الرئيسية | الوطن الثقافي | فوزي سعد الله - القهوة والمقاهي: من "اليمن االسعيد" وأثيوبيا إلى قصبة الجزائر

فوزي سعد الله - القهوة والمقاهي: من "اليمن االسعيد" وأثيوبيا إلى قصبة الجزائر

بواسطة
حجم الخط: Decrease font Enlarge font
image

فوزي سعد الله  

 

من مشروب اعتُبر لفترة طويلة دواء إلى شراب من المشروبات الساخنة، واصلت القهوة تطورها وانتشارها جغرافيا واجتماعيا إلى أن نجحتْ في انتزاع فضاء خاص بها تقريبا ويحمل اسمها أيضا حيث يُسمى "القهوة" في المغرب العربي و"المقهى" في اللغة العربية الفصحى. 
وبعيدا عن الخرافات والأساطير التي تنسبُ اكتشاف هذا المشروب إلى أحد الرعاة في منطقة القرن الإفريقي، في اليمن في أغلب الروايات، لاحظ أن ماعزه كانوا يحتفظون بحيويتهم وطاقتهم بمجرد ما يتناولون حباتها المتساقطة على العشب لينقل اكتشافه إلى غيره من الناس، يُجمع الباحثون على أن أول ظهور للقهوة عبر التاريخ كان في إثيوبيا و"اليمن السعيد" وأن زراعته انطلقت في المنطقة الجنوبية من البحر الأحمر في القرن 7م. 
ومن اليمن، بدأتْ رحلتها عبر العالم لتدخل في تقاليد كافة المجتمعات البشرية منذ أكثر من قرن. فإلى غاية القرن 18م كانت اليمن تُموِّن أغلب بقاع العالم يحاجاتها من القهوة قبل أن تنافسها هولندا انطلاقا من مستعمراتها في سيلان والهند.

 

في القرن 15م، كانت أغلب أقاليم الإمبراطورية العثمانية قد اكتشفتْ سحرَ القهوة، ولو بأشكال متفاوتة. وأول ما شوهدتْ كشرابٍ له فضاؤه الخاص للاستمتاع بارتشافه كان ما بين 1454م و1474م.

 

ومنذ القرن 16م، ظهرتْ دُور القهوة في المدينة المنورة ومكة المكرمة وفي القاهرة، وايضا في دمشق وبغداد وفي أغلب الحواضر الإسلامية الكبرى.
في إسطنبول (القسطنطينية)، كان الأتراك يسمونها "قهوِي – خان" في خمسينيات القرن 16م .
ويُنسبُ إلى شخصيْن سورييْن، أحدُهم من حلب والآخر من دمشق أول مقهييْن في تركيا عاصمة الإمبراطورية العثمانية. وكانتا منذ وقت مبكر مجلسا للشعراء وهيكلا للعبة الشطرنج والنرد وغيرها من الألعاب التي كثيرا ما كانت تُمارس لـ: "قتل الوقت". ثم سرعان ما أصبح المقهى في المشرق وفي الباب العالي كما في منطقة غرب العالم الإسلامي صرحا من أهم صروح الحياة الحضرية.
وعلى غرار حلب ودمشق والقاهرة واسطنبول وطرابلس الغرب وتونس، بدأتْ أكشاك "القهوة" أو المقاهي تنمو كالفطريات في الحواضر الجزائرية لا سيما في العاصمة الجزائر.

 

في "المحروسة بالله"...بعد غارات الفقهاء وحرَس الأخلاق

تعد شهادة الأب دَانْ عن وجود المقاهي في الجزائر من أقدم الشهادات في فترة كان فيها احتساءُ القهوة في قمة الموضة في مختلف أرجاء الإمبراطورية العثمانية؛ من آسيا الوسطى إلى تلمسان مرورا ببيروت ودمشق والحجاز، بل ومكة والمدينة المنورة خصوصا، والقاهرة وطرابلس الغرب وتونس بعد أن ساهمت الطرق الصوفية والشاذلية على وجه الخصوص في إشاعة شرب القهوة على المستوى الجماهيري. وذلك لأن أهل التصوف، الذين تعلموا فن شرب القهوة من اليمنيين الذين كانوا في أواخر القرن 15م، إلى جانب الفُرْس، الأسبق من غيرهم في العالم الإسلامي في هذا المجال، كان المتصوفون يرون في احتساء القهوة أداةً وضعها القدر بين أيديهم لمساعدتهم على مقاومة النوم أثناء ليالي الذِّكر والمدح الطويلة والابتهال إلى الله. والتعبد.

