الرئيسية | الوطن الثقافي | "بحر أم ساحل؟ القراءات المعاصرة في فكرة التأويل عند ابن عربي" في ندوة تونس

"بحر أم ساحل؟ القراءات المعاصرة في فكرة التأويل عند ابن عربي" في ندوة تونس

بواسطة
حجم الخط: Decrease font Enlarge font
image

 

 

د.محمد شوقي الزين 
 
من مقدمة: "بحر أم ساحل؟ القراءات المعاصرة في فكرة التأويل عند ابن عربي" في ندوة تونس.

 

 

النعوت التي لحقت بكتابات ابن عربي كانت في مجملها تحمل علامات التعجّب والاستفهام: النص الأكبري غامض، ملتبس، معقّد، مرموز؛ وأحياناً: "سم قاتل" كما جاء في الفتاوى الحديثية لابن حجر الهيتمي. العجز في فهم النص الأكبري مردّه الفرضيات المسبقة (présupposés) التي ينطلق منها كل باحث. إذا انطلق من "البداهة البرهانية" فإنه سيصطدم بحقائق لا تنتمي إلى طبيعة هذه البداهة القائمة على التحليل والتعليل والبرهنة والقياس؛ وإذا انطلق من "المتاهة العرفانية"، ربما يساير النص الذي ينوي فهمه دون أن يبلغ قصديته الدفينة، أو يصل، على الأقل، إلى خريطة عامة تدله على مواطن الألغاز والأسرار الكامنة في طيات النص. في القراءة المعاصرة لابن عربي، أنطلق من فرضية أحاول أن أقدّم لها بعض التعليلات في موطن آخر (يمكن الرجوع إلى: "صراع الأيدولة والأيقونة في الثقافة الدينية وتداعياته الحضارية"، مجلة "يتفكرون"، 5، خريف 2015). تكمن هذه الفرضية في محاولة دراسة أي نص، ليس انطلاقاً من المذاهب والإيديولوجيات التي تلوّنه حسب ألوانها، ولكن تبعاً لرؤية تتأرجح بين تبني الصورة أو التجني على الصورة. لماذا الانطلاق من الصورة في دراسة سؤال التأويل عند ابن عربي؟ ما الصورة في هذا المضمار؟ هل هي الشاهد أو المعيار أو النموذج في دراسة النص أو القيام على حقيقة ما ترتبط بهذا النص أو ترتبط بالواقع؟
الصورة، سواء كانت حسية أو معقولة، خيالية أو باطنية، ذهنية أو نفسية، فهي تتحكّم بشكل مصيري، شعوري في جانب ولاشعوري في جانب آخر، في كل فعل بشري أو إرادة نافذة. فهي ليست موضوع الدراسة أو التخمين أو التأمل بقدر ماهي محفّز كل دراسة أو تخمين أو تأمل أو مجرّد لذة في النظر تحت طائلة ما سماه فرويد "الدافع الرؤيوي" (pulsion scopique). فلأن هناك شيئاً ما ينتابنا أو يثير اهتمامنا أو فضولنا أو يسحرنا ويستهوينا، فإننا نتواصل به بالصورة، سواء كان شيئاً حسياً قابلاً للإدراك أو الحدس أو شيئاً معقولاً قابلاً للتفكّر والاستيعاب؛ أي أننا ندرك صورته والأبعاد التي يتخذها في هذه الصيغة أو تلك، في هذه الوضعية أو تلك. الصورة هي إذن الدافع حتى عندما تكون موضوع الإدراك الحسي أو العقلي (صورة ما)؛ لأن كل «شيء صورة أو شكل» تبعاً لمقولة بالزاك (Balzac) وعندما نكون في حضرة الصور، في قبضة الصور، فإن الكل عبارة عن صور. 
ما الصورة إذن؟ إنها التمظهر أو «طلوع ما هو ظاهر في نