النساء غبيات...لكن بماذا ترد النساء؟ إنهن يقلن: "لا يمكن أن يحبكم إلا غبي"!!!.

 

انهيار ثقافة...

تأثير الإذاعة والتلفزيون وأشرطة الكاسيت والأسطوانات، التي بدأت تعرف رواجا جماهيريا كبيرا منذ بداية السبعينات عندما بدأ مستوى المعيشة يشهد بعض التحسن، سوف يؤدي إلى إضعاف مستوى الإنتاج النسوي العفوي لمثل هذه الأغاني الفلكلورية وركون النساء إلى السهولة بالاكتفاء بترديد الأغاني التجارية.

 

بذلك بدأت أغاني سليم الهلالي مثل "مَحَنِّي الزين يا مَوْلاةْ العينين" و"الحبيب دْيالي وينْ هُوَ" و"السَّانية والبير" تغزو بقوة ديوان الأعراس. ولم تبق هذه الأخيرة معزولة عما كان يحدث في مكاتب قصر الحكومة وقصر الشعب وداخل المؤسسات الوطنية، فتبنت الأعراس النسوية حتى أغاني الثورة الزراعية مثل "سي بومدين أعطينا الأراضي"، و"خذ المفتاح يا خويا وافتح دارك يا فلاح" للمطرب رابح درياسة التي مجد فيها بناء القرى الفلاحية النموذجية الاشتراكية. 
كما غنت النسوة عندما كان يطغى عليهن الحماس وتسخن رؤوسهن: "وانْ..تو.. تْري..فيفا لاَلْجيري"...

 

اليوم، لم يعد سهلا إقامة عرس في البيوت التي ضاقت بأهلها، ولا في السطوح لعدم قدرتها على استيعاب العدد المتزايد للأهل والأقارب والجيران، بغض النظر عن "التّْحَرْحيرَة" والفوضى ووجع الرأس التي أصبحت العائلات تتفاداها. لذلك ظهر نموذج جديد للاحتفال بمختلف الأفراح، يتمثل في أعراس قاعات الحفلات الذي لازال في طور تَكَوُّنِه وسط فوضى عارمة...

ومع ظهور هذا التحول الراديكالي، سكتت أصوات النساء وصمتت قرائح الشاعرات منهن أمام دوي مكبرات الصوت لتفسح المجال للديسك جوكي وتُعلن عن نهاية عهد جميل من عهود الأفراح في عاصمة الجزائر.

 

وبهذا"الإنجاز العصري"، فقد العرس العاصمي روحه وجماله الداخلي ودفأه الإنساني وطوى صفحة عريقة من الثقافة المحلية لم تنجح في الصمود أمام اكتساح التكنولوجيا و الآلة، رغم أنها قاومت بنجاح على مدى قرون... وتلك سنة الحيـاة..
 Arthur Bridgman..
 Ce mode de vie a continué d'exister jusqu'à la colonisation en 1830. Au delà de cette date, on est rentré dans une nouvelle phase qui déstructuré toute la société et finit par imposer de nouveaux styles de raffinement absolument européens.
 Certains croient toujours que nos femmes etaient cloitrees entre 4 murs...parce qu elles n allaient pas en boite?
 Dans le patio, Wast Eddar, les fetes etaient quasi-quotidiennes: ...Sidi Djab Ezzalif , oua3tani ghir ennif..."
 
 Bent Khalti Ettaous khatbouha...3labalek?
 La femme travaille " El Gargueffe" ( nom du métier et de l'objet brodé)
 La aussi c est l americain Bridgeman

 

شوهد المقال 4305 مرة

التعليقات (0 تعليقات سابقة):

أضف تعليقك comment

  • أرسل إلى صديق أرسل إلى صديق
  • نسخة للطباعة نسخة للطباعة
  • نسخة نصية كاملة نسخة نصية كاملة
طالع أيضا
image

علاء الأديب ـ بين عسر ويسر

د.علاء الأديب            أأبيع نفسي كي أعيش منعّما؟هيهات لو بلغ الجفاف دمائي اني اشتريت بكلّ عمري عزّتيولبست تاج كرامتي وآبائي وسعيت بين الناس ابسط خافقيقبل الكفوف
image

نجيب بلحيمر ـ الثورة السلمية فوق الإنكار

نجيب بلحيمر   تقعدك نزلة برد شديدة وحمى في يوم قائظ في البيت، وتجبرك على متابعة الإعلام الجزائري وكيف يغطي الثورة السلمية، لا أثر للمظاهرات على
image

العربي فرحاتي ـ بين الحكم المدني والحكم العسكري برزخ لا يبغيان

د. العربي فرحاتي  السلطة الفعلية تطور من الشيطنة.. فمن شيطنة شعار " يتنحاو قاع " واتهامه بالشعار "التعجيزي" إلى شيطنة شعار "دولة مدنية ماشي
image

نوري دريس ـ دولة مدنية مقابل دولة قانون

د. نوري دريس  الانزعاج الكبير الذي ظهر على لسان قائد الجيش من شعار "دولة مدنية وليست دولة عسكرية" لا اعتقد أنه يعكس رغبة الجيش في
image

نوري دريس ـ منطق الحراك ومنطق المعارضة

د.نوري دريس   بعد أن انسحبت السلطة بشكل رسمي من الحوار، باعتبار نفسها غير معنية به، ولن تشارك فيه، لأنها ( هي الدولة) وأقصى ما يمكن
image

ثامر ناشف ـ تعويذة الحفاظ على الحِراك من اجل الدولة والمجتمع!

د.ثامر ناشف  ان حركية المجتمعات ضمن اطار "عصر الجماهير III" والقدرة على بناء التوجه العام لن يتوقف ولن يستتب الا بمدى انتاج وإحداث
image

يسين بوغازي ـ خوارج الحراك

يسين بوغازي الخوارج عصابة  خرجت على فكرة فسميت بدلالة الخروج اللغوي  خوارجا ،وكانت فئة متدينة  ، أخلص العصب المناصرة  لعلى بن أبي طالب!
image

رضوان بوجمعة ـ أحزاب الغلق و المجتمع المفتوح

د. رضوان بوجمعة   ستولد الجزائر الجديدة بوعي سياسي جديد، وبوعي وطني ذكي يعترف بالاختلاف والتنوع، ويقطع نهائيا مع منطق العصبة والعصبية والشبكة والزمرة.هذا الوعي
image

العربي فرحاتي ـ حراك الجزائر 20 ..عرس وطني ..الجزائر كلها اهازيج

د.العربي فرحاتي  حسب ما تتناقله وسائل التواصل الاجتماعي تحولت الجزائر اليوم في ٥ جويليا إلى عرس وطني بهيج .. بأهازيج وأغاني الثورة التحريرية التي
image

نجيب بلحيمر ـ إن الذكرى تنفع الثائرين

نجيب بلحيمر   نحن بحاجة إلى ذاكرة قوية لننتبه إلى أهم أساليب النظام في احتواء المطالب, وإفراغها من معانيها, وإدخالها إلى رصيد هذا النظام.نتذكر جيدا عندما كانت

:

لا توجد مدونات لهذا الموضوع

قيم هذا المقال

0
Free counter and web stats