لكن الشرعية التي منحها الخليفة العثماني للقهوة في اسطنبول بعد أن كان قد منعها بفرمان سنة1544م، إثر جدل حاد وطويل بين دعاة المنع أو حتى التحريم والمدافعين عنها، أَطلَقتْ في نهاية المطاف يديها لتكتسح كل العالم الإسلامي. ومنه وسَّعتْ القهوة ُ رقعتَها إلى بلدان أخرى غير مسلمة كانت مُغرَمة بالتشبه في عاداتها الباذخة بالموضة "التركية"، كما كان يُقال في أوربا، وذلك على غرار مدينة البندقية.

لكن قبل الوصول إلى هذا التحرر، تعرضت القهوة في عهودها الأولى، وهو ما نسيناه اليوم، إلى قمع رهيب حيث أحرقتْ كميات هائلة منها مثلما أُغلقتْ مخازنها بحجة أن القهوة تخل بالتوازن الحسي للإنسان وتزيد في إشاعة القيل والقال وتلهي عن العبادة...

يقال إن المغرب علَّم الجزائر ثقافة الشاي الذي كان يشتريه من التجار البريطانيين في القرن 16م. ويتردد أيضا أن الجزائر هي التي أدخلتْ القهوة إلى المغرب...

بهذه الحكايات الشعبية التي تحكي المنافسة بين الجزائريين والمغاربة ،التي هي في جوهرها منافسة بين القهوة والشاي، نكتشف جذورا أعمق مما نتصور، ومما تصور الشاعر الشيخ مصطفى بن دِي مَرَّادْ، لتاريخ النزاع التقليدي بين القهوة والشاي كما وَصَفَهُ في قصيدته الشعبية الشهيرة "القَهْوَة والأَتَايْ يَا الفَاهَمْ دَخْلُوا مُتْخَاصْمِينْ للقَاضِي جَاؤوْا فِي الصّْبَاحْ، قَالُوا لُه يَا حَاكِمْ القْدَرْ احْكُمْ بِيَنَاتْنَا وْلاَ تَعْمَلْ حِيلَة"..

http://www.musicme.com/…

في 1633م، تفاجأ الأب دان بشيوع القهوة في مدينة الجزائر بين جميع السكان. وكانت القهوة حتى قبل هذا التاريخ قد اقتحمت القصور والبيوت والحمامات والفنادق والبازارات وحتى المساجد. لم تكن القهوة حينها غريبة في مدينة الجزائر، على الأقل، بل كانت آنذاك بين أهلها وذويها.

في 1731م، الفرنسي لاَكُونْدَامِينْ (La Condamine) يؤكد وجود المقاهي في مدينة الجزائر، ويقول إن إحداها كانت تقع قرب قصر الداي في وطأ المدينة، وبعبارة أخرى قرب قصر الجَنَيْنَة، الذي لم يبقَ من أجنحته اليوم سوى "دار عزيزة بنت الباي". ووجد لا كوندامين هذه المؤسسات الموضة حتى في جهات أخرى من مدينة رياس البحر واتهمتها بتحوُّلها إلى أوكارٍ للمؤامرات والفتن السياسية "حيث تكثر بذور التمرد والثورات وهي لذلك مملوءة بجواسيس الدَّايْ".

