الرئيسية | الوطن الثقافي | عماد البليك - لا يحكى : جهل كونديرا وفلسفة الاغتراب !

عماد البليك - لا يحكى : جهل كونديرا وفلسفة الاغتراب !

بواسطة
حجم الخط: Decrease font Enlarge font
image

عماد البليك

 

 

في رواية الكاتب التشيكي الذي يكتب بالفرنسية ميلان كونديرا المسماة "الجهل"، يسوقنا إلى تحليل فكرة الاغتراب بوصفه مغادرة الوطن والأهل، وأيضا بوصفه حالة للهروب النفسي عن التعايش مع الأشياء والمحيطات من العوالم حتى لو أن المرء في وطنه، بحيث نفهم أن الإنسان يبحث عن التسامح مع العالم ليس من خلال المتشكلات الخارجية فحسب، بل من خلال ذلك التعايش السعيد مع الذات في الثنايا الداخلية والقصية من الروح، ذلك الأمر المعقد الذي لا يزال يتعقد أمام العلوم الحديثة كلما اقتربت منه.
فعلم النفس رغم ما يقطعه من خطوات إلا أنه لا زال أسير فضاء منقطع الاتصال، ليس فيه سوى تحيزات لأفكار محددة، ولم يحدث اختراقات كبيرة في العقود الماضية كما حدث في علوم إنسانية أخرى. في الوقت الذي تزداد فيه الحياة الإنسانية تأليما وتعذيبا للإنسان ابن عصر السرعة والبطء كما يسميه كونديرا نفسه. وهي مفارقة جديرة بالتأمل أن هذا العصر الجديد بقدر ما اخترع التسارع، فهو في الوقت نفسه ابطئ من حركة الأشياء. والدليل على ذلك أن العمل اختراع حديث لكنه يبطئ الطاقة الإنسانية في معادلة الوقت والزمن، فالحياة الحديثة عملت على تسريع الأشياء بالآلة والتقنية لكنها أبطئت من وجهة أخرى هذه الحياة من خلال اختراع البيروقراطية والروتين والإجراءات الكثيفة التي يجب أن يمر بها أي إجراء ليصل إلى مقصده.
يقصد كوندير بالجهل.. الألم.. ويذهب إلى أن أصل الكلمة في معادلها اليوناني القديم، تعني "ألم الحنين".. فالجاهل هو الذي يظن أن أشياءه جيدة ويجب أن لا يغادرها ولا يلتفت لغيرها وعليه ان يتمسك بها. فهو أسير حنينه لا ينفك عنه ولا يرغب في أن يغادره إلى محطة أخرى، وما سواه الإنسان المنفتح الذي يرغب في التعلم والتعايش مع العالم وفق منظور واعي ومتطور، وهو بذلك ليس لديه حنينا لما يحب ولما درج عليه من ألفة، وبهذا يمكن القول أن الأمم المتخلفة عن ركب الحضارة تمارس الاجترار والحنين إلى الماضي وترفض أو تعجز أن ترى المستقبل المنفتح الذي هو متحرر من صيغ الأمس وتقاليده وميراثه الثقيل في بعض الأحيان.
إذا يكون الاغتراب نوعا من الجهل بوصفه تلك الحالة من التمسك بالألم النفسي والروحي مهما كانت تعريفاته، والالتزام به بغض النظر عن النتائج. فالحياة كما يقول الطيب صالح بين الأهل لها دفء.. هو "دفء الحياة بين العشيرة"، لكن هذا الدفء هو شرط زمكاني قد لا يتوفر دائما، فأنساق الحياة الجديدة مثلا لم تعد تقدم الشروط ذاتها التي كانت يوم قال الطيب قولته تلك، لقد ذهبت الكثير من شروط الدفء وقيمته، فهل هذا يعني تحررا من "الجهل" في اختراق الحنين وكسر القوالب؟ حتى لو أنه من وجهة نظر ثانية يعني نوعا من التجهيل، إذ أن الفعل لم يتم بوعي مجتمعي بل بطفرة حادثة نتيجة محايثات سياسية واقتصادية وظروف هي معلومة من واقع البلد الذي صار معقدا.
ومن بعد آخر فإنه إذا استوفت الشرطية المذكورة (الدفء المفقود) وانتفى "الجهل" بوصفه معادلا لمغادرة الأرض أو البلد أو الوطن، فما هي أسباب النوع الثاني من "الجهل" الذي يكون فيه الإنسان مغتربا في وطنه وبين عشيرته، والذي هو حاصل الآن بدرجات كبيرة لم تعد قائمة في الماضي. هذا يعيد إلى مسائل تقليدية درج التوقف عندها عن ماهية الأرض والأهل والوطن؟ كيف لي أن أفهم الانتماء وحقيقة الذات من خلال الآخرين الذين أعيش معهم في محيط جغرافي ومكاني معين؟
