الرئيسية | الوطن الثقافي | مخلوف عامر - النص والمدار سردية الشعر وشعرية السرد لـ: أ.د "جمال بوطيب"

مخلوف عامر - النص والمدار سردية الشعر وشعرية السرد لـ: أ.د "جمال بوطيب"

بواسطة
حجم الخط: Decrease font Enlarge font
image
د.مخلوف عامر  
 
 
الأستاذ الدكتور" جمال بوطيب "أستاذ المناهج والنقد بكلية الآداب، ظهر المراز-فاس،من أبرز الأدباء المغاربة، متعدِّد المواهب، يكتب في الإبداع ويؤلِّف في النقد، ولم يبق في حدود الأدب المغربي، بل له إسهامات في الأدب العربي عامة ، ومما صدر له من دراسات: (نحن والآخر، تجليات جسدانية في الفكر العربي والغربي)و(الاستعارة الجسدية: الذات والآخر في الرواية الجزائرية)و(الجسد السردي، أحادية الدال وتعدد المرجع) وغيرها من الدراسات التي تُعدُّ إضافة نوعية إلى المكتبة الأدبية.
بعدما عرضت كتاب د. "جمال بوطيب" (أعراف الكتابة والتأليف) في المرة السابقة، أغرتني تلكم القراءة بأن أطالع كتابه الآخر(النص والمدار). ففي هذا الكتاب يتناول قضية أدبية هي حديث الساعة بين النقاد والمهتمين، مفادها أن الكتابة الأدبية هجينة بحيث تنأى عن استقلالية التجنيس والتصنيف المدرسي الصارم.
وقد ارتأى في مدخل الكتاب أن يحدد المفاهيم المتعلقة بموضوع البحث: مفهوم الشعري والسردي وهل هما متنافران أم متعالقان؟ وما إذا كان التراكم الكمي والنوعي للإنتاج الأدبي العربي يسمح (( بالحديث عن نص عربي ينزع إلى الخروج من النمطية، ويحاول اكتشاف ذاته وتحقيق انكتابه))ص:7
وباعتماده على أهم منجزات المدارس النقدية المعاصرة، يوضح جملة من المفاهيم وحدودها كالشعري والشعرية والسردي والسرد والسردية. وفي تحديده هذه المفاهيم التي –لا شك – تستعصي على كثيرين، نشعر أنه الباحث الذي يرتدي مئزر المُدرِّس فيسعى إلى تبسيطها بطريقة بيداغوجية، في مقالات قصيرة ومركَّزة، تتصدَّرها أسئلة وتعقبها أجوبة، مزاوجاً في تقديم المصطلح بين اللغتيْن، العربية والفرنسية ومستشهداً بما أمكن من الأمثلة، فتحقق التبليغ والفائدة.
فأما عن مسوِّغات الكتابة الشعرية، فإن أي كاتب محترم لا بد ويهدف إلى إيجاد الشكل الأنسب للتبليغ، فلا يكتفي بالمحكي، بل يدرج اللغة الشعرية قصد الإقناع. فالكتابة كما يمثل لها برواية "إدوار الخراط"(مخلوقات الأشواق الطائرة)، تنكتب خارج الزمن لأن لها زمنها الخاص، كما هي ترفض النمطية والتقليد.(( إن اللغة هنا لا تحافظ على دلالتها المرجعية ولا ترضى بالاكتفاء بوظيفة سرد الأحداث. إنها هي نفسها تصبح موضوعاً للسرد، تحقق ذاتيتها وتتجاوز طبيعتها، تجعل شعارها هو الخرق والتجاوز والانزياح))ص:32 
ومثلما اتخذ رواية "الخراط" نموذجاً يتعالق فيه السردي بالشعري ويتعانقان، فإنه يستمر في تأكيد الفكرة / المنطلق من خلال نماذج أخرى. فيبحث سرية السرد في ديوان(النشيد السري ) للمهدي حاضي الحمياني وبلاغة الضمير في النبوة الكنعانية(كتاب الرماد)لـ: "عبد الله رضوان)وشعرية المرجع في ديوان(الولد المر)للشاعر "محمد علي الرباوي"وشعرية الرؤية السردية في رواية (المنعطف) لـ:"الحبيب الدايم ربي"وشعرية الحلم في(أحلام بقرة لـ:"محمد الهرادي" وسردية النص، شعرية النص الموازي في (لا بد أن أحداً حرك الكراسة)لـ:"يوسف المحيميد"والفاعل السردي "ليلى"في ديوان(في الرياح...وفي السحابة)لـ:محمد بنعمارة"وشعرية الهوامش في (نشيد أوروك)لـ: عدنان الصايغ".