 

هذه المقاهي هناك من الرَّحَّالة الأوروبيين مَن وصفها بـ: "Les cafés barbaresques" قبل أن يُطلق عليها في أوقات لاحقة وإلى وقتٍ قريب"Les cafés maures". 
ولعلَّ من أشهرها تلك التي ترددتْ عليها شخصياتٌ غربية شهيرة ومثقفون كبار ونخبة القضاة والأئمة والطلبة المحليين وحتى رياس البحر وكبار رجال الدولة. 
ومن بين هذه المقاهي التاريخية، نذكر: القهوة الكبيرة، والقهوة الصغيرة، وقهوة بجاية وقهوة العريش وغيرها. وقد تحدث القنصل الأمريكي شِيْلَرْ عن "حيِّ المقاهي" نظرا لترَكُّزِ عدد معتبر منها في وسط المدينة هذا الممتد من باب عزون إلى باب الوادي وفي محيط السوق الكبير وجامع كتشاوة... 
وقد كانت هذه المقاهي الشعبية مفتوحة للجميع على اختلاف الطبقات والشرائح الاجتماعية والإثنيات، رغم أن عددا منها كان يطغى عليها سكانُ جهات أو أقاليم مُعيَّنة أكثر من غيرهم.

 

ومع شيوع شرب القهوة، ظهرتْ الأكشاك المتخصصة في تحضيرها والتي تعرِض على زبائنها أنواعًا أخرى من المشروبات وتقترح عليهم تدخينَ الغَلاَيِين المحشوّة بالتبغ أو بالحشيش، قبل أن تعرف هذه الفضاءات نضجها في المقهى العربي أو Le café maure كما كان يسميه المحتلون الفرنسيون منذ النصف الأول من القرن 19م. وهو المقهى الذي بدأ شيئا فشيئا يستضيف الغناء والموسيقى والفنانين لإمتاع الحضور مثلما كانت الأمور تجري خلال العهد العثماني في "الطَّبَرْنَاتْ" والملاهي التي كان يديرها عادة الأسرى المسيحيون.

 

في بداياتها، كانت المقاهي بين أيدي "الأتراك" عادة خلال العهد العثماني، واستمر هذا التقليد أو التقسيم الاجتماعي لتجارة المقاهي إلى غاية أواخر القرن 19م وإن بدأ "الاحتكار" التركي لها يتلاشى تدريجيا في نهايات الحكم العثماني للبلاد، وخصوصا حينما بدأ يظهر نموذج جديد للمقاهي مستمد من المقهى الأوربي أو بالأحرى الفرنسي. 
ومثلما كان صاحب المقهى تركيا في أغلب الأحيان، فإن النادل غالبا ما كان زنجيا من الخدم أو من الأحرار...

 

ظهور المقهى الأوروبي في مدينة الجزائر

وهكذا شهدتْ النور مجموعة من المقاهي الأوروبية انطلاقا من مدينة الجزائر على غرار مقهى "آبولون" في ساحة الشهداء الذي كان المستشرق لُوِي بِيرْتْرَانْ (Louis Bertrand) من المغرَمين به، ومقهى "تَونْتَونْفِيلْ" في ساحة بُورْ سَعِيدْ الذي عُرف أيضا بـ: "مقهى الجزائر"، وأيضا مقهى "مَالاَكُوفْ" بين حومة "الزوج عيون" وساحة الشهداء...إلخ.

عندئذ دخلت المقاهي العربية التقليدية في عملية تبادل ثقافي مع ضراتها الفرنسية ليتمخض عن العملية نموذج مُهَجَّنٌ يجمع بين الجديد والقديم، بين التقليدي والحديث، وبين ما هو عربي وما هو فرنسي. وهكذا بدأ "القَازُوزْ"( ) وحتى "البِيرَّة" (أي الجعَّة) و"الأَيزَاتْ" تتعايش مثلا مع القهوة العتيقة والشاي بالنَّعْنَعْ، لينتهي التبادل إلى النماذج المعروفة في الوقت الحالي عبْر البلاد.

ودخل المقهى العربي التقليدي منذ النصف الثاني من القرن 19م في حركية تطور جديدة تحت تأثير التغييرات الراديكالية التي أحدثها الاحتلال والتطور التاريخي الطبيعي في المجتمع ومختلف هياكله الاجتماعية والاقتصادية حيث وإن لم يتغير الإطارُ المادي للمقهى كثيرا خلال هذه الفترة إلا أن قاعدتَه الاجتماعية والجغرافية قد شهدت العديد من التحولات ابتداءً من سنوات 1880م. ولعلَّ أبرزَها انتشارُه المتزايد في الفحوص والأحْواز ثم في المدن الصغيرة القريبة من المراكز الحضرية الكبرى قبل أن ينتقلَ إلى الأرياف. كما بدأت تظهر المقاهي المتنقلة في الأسواق عن طريق باعة القهوة والشاي الجوّالين.

ولعبت قوات الاحتلال دورا هاما في نشر ثقافة المقهى في المناطق الداخلية للبلاد بإنشائها عددا من هذه المَحَلاّت الترفيهية حيثما حلَّتْ الفيالق والكتائب والحاميات الفرنسية في العمق الجزائري، وذلك لتسلية الجنود وتوفير مُتنفَّسَات لهم خلال أوقات الراحة...

كما تطورت الوظائف الاجتماعية للمقهى العربي التقليدي فأصبح في نفس الوقت مكانا للتسلية والاستراحة وسوقا للعمل ولعقد الصفقات التجارية وللوساطة في النزاعات الاجتماعية وللزواج والطلاق والخطوبات... مثلما تضاعفت وتنوعت الشرائح الاجتماعية التي أصبحت تتعاطى مع المقهى. بل أصبح هذا الهيكل الاجتماعي الجديد قناةً لنشر التقدّم والتعريف بالتكنولوجيا الحديثة في المجال الصوتي، على سبيل المثال، عن طريق الفونوغراف وفي مجال الصورة بواسطة الصُّوَر ثم التسجيلات السينمائية.، كما تحوَّل إلى منبرٍ سياسي لتحريك الهمم وللتوعية السياسية والدينية...إلخ.

ومع نهاية العشرينيات، بدأ المقهى العربي يتخلى، بعد مقاومة طويلة وعنيدة، عن الزرابي والمائدة التقليدية لتحل محلها الطاولات الأوربية والكراسي، كما ترك الجمر مكانه لـ: "الطَّابُونَة"، و"الجَزْوَة" للفنجان والكأس وغيرها مقتديا بالمقهى الأوربي...لكن دون تفريطه في روحه ونكهته الشرقيتيْن.

في مدينة الجزائر، اشتهرت عدة مقاهي بإشعاعها الثقافي والموسيقي بشكل خاص، وذلك منذ العهد العثماني. العهدُ الذي انتشرت أثناءه موضة المقاهي حيث تُحضَّر القهوة في أواني أصبحت اليوم تُنعتُ بـ "التقليدية" على غرار "الجَزْوَة" أو "الغلاَّيَة" على النسق ذاته الذي كان سائدا في إسطنبول وكبريات الحواضر العثمانية التي كان العالَمُ يَقتَدي بكلِّ ما يخفق فيها من إبداع في مجال فنِّ العيش وحياة الرخاء.

 

في مدينة سيدي عبد الرحمن الثعالبي، اشتهرت مجموعة من المقاهي بتميزها عن غيرها بخدماتها الموسيقية المنتظمة وروادها الذُّوَّاقِين للنغمة الأندلسية ومايدور في فلكها من فنون. ولعل أشهرها سابقة الذكر: "القَهْوَة الكْبِيرَة"، و"القَهْوَة الصّْغِيرَة" و"قَهْوَةْ بْجَايَة"، و"قَهْوَةْ العْرَايَشْ" التي أصبحت تُعرَف أكثر بـ: "قهوة العْرِيشْ" المحاذية لِسًورِ المدينة الجنوبي الغربي الذي يعود بناؤه إلى العهد العثماني والمُطِل على "الخَرْبَة" و"دَارْ الغُولََة" كما يُقال محليًا قُرب حومة السور والسطارة أو "سوسطارة"....
والتحقتْ بالدَّور الذي كانت تؤديه هذه الهياكلُ الترفيهية مقاهي أخرى برزت خلال الفترة الاستعمارية مثلما هو شأن "قهوة بُوشَعْشُوعَة"، و"قهوة مَالاَكُوفْ"، و"قهوة السَّاسِي".
فأمّا "القهوة الكبيرة" فكانت أكبر وأهم مقاهي مدينة الجزائر خلال عهد الباشاوات ووُجدتْ في وسط البقعة التي تُسمى اليوم "ساحة الشهداء". وعلى مقربة منها وُجدتْ أيضا "القهوة الصغيرة" و"قهوة بجاية". وهي المقاهي التي أزالتها إدارة الاحتلال خلال ثلاثينيات القرن 19م لإعادة التهيأة العمرانية للقصبة السفلى بما يتناسب وحاجاتها وغاياتها. 
وظهر على أنقاض هذه الفضاءات "التقليدية" مقهى "مالاكوف" الذي بدأ إشعاعُه الموسيقِي يتأكد منذ ثمانينيات القرن 19م. وهو المقهى الذي سيصبح مِلْكًا للفنان الحاج مْحمَّد العنقاء لفترة طويلة وملتقى لكبار فناني "الشعبي" في مدينة الجزائر كعُمَر مَكْرَازَة وعْلِيلُو والحاج كَشْكُولْ وبُوجمعة العَنْقِيسْ وحْسَنْ السَّعيد وتلاميذ العَنْقَاء كعبد القادر شَرْشَامْ وكمال بُورْدِيبْ والمهدي طَامَاشْ وغيرهم.