فاليوم تتعرض قيمة الأوطان بمعناها الكلاسيكي للاهتزاز، ففي تمثلات مثل "داعش" نرى أن العنف والتوحش وإفراز ذلك يقود إلى اللاانتماء في غايته القصوى بحيث ينفرط معنى الوطن القديم الذي يحدد بالأرض، ويذوب الأفراد في المجموع "اللإنسانوي" وهي مفارقة غريبة جدا أن التوحش يقود لوحدة العنصر البشري، في مشهد معقد من حيث التحليل المبدئي.
إن هذا المشهد برمته لا يتعلق بحالة من الجنون، الإهمال الذاتي أو الغرور.. وقد تكون هذه الأسباب واردة.. وإنما يتعلق بدرجة أعمق بعلاقة الذات الإنسانية مع العالم من حولها، ففي بعض الأحيان ساعة يصل المرء إلى فهم الحياة وفق ما يخالف المعتاد بظنه، يصل إلى حالة من مغادرة العالم ونواميسه، حيث يرى أن القيم السائدة والتقاليد لا تهمه أو أنه لا يؤمن بها، ويبدأ في البحث عن عالم خاص في نوازعه الداخلية. 
وقد يجد هذا العالم في وطنه الافتراضي، وربما في ساحات الفن والقراءات والأدب وغيرها من عوالم خيالية يحاول التعويض فيها، أو ربما في ذلك التوحش الجاهل، كما أن نموذج هذه الحالة من الاغتراب الذاتي قد نجدها عند المتصوفة مثلا ممن يبعدون عن العالم والحياة الأرضية بظن أن هناك عوالم أخرى يمكن ان تحتويهم وأن قرار الفرد الصحيح هو أن يصبح "هو" من خلال الاقتراب من الله المتعالي وان يبتعد من خلقه وما يحملون من نقائض ورذائل.
في كل الأحوال فإن أكثر الطرق قابلية لإثارة الإعجاب بالمنظور العام، هي استطاعة الفرد الموازنة بين عالمه الداخلي والعالم الخارجي المحيط، بحيث لا يطغى أحدهما على الآخر. فهذه الحالة من الطغيان سوف تجر الذات إلى مفارقة الواقع وتدخلها إلى "الجهل" بمعناه الصحيح ولوغوسه القائم.. بيد أن ذلك لا يعني بشكل مطلق ونهائي الدخول في كنف التحرر والتخلص من الاغتراب والغربة، بل قد يعني أيضا تعقيدا جديدا لأن فكرة الداخل والخارج تخضع اليوم لمراجعات في الأفكار الحديثة التي ترى أن المسألة أعقد من هذا التبسيط الذي يعالج العالم بهذا التقسيم المبدئي. 
إن الحياة بشكل عام ليست طريقا سهلا ميسرا ومفروشا بالرياحين، وأيضا ليست مسارا معقدا. هي بين كل هذه الأشياء تقع، والإنسان العاقل عليه أن يحاول الموافقة بين الورد والشوك، وأن يرى بؤرة النور في عتمة الظلام الكبير. هذه هي الرومنطقية الرائعة التي تحل الأشياء بتخدير لذيذ لأن مواجهة الواقع والأحداث هي الألم القاتل.
إن الاغتراب كحالة يجد فيها الإنسان نفسه خارج كل شيء.. قد تكون – هي - مرض في حد ذاته يحتاج إلى إعادة تفكير في العلاقة مع العالم من خلال استزادة المرء فكرا ومعرفة بالقراءة ثم الحوار مع الناس والسماع بتعلم فن الانصات، ولكن قد يكون ذلك الشيء مطلوبا أحيانا في ساعة يضيق فيها العالم عن أي احتمال. فحكمة الحياة قد تكمن في مساحات صغيرة غير مرئية من الوهلة الأولى، وساعة يصل المرء إلى تلك المساحات سوف يشعر بالرضا وأنه بات في زمرة العارفين متخلصا من "الجهل".
 
emadblake@gmail.com

 

شوهد المقال 797 مرة

التعليقات (0 تعليقات سابقة):

أضف تعليقك comment

  • أرسل إلى صديق أرسل إلى صديق
  • نسخة للطباعة نسخة للطباعة
  • نسخة نصية كاملة نسخة نصية كاملة
طالع أيضا
image

العربي فرحاتي ـ يا دكاترة الجزائر ..انزلوا إلى الحراك لتتعلموا من الشباب ..

د. العربي فرحاتي  سمعت أحد الأساتذة منذ يومين متخصص في علم التاريخ ..ستعرفون اسمه..يقول أن الانتخابات "دوز دوز " شرعية.. وأن "تبون الرئيس" أتى عبر الحراك
image

معتقل الرأي وليد كشيدة .. الميمز ليست جريمة

 #معتقل_الرأي_وليد_كشيدةالمقال بمساعدة صديقيه نوفل و أسامة.وليد كشيدة الإبن الوحيد لأبويه شاب في 26 سنة من عمره ولد في 14 ماي 1995 بمدينة خراطة ببجاية أين
image

كريمة ابراهيم ـ احسان الجيزاني يهدي الميدالية الذهبية العالمية الى شهداء ضحايا الارهاب الذي ضرب ساحة الطيران بالعراق

كريمة ابراهيم ـ البحرين الجيزاني يهدي الميدالية الذهبية العالمية الى شهداء ضحايا الارهاب الذي ضرب ساحة الطيران بالعراقحصل الفنان العراقي احسان الجيزاني على الميدالية الذهبي العالمية
image

رضوان بوجمعة ـ في ذكرى وفاته الثالثة ... زهير إحدادن زهد في المكاسب و كظم غيض المتاعب!!

د. رضوان بوجمعة  لم أصادف طول حياتي الجامعية _ودون أية مبالغة_ أستاذا اجتمعت فيه الصفات التي اجتمعت في الأستاذ الراحل زهير إحدادن، فهو المؤرخ ومن صناع
image

حمزة حداد ـ اليسار الأمريكي يقود معركة التوغل داخل السلطة الأمريكية من بوابة الحزب الديمقراطي

حمزة حداد لفتت قفازات السيناتور الديمقراطي بيرني ساندرز، الأنظار خلال حفل تنصيب الرئيس الأميركي جو بايدن، وتساءل رواد مواقع التواصل الاجتماعي عن سرّ هذه القفازات الكبيرة.هذه
image

بوداود عمير ـ ملحمة راهبة في الصحراء ، عين الصفراء

بوداود عمر  من أوجه الخلل في الساحة الثقافية أن بعض الأعمال الصادرة عندنا، رغم قيمتها الأدبية وأهميتها التاريخية، لا تحقق الحدّ الأدنى من الاهتمام، وسرعان ما
image

جباب محمد نور الدين ـ اليهودي بنيامين ستورا :يسعى لإغلاق القوس في زمن لم تعد فيه أقواس

د.جباب محمد نور الدين  لما صدر كتابه حول مصالي الحاج انتظرت الرد من أهل الاختصاص، ولما شاهدتهم "ضربو النح " خشية الإملاق والحرمان من عطايا
image

سعيد لوصيف ـ الأصل في المؤسسات تحييد غريزة الموت وبعث غريزة الحياة..

د. سعيد لوصيف  يعتبر التخويف و ممارساته النقيض المنطقي للاتجاه العقلاني في ممارسات الحكم، بل يمكن اعتباره من الناحية التحليلية سلوكا ساداويا، يعتقد اصحابه أن "العقل"
image

مولود مدي ـ التحديث السياسي

مولود مدي   أحد الباحثين في التحديث السياسي Lucian Pye في كتابه Aspects of Political Development يطرح فكرة، أن المجتمعات على اختلافها، يجمعها شيء مشترك وهو انه
image

عبد الجليل بن سليم ـ إستدلال Joe Biden بالقديس أوغسطين

د. عبد الجليل بن سليم  البارح في خطابه الاول Joe Biden إستدل بالقديس أوغسطين ، باش يكون عندكم خبر برك بلي Joe Biden ينتمي إلى الكنيسة

:

لا توجد مدونات لهذا الموضوع

قيم هذا المقال

0
Free counter and web stats