الرئيسية | الوطن الثقافي | جمال غلاب - اليزابت ابرهاردت في طريقها الى مدينة بوسعادة الحلقة :177/4

جمال غلاب - اليزابت ابرهاردت في طريقها الى مدينة بوسعادة الحلقة :177/4

بواسطة
حجم الخط: Decrease font Enlarge font
image

جمال غلاب 

 امتطى طالب كان برفقتنا بغلة هادئة كانت تحمل أمتعتنا ...(؟إ) . حرجنا من عمق الواد بعد أن القينا النظرة الأخيرة على مدينة المسيلة و بعدها توغلنا في السهول الرحبة , تشبه الصحراء . سهل الحضنة في شفق المساء الذي يبدو غير متناهي .. الجبال البعيدة ذات الزرقة القزحبة .

نجتاز أمام عشرين منزلا كل سكانه نيام . ماعدا الكلاب العنيفة التي تكفلت باستقبالنا بنباحها المبحوح الحناجر .. انها قرية السعيدة ـ بلدية أولاد ماضي حاليا ـ . جرداء لا شجرة ولا نبتة بها .. بعد ذلك ندخل في ادغال فضية حيث تنبعث منه شكوى غريبة حزينة مثل نداء بدون صدى من طير الكيروان يعيش في السفوح و يفضل الخروج في الليل للغناء ,

شحوب السماء في فضاء لا حدود له . الخيول يثيرها هذا الصمت الرهيب و الحر تود لو تنطلق مخمرة في سباق مذهل .

السهل تنبت به احراش رمادية شاحبة بلون مسحوق تراب الأرض .. بعض الوديان جافة ..لا توجد به تلال إستفحلت به الرتابة .رويدا رويدا نتقدم و الليل يتناقص و دفء يشبه هبوب نسيم مداعب .. خالي من أي تلوث . أجد هنا هذا الاحساس بالسكينة و الصمت المطلقين ..أحب كثيرا السكينة و السلام ولا شيء يعكرهما .

اندفعنا حيث جدار أسود تحت جناح الليل المظلم انه برج سي الرعاب , يكتسي صفة الحبوس ـ وقف ـ للزاوية الرحمانية لمدينة بوسعادة يشتمل على بساتين مورقة مشكلة من خليط من الاشجار السوداء العملاقة . وبعد تناول وجبة عشاء خفيفة تمددنا على فراش في الفناء بسبب الحرارة الشديدة و العقارب المطاردة لنا و المختبئة في شقوق الجدران البستان ... الخيول و البغال التى ترعى في الريف عهد بهم الى بعض الطلبة لتولي رعايتهم من الذين يعيشون وحدهم ,, يقضون وقتهم في قراءة الكتب القديمة و يصلون و يتعبدون مثل الرهبان .

أنها الليلة الثانية التي نقضيها بدون نوم و اعيننا لا تنغلق بسبب لسعات البراغيث و الناموس التي تنزل عنا ..لكن الطلبة لا يأبهون بها و ينامون نوما عميقا . التعب طغى على رفيقي بوبكر فاستلم الى النوم وبقيت وحدي . نهضت الى الخارج و استلقيت على ارض يابسة جافة وحارة أنتظر طلوع القمر .. أحلم في الظلام تحت كواكب النجوم المذهلة ...استمع الى قلبي للولادة من جديد و لأحس بسعادة حيوية .. محاولة النسيان ما آل اليه شبابي؟إ.

 

اخيرا و عندما قرص القمر تطبعه الزرقة يشرق فوق السهل مبددا السواد على الأنقاض و الأكواخ و البساتين المكثفة مثل باقات الورد. أدخل لأوقظ سي بوبكر و الطلبة الذين في نومهم العميق في رطوبة الصباح المنعشة .. نغادر ممتطين خيولنا و النعاس يغلب علينا مثل المخدرين و من حين لأخر في ذلك السكون العميق الذي يقطعه نخير فرس أو تعثره حينها الطلبة يحاولون إرسال أغاني صحراوية بطيئة تساعد على التغلب على مساحات من الرتابة .
ـ ياي ياي ياي 
ـ ناديت ولا من جاوبني 
ـ ياي ياي ياي 
ـ و توسلت و لمن أستجاب ..
بعدها صوت الحلم يخفت من جديد و نواصل السير بمظهر كله صمت .

 

ندخل الى منطقة , حيث خيولنا على مضض , و خائفة انها نبتات احراش لا تعد ولا تحصى محاطة بالسواد من الأسفل و فضية من الأعلى تشبه من بعيد لرجال نائمين أو اشباح لقد استيقظ فينا الخوف الذي كاد يسقطنا .

 

طلع النهار بنسائمه المنعشة الآتية من بعيد تعطي ابتهاجا للشباب و تجدد الفرح فيهم .. هي ساعة فسحة مع اطلالة كل يوم في المناطق الصحراوية الواسعة في الجنوب .. 
كان الوقت نهارا عندما وصلنا الى الخليج الغربي للحضنة عبارة عن سبخة تجمع بين لوني البني و الأصفر ممتدة ومستوية بدون نتؤات ولا عشب ...الطلبة نزلوا من على خيولهم لصلاة الفجر .

 

منذ عام تقريبا فقدت عادة التعود (على صلاة الفجر) بسبب السرج و الركاب العربي .. أحس بكسر يؤلمني في ساقاي اللينتين .. بعدها سي علي الطالب الذي يرافقنا يغادرنا عائدا الى المسيلة .. بعدها سي بوبكر يمتطي البغلة و نغوص في عمق السبخة ..طلعت الشمس الملتهبة ملوحة ببدء حرارة شديدة .

 

قرية بانيو : برج (قلعة) عسكري أبيض رمادي في قمته .. ممر يؤدي الى بئر مسيج باشجار ماؤه ساخن وغير راكد حوله بنايات من الطوب و أرضيته من الرمل محمر اللون قليلا ... جاف انه رمل حقيقي و أشجار الطرفة متناثرة هنا و هناك مشكلة تلالا مثل أشجار الصحراء وهي بمثابة الظل الذي نتظلل به للراحة نشرب بشراهة الماء الملوث بالتراب وقهوة المملؤة بالذباب المقزز ....حرارة الشمس ترتفع شيئا فشيئا علينا ...نغادر المكان ,,,مرت ساعتان ونصل الى البئر الخالي هناك منزلان من الطوب مهجوران طيلة الصيف و بئر نقي وصافي ماؤه منعش بالبرودة شربنا منه وكأننا مسعورين من شدة العطش و لا أجد تعبيرا اكثر من هذا لأعبر به . بعدها نلج الى ساعات مثقلة بالحرارة وسط النهار في سهل عاري وكلسي لكن أمامنا جبلان يغلاقان افقا بين قممهما . انها مدينة بوسعادة المتربعة على سهل منخفض .. حيث نرى قصبتها بوضوح ,,,, المدعمة و المهيمنة على المدينة و خضرة البساتين الميالة الى السواد .. و الوهم الأبدي للجنوب يعيد نفسه .
بدت المدينة في الاقتراب و نحن نتقدم دائما ومع ذلك : المسافة التي تفصلنا عنها لا تقلص هذه الرؤية للمدينة الساحرة التي تسربت الى أ فق متحولا الى خوف و قلق دائمين .. الحرارة الملتهبة تجفف شفاهنا و وتتشقق منها و رياح السيروكو تلهبنا.

 

 

الجمل الذي يتجاوزنا يروينا و فجاة الرجل و بهيمته البطيئة يتفككان و يذوبان بتموجهما في السراب بصعوبة يمكننا تحديد ملاحمهما في السهل .
 