 

مقاهي فَحْص االمدينة

 

كما وُجد عدد من المقاهي خارج أسوار المدينة على غرار "قَهْوَةْ بِئْرْ الخَادِمْ"، و"قَهْوَةْ بِئْرْ مُرَادْ الرَّايَسْ" وأيضا "قَهْوَةْ الحَامَّة" بمحاذاة الكهف الذي اختبأ به الكاتب الإسباني مِيغِيلْ دِي سِيرْفَانْتِيسْ عندما كان أسيرا في مدينة الجزائر نهاية القرن 16م. وهو المقهى الذي اشتهر في عهد الاحتلال بـ: Café du Platane (مقهى شجرة الدّلب) الذي استقطب اهتمام المستشرقين والمغرمين بشاعرية الثقافة الشرقية من الغربيين الذين تدفقوا على مدينة الجزائر للاكتشاف والاستكشاف منذ النصف الثاني من القرن 19م. 
اشتهر أيضا مقهى حيدْرَة الذي قال عنه إِيرْنِيسْتْ فيدو Ernest Feydeau في 1862م إنه مقهى "كان يجتمع فيه العرب (Les Maures) الأكثر حزنا على وقوع البلاد تحت سيطرتنا" على حد تعبيره. وقد كان الحشيش، حسب إيرنيستْ فيدو، عزاؤهم في كارثة الاحتلال التي حلتْ بالجزائر. ولا يُستبعد أن يكون انتشارُ هذا المخدِّر في مقاهي عربية مرتبطًا عضويا بمصائب البلاد وأوضاع الناس الصعبة خصوصا وأن نهاية القرن 19م كانت مرحلة اعتنق فيها الكثير من المُحبَطين "ديانة" تدخين الحشيش عندما فشلتْ الأديانُ في دفعهم إلى برِّ الأمان.

 

إِيَزابِيلْ إِيبِرْهَارْدْتْ ذكرتْ هؤلاء البؤساء في مؤلفاتها ووصفتهم بـ: "الشعراء الهائمين وعازفي القُمْبْرِي الذين كانوا دون جذور ودون أهل" رغم أن العديد منهم ما كانوا من الفقراء ولا من الأُمِّيِّين. وتوافقَ هذا الانحدارُ الرّهيب إلى عالَم المخدرات الذي بدأ يتخذ أشكالا اجتماعية مَرَضية وليس "فنية" مع التدهور العام للمجتمع حيث تراجعتْ معه نوعية المقهى تدريجيا وطرأتْ تحولات على وظائفه. فاختفى المقهى الجميل والفخم ليترك مكانه شيئا فشيئا للمقهى البروليتاري بزرابيه البالية والوَسِخة وزبائنه المهلهلي الهندام...