لقد تعمَّدت أن أورد هذه العناوين كما جاءت في الكتاب ليتبيَّن القارئ الكريم مسألة أساسية تتعلق بالمنهج الذي يحتكم إليه "جمال بوطيب" في معالجة النصوص. إذ -بالرغم من أنه يستثمر منجزات المدارس النقدية المعاصرة، باستيعاب ووعْي لافتين-إلا أنه لا يجعل منها أحكاماً مسبقة يسقطها على النص بقدر ما ينصت إلى ما تمليه طبيعة النص. وهو وإن استضاء بالنظريات المستحدثة إلا أنه يراعي خصوصية اللغة التي كُتب بها النص وهي هنا اللغة العربية.
إنها قضية جديرة باهتمام النقاد والدارسين، وقد عانيْنا زمناً طويلا ممَّا خلَّفه الفهم الخاطئ للالتزام حين جعلنا السياسي والإيديولوجي يحتل الواجهة فيما نسميه عملا أدبياً، وقد لا يملك من الأدبية إلا قليلاً. وبعدما تسرَّب إلينا النقد الجديد تضاعفت المعاناة بأن سارع كثيرون إلى التقاط ما يَعِنُّ لهم من مصطلحات منبتَّة من جذورها المعرفية ليلصقوها بالنصوص مهما اختلفت وتباينت. ويحاولون-فوق ذلك- أن يبهروا الناس برسم الجداول ورصد الإحصاءات وقد يكون بينهم مَنْ لا يميز بين جمع القلة وجمع الكثرة ولا متى تأتي "كان" تامة أو ناقصة وغيرهما من الظواهر اللغوية التي لا تُدرك إلا بمعرفة خصوصية اللغة ذاتها.
إن قارئ هذا الكتاب سيدرك من خلال النماذج المدروسة، وكأن الباحث يندمج في النص ليعيش لحظة الكتابة مرة أخرى بعد مُبْدعه، ثم ينسحب لينظر إليه من مسافة. حيث يستدعي التراث الشعري أو السردي أو هما معاً، وقد يستحضر الأسطوري والصوفي إذا ما عثر في النص على إشارة ظاهرة كانت أو مضمرة. وما كان ذلك ليتأتَّى له لولا أنه يتَّكئ على مخزون ثقافي شامل،فيه من العربي والأجنبي، ولا يكتفي باجترار النظريات، وإنما يسعى دوْماً من أجل أن يكون لها امتدادها في التطبيق. فهو بذلك يجيب عن حاجة ماسَّة، حاجتنا إلى ممارسات نقدية.
لقد كانت الأسئلة التي أثارها مفاتيح لاستنطاق نصوص متنوعة من الأدب العربي فخلص إلى القول:
((لقد حققت النصوص التي تمَّت مساءلتها، هذا الجمع فيما بين هو سردي وشعري في بنيتها، وبذلك أكدت أن بنية المحكي الشعري هي بنية نثرية ولكنها في الوقت نفسه شعرية،تستعمل في آن واحد أدوات النثر وأدوات الشعر، مما يسمح لنا بمعاودة التأكيد عل أن المساءلة إذا ما سخرت آلياتها التحليلية العلمية يمكنها أن تدرس المحكي باعتباره شعراً وسرداً، إنه محكي يسترجع في النثر وسائل الشعر . ويبقى همُّ النقد ومهمته كشف/اكتشاف هذا الاسترجاع وتبيين كفاءة الكاتب في استرجاعه وما حدود الحضور الشعري في السردي أو السردي في الشعري أو الشعري والسردي معاً في النص الواحد دونما إخلال بالبنية العامة للنص الذي بقى سردياً بالأساس بالنسبة إلينا))ص:116
هناك جهد واضح في القراءة والقدرة على التحليل، ما يجعل قارئ اليوم ملزماً بأن يرقى-بدوره- إلى ما يقترحه المنتج الأدبي. ولا بد له أن يتحصَّن بما يكفي من الأدوات والمهارات، ليشعر بالمتعة ويحصل الفائدة، إن في مقاربة النصوص أو مطالعة الدراسات النقدية.
فلا أملك إلا أن أدعو القارئ الكريم إلى متابعة بحوث د."جمال بوطيب" فهي جديرة بالقراءة، ولأني متيقِّن من أن الجلوس إليها لن يكون من الوقت الضائع أبداً.
===========
أ.د جمال بوطيب، النص والمدار سردية الشعر وشعرية السرد ،عالم الكتب الحديث للنشر والتوزيع، إربد-الأردن، 2013.                                                                  
 

شوهد المقال 1921 مرة

التعليقات (0 تعليقات سابقة):

أضف تعليقك comment

  • أرسل إلى صديق أرسل إلى صديق
  • نسخة للطباعة نسخة للطباعة
  • نسخة نصية كاملة نسخة نصية كاملة
طالع أيضا
image

نجيب بلحيمر ـ الحوار الخطيئة في التوقيت الخطأ

نجيب بلحيمر  إلى من توجه عبد المجيد تبون بحديثه في فرانس 24؟ السؤال تفرضه المناسبة. من الناحية الرمزية يعتبر ما أقدم عليه تبون أمرا غير مسبوق في
image

رشيد زياني شريف ـ حراك الشعب وحراك القصر

د. رشيد زياني شريف  لا شك لاحظتم شراسة الهجوم على الحراك في الآونة الأخيرة، وخاصة أثناء "الهدنة الصحية" ولم يفتكم تعدد التهم وتنوعها، من كل
image

العربي فرحاتي ـ حراك الجالية الجزائرية ..رسالة للعالم

 د.العربي فرحاتي  بشعارات الوحدة ونبذ التفرقة بين العرب الأمازيغ وبين أحرار الداخل والخارج ..وبالاناشيد الوطنية وزغاريد الحراير.. وفي مناخ أخوي نضالي..انتفضت الجالية الجزائرية في
image

خديجة الجمعة ـ الفارس الملثم

خديجة الجمعة    وفي ليلة ظلماء أسهبت بنظري للسماء محلقة بفكري . علني أجد شيئا ما بداخلي. وإذ بي أراه حقيقة لاخيال وتلعثمت حينها . وفركت عيني
image

عادل السرحان ـ شهداء الجزائر يعودون

عادل السرحان                   أهلاً بمَنْ فدّى الجزائربالدمِإذ عاد مزهواً بأجمل مقدمِأرواحهم قد حلّقت فوق  العُلاورفاتهم مسك يضوع بمعصمِ مُذْ في فرنسا والجماجم عندهاشطر الجزائر تستديرُ لتُحرمِسبعون عاماً بعد
image

علاء الأديبالنصر للذباب والبعوض... من قصص الحرب

علاء الأديب المكان موضع تحت الأرض بثلاثة أمتار مغطى بالصفيح وكومة من التراب في إحدى جبهات القتال والساعة تقترب من الثامنة مساء.ودرجة الحرارة اكثر من 54.درجة
image

محمد محمد علي جنيدي ـ على حرفي

محمد محمد علي جنيدي                    على حَرْفٍ من الفُصْحَىأُهَادِي الحَيْرَى والجَرْحَىيُسَامِرُ ودُّكُم قلبيولا يَغْفُو إذا أَضْحَىعلى حَرْفٍ بإفْصَاحِونُورٍ مِلءَ مِصْباحيتُسَافرُ دَمْعَتي دَوْمالِبُلْدانٍ وأرْوَاحِأيَا حَرْفِي بلا مَأْوَىتَسِيحُ وأَحْمِلُ
image

نجيب بن خيرة ـ من بعيد .... جماجم.... وجماجم

د. نجيب بن خيرة   رجوع رفات الشهداء إلى أرض الوطن ليس مَزيةً من فرنسا ( البغي ) تتفضل به علينا ... إنه حق شعب في
image

وليد عبد الحي ـ حماس وفتح: تمويه الاستراتيجي بالأخلاقي

 أ.د.وليد عبد الحي  الاعلان الاخير عن لقاء قيادات من حماس وفتح لبحث " تحقيق وحدة وطنية" للرد على القرار الاسرائيلي بضم اجزاء من الضفة
image

عبد الجليل بن سليم ـ مناورة النظام الجزائري اطلاق معتقلي الرأي وهو في la crise و كل قرد و بنانتو the red herring gambit

د. عبد الجليل بن سليم  أولا الحمد لله على أنه هناك مجموعة من معتقلي الحراك من أبناء الشعب أطلق سراحهم (الحمد لله على السلامة كريم

:

لا توجد مدونات لهذا الموضوع

قيم هذا المقال

0
Free counter and web stats