 

شوهد المقال 1786 مرة

التعليقات (0 تعليقات سابقة):

أضف تعليقك comment

  • أرسل إلى صديق أرسل إلى صديق
  • نسخة للطباعة نسخة للطباعة
  • نسخة نصية كاملة نسخة نصية كاملة
طالع أيضا
image

نجيب بلحيمر ـ الحوار الخطيئة في التوقيت الخطأ

نجيب بلحيمر  إلى من توجه عبد المجيد تبون بحديثه في فرانس 24؟ السؤال تفرضه المناسبة. من الناحية الرمزية يعتبر ما أقدم عليه تبون أمرا غير مسبوق في
image

رشيد زياني شريف ـ حراك الشعب وحراك القصر

د. رشيد زياني شريف  لا شك لاحظتم شراسة الهجوم على الحراك في الآونة الأخيرة، وخاصة أثناء "الهدنة الصحية" ولم يفتكم تعدد التهم وتنوعها، من كل
image

العربي فرحاتي ـ حراك الجالية الجزائرية ..رسالة للعالم

 د.العربي فرحاتي  بشعارات الوحدة ونبذ التفرقة بين العرب الأمازيغ وبين أحرار الداخل والخارج ..وبالاناشيد الوطنية وزغاريد الحراير.. وفي مناخ أخوي نضالي..انتفضت الجالية الجزائرية في
image

خديجة الجمعة ـ الفارس الملثم

خديجة الجمعة    وفي ليلة ظلماء أسهبت بنظري للسماء محلقة بفكري . علني أجد شيئا ما بداخلي. وإذ بي أراه حقيقة لاخيال وتلعثمت حينها . وفركت عيني
image

عادل السرحان ـ شهداء الجزائر يعودون

عادل السرحان                   أهلاً بمَنْ فدّى الجزائربالدمِإذ عاد مزهواً بأجمل مقدمِأرواحهم قد حلّقت فوق  العُلاورفاتهم مسك يضوع بمعصمِ مُذْ في فرنسا والجماجم عندهاشطر الجزائر تستديرُ لتُحرمِسبعون عاماً بعد
image

علاء الأديبالنصر للذباب والبعوض... من قصص الحرب

علاء الأديب المكان موضع تحت الأرض بثلاثة أمتار مغطى بالصفيح وكومة من التراب في إحدى جبهات القتال والساعة تقترب من الثامنة مساء.ودرجة الحرارة اكثر من 54.درجة
image

محمد محمد علي جنيدي ـ على حرفي

محمد محمد علي جنيدي                    على حَرْفٍ من الفُصْحَىأُهَادِي الحَيْرَى والجَرْحَىيُسَامِرُ ودُّكُم قلبيولا يَغْفُو إذا أَضْحَىعلى حَرْفٍ بإفْصَاحِونُورٍ مِلءَ مِصْباحيتُسَافرُ دَمْعَتي دَوْمالِبُلْدانٍ وأرْوَاحِأيَا حَرْفِي بلا مَأْوَىتَسِيحُ وأَحْمِلُ
image

نجيب بن خيرة ـ من بعيد .... جماجم.... وجماجم

د. نجيب بن خيرة   رجوع رفات الشهداء إلى أرض الوطن ليس مَزيةً من فرنسا ( البغي ) تتفضل به علينا ... إنه حق شعب في
image

وليد عبد الحي ـ حماس وفتح: تمويه الاستراتيجي بالأخلاقي

 أ.د.وليد عبد الحي  الاعلان الاخير عن لقاء قيادات من حماس وفتح لبحث " تحقيق وحدة وطنية" للرد على القرار الاسرائيلي بضم اجزاء من الضفة
image

عبد الجليل بن سليم ـ مناورة النظام الجزائري اطلاق معتقلي الرأي وهو في la crise و كل قرد و بنانتو the red herring gambit

د. عبد الجليل بن سليم  أولا الحمد لله على أنه هناك مجموعة من معتقلي الحراك من أبناء الشعب أطلق سراحهم (الحمد لله على السلامة كريم

:

لا توجد مدونات لهذا الموضوع

قيم هذا المقال

0
Free counter and web stats