عادة ما كانت هذه المقاهي تُبنى بقربها العيون ليرتوي منها المسافرون وعابرو السبيل على غرار المقهى الشهير بـ "Café du Platane" في الحامة منذ أواخر العهد العثماني و"قهوة زَنْقَةْ سِيدِي مْحَمَّدْ الشّْرِيفْ" و"قهوة مالالكوف" لاحقا... وكانت هذه المقاهي تُقدِّم خدمات متنوعة تتراوح ما بين الاستراحة والترفيه والتسلية و"قتل الوقت"، والعروض الفنية الغنائية والراقصة، وحتى عروض عرائس القراقوز أحيانا...

هكذا دخلت القهوة والمقاهي المدينة بل والبلاد برمتها...

 

وإذا كانت المقاهي الأكثر عراقة في مدينة الجزائر قد مُحيتْ من الوجود منذ أكثر من قرن ونصف القرن، فإن "قهوة العرايش" تُعتبر الشاهد الوحيد تقريبا على ذلك الجيل من مقاهي "بهجة" سيدي عبد الرحمن الثعالبي العثمانية التي لا زالت حية تُرزق وإن تعطل نشاطها منذ نهاية سبعينيات القرن الماضي تقريبا. وهي تقع في القصبة العليا بين الباب الجديد وحومة السُّور والسّْطَارَة.
كما اشتهر مقهى آخر من المقاهي القديمة عُرف باسم مقهى "سِتَّاتي" الذي قال ألكسندر كريستيانوفيتش إنه كان يحتضن الحفلات التي كان يحييها الفنان حامد أو حميد ابن الحمَّارة.
خلال الحقبة الاستعمارية، ظهرت، إذن، مقاهي جديدة في الأحياء التي بناها الاستعمار وأصبحت من بين أبرز المقاهي العربية التي كانت تتعايش فيها قهوة "الجزوة" التقليدية والشاي بالنَّعنع و"الشَّارْباتْ"مع أكثر المشروبات حداثةً التي أنتجتها الحضارة الغربية، بما فيها "قَازُوزْ" حَمُّودْ بُوعْلاَمْ الذي يعود ظهوره لأول مرة إلى سنوات 1870م. وكانت عطر الياسمين المُنعِش لا يفارقها، لأنه كان من عناصر هوية المدينة العتيقة الذي لا يَستغنَى عنه الناس كالخبز والماء( ). 
ومن بين هذه المقاهي ذلك المقهى الواقع أسفل شارع بوزرينة (شارع لاَلِيرْ سابقا) بمحاذاة جامع كتشاوة والذي كان العديد من الناس يُسمونه "قهوة الساسي"، لأن المْعَلَّم اليهودي الفنان أَلْفِريدْ لَبْرَاطِي المعروف بـ: السَّاسِي كان يحيي السهرات هناك بانتظام في "قَعْدَة" محلية بكل الديكور الداخلي الذي تقتضيه مثل هذه السهرات في قصبة الجزائر( ). وكان الشيخ العربي بن صاري ونجله رضوان بن صاري من بين الذين غنوا في هذا المقهى عندما كان في قمة تألُّقِه( ).
كما غنى الحاج المْنَوَّرْ في مقهى "لاَ رِيجُونْصْ" (Café de la Régence) في ساحة الشهداء في مدينة الجزائر، والحاج مْحمَّد العنقاء في مقهى "إِيدِييَّالْ" (Café Idéal)، وصديقه الحاج المحفوظ محي الدين البُلَيْدِي في مقهى Le Café des Sports (مقهى الرياضات) الذي كان مِلْكا له وكان يقع بمحاذاة جامع كتشاوة وتحديدا في شارع الحاج عمر، أو شارع بْرُوسْ (La rue Bruce) سابقا. وفتح هذا المقهى الشعبي أحضانه لعدد من الفنانين الجزائريين خصوصا خلال السهرات الرمضانية خلال عهد الاحتلال، من بينهم فضيلة الجزائرية.

 

 

لكن مقهى مالاكوف يبقى أقوى هذه المقاهي العربية "العصرية" إشعاعا فنيا وهو الذي استقطب كبار رموز الفن الموسيقي لمدينة الجزائر من الشيخ محمد المْنَمَّشْ والمعلم بن فَرَاشُو إلى محمد بن علي سْفِنْجَة وابن التفاحي والشيخ السّْعِيدِي وإيدمون يافيل ومْخِيلَفْ بوشَعْرَة وغيرهم. واحتضن مالاكوف أيضا المستشرقين والباحثين الغربيين المهتمين بالغناء الحضري المحلي وبالموسيقى الجزائرية بشكل أوسع. ولعل من بين أشهرهم: فرانسيسكو سالفادور دانيال، آلكسندر كريستيانوفيتش، جُولْ رُوَّانِي، لِيُّو بَارْبِيسْ، وكَامِيلْ سَانْ سَانْسْ. 
كما كانت شخصيات ثقافية كبيرة تتردد على هذه الهياكل الاجتماعية الثقافية لاكتشاف كنوز التراث الموسيقي المحلي وفهم الشخصية الجزائرية. وكان الفنان التشكيلي أُوجِينْ فْرُومُونْتَانْ من هواة هذه البقعة من القصبة السفلى بعد أن يقضي نهاره في مرتفعاتها في مقهى مفترق طرق حيّ سيدي مْحمَّد الشريف مع أصدقائه من الشيوخ والمثقفين الجزائريين مرتشفا فناجين القهوة والشاي ومحادثا إيّاهم حول تراث المدينة وأخبارها ليستلهم منها أعماله الفنية الكبيرة.
 Dans un café ottoman au début du 20 ème siècle, vraisemblablement à Istanbul.
 Intérieur d'un café Ottoman
 Le fameux "Café des Platanes" à Alger au 19 ème siècle. Son emplacement est en face l'entrée du Jardin d'essai d'Alger du coté du Métro et le quartier Al-Hamma...Un site chargé d'histoire...En fait, c'est dans une grotte adjacente que s'est caché l'écrivain espagnol captif à Alger au 16 ème siècle Miguel de Cervantès. La tentative de fuite a échoué...
 Voilà ce que c'était un café dans l'Alger ottoman. Le Qahoudji au fond à gauche prépare le café à ses clients dans la Djezwa.
 Un Qahwadji algérois discutant avec un client en repos.
  Le fameux café des platanes à Al-Hamma à Alger
 Café des Platanes à Alger au début du 19 ème siècle
 Un café algérois en pleine mutation socio-culturelle, disant en transition durant la colonisation française sous l'effet de l'acculturation...
 
 Un café dit maure
 Terrasses de Qahouat Laariche dans la haute Casbah d'Alger et le Sabbat menant à la rue Kléber où l'on passe par Djami3 Safir et Djami3 Sidi M'hammed Echcherif et le fameux carrefour Fromentain.
 Qahwat Laariche durant les années 1950/1960 environ
 
 Café en plein air en Algérie , ça doit être en plein marché
 Un café maure, les tables et les chaises à l'européenne n'ont pas encore vraiment droit de cité dans cet espace
 Grand Café D'Ismailiyya adjacent à Dar Aziza bent El-Bey et face à Dar Hassan Pacha et Djami3 Ketchawa à deux pas de la place des martyrs à Alger
 Le fameux café des Sports appartenant au grand chanteur Chaabi de Blida Al-Hadj Al-Mahfoud mari de la célèbre peintre spécialisée en art primitif Baya. Ce café situé derrière Hammam Sidna à deux pas de Djami3 Ketchawa, où chantait Fadila Al-Djazairiyya et tant d'autres stars des années 1940/1950, est fermé depuis plus de 20 ans
 Le Bar Gandillot à l'angle de l'avenue Gandillot , à gauche, et la rue Debbih Cherif , à droite, montant vers Soustara. Le bar est devenu laitier jusqu'au années 1990. Puis le Batiment s'est effondrré et sur son emplacement , on joue le football de quartier...Ici vous etes au qaurtier CADIX
 Interieur d'un café algérois au 19 ème siècle
  Le fameux café d'Alger ou Tantonville. A droite l'Opéra d'Alger, aujourd'hui Théatre Mahieddine Bachtarzi au Square Port Said
 Un café maure
 

 

شوهد المقال 2103 مرة

التعليقات (0 تعليقات سابقة):

أضف تعليقك comment

  • أرسل إلى صديق أرسل إلى صديق
  • نسخة للطباعة نسخة للطباعة
  • نسخة نصية كاملة نسخة نصية كاملة
طالع أيضا
image

رضوان بوجمعة ـ الاتصال في قصر المرادية.. من اللقاءات الدورية إلى الحوارات الفرنسية

د. رضوان بوجمعة  الجزائر الجديدة 182   الحوار الذي أجراه المسؤول الأول عن قصر المرادية مع قناة فرانس 24 الفرنسية عشية الاحتفال بالذكرى 58 لعيد الاستقلال،
image

اعتقال الدكتور فارس شرف الدين شكري في بسكرة الجزائر بسبب محاولته اعطاء حلول لانقاذ مدينته من جائحة كورونا

عين الوطن  الدكتور #فارس_شرف_الدين_شكري تم اعتقاله امس بسبب منشوراته على الفايسبوك حول كورونا وتفشيها، في #الجزائر لا تتحدث لا تناقش لا تهمس ببنت شفة ،
image

نجيب بلحيمر ـ الحوار الخطيئة في التوقيت الخطأ

نجيب بلحيمر  إلى من توجه عبد المجيد تبون بحديثه في فرانس 24؟ السؤال تفرضه المناسبة. من الناحية الرمزية يعتبر ما أقدم عليه تبون أمرا غير مسبوق في
image

رشيد زياني شريف ـ حراك الشعب وحراك القصر

د. رشيد زياني شريف  لا شك لاحظتم شراسة الهجوم على الحراك في الآونة الأخيرة، وخاصة أثناء "الهدنة الصحية" ولم يفتكم تعدد التهم وتنوعها، من كل
image

العربي فرحاتي ـ حراك الجالية الجزائرية ..رسالة للعالم

 د.العربي فرحاتي  بشعارات الوحدة ونبذ التفرقة بين العرب الأمازيغ وبين أحرار الداخل والخارج ..وبالاناشيد الوطنية وزغاريد الحراير.. وفي مناخ أخوي نضالي..انتفضت الجالية الجزائرية في
image

خديجة الجمعة ـ الفارس الملثم

خديجة الجمعة    وفي ليلة ظلماء أسهبت بنظري للسماء محلقة بفكري . علني أجد شيئا ما بداخلي. وإذ بي أراه حقيقة لاخيال وتلعثمت حينها . وفركت عيني
image

عادل السرحان ـ شهداء الجزائر يعودون

عادل السرحان                   أهلاً بمَنْ فدّى الجزائربالدمِإذ عاد مزهواً بأجمل مقدمِأرواحهم قد حلّقت فوق  العُلاورفاتهم مسك يضوع بمعصمِ مُذْ في فرنسا والجماجم عندهاشطر الجزائر تستديرُ لتُحرمِسبعون عاماً بعد
image

علاء الأديبالنصر للذباب والبعوض... من قصص الحرب

علاء الأديب المكان موضع تحت الأرض بثلاثة أمتار مغطى بالصفيح وكومة من التراب في إحدى جبهات القتال والساعة تقترب من الثامنة مساء.ودرجة الحرارة اكثر من 54.درجة
image

محمد محمد علي جنيدي ـ على حرفي

محمد محمد علي جنيدي                    على حَرْفٍ من الفُصْحَىأُهَادِي الحَيْرَى والجَرْحَىيُسَامِرُ ودُّكُم قلبيولا يَغْفُو إذا أَضْحَىعلى حَرْفٍ بإفْصَاحِونُورٍ مِلءَ مِصْباحيتُسَافرُ دَمْعَتي دَوْمالِبُلْدانٍ وأرْوَاحِأيَا حَرْفِي بلا مَأْوَىتَسِيحُ وأَحْمِلُ
image

نجيب بن خيرة ـ من بعيد .... جماجم.... وجماجم

د. نجيب بن خيرة   رجوع رفات الشهداء إلى أرض الوطن ليس مَزيةً من فرنسا ( البغي ) تتفضل به علينا ... إنه حق شعب في

:

لا توجد مدونات لهذا الموضوع

قيم هذا المقال

0
Free counter and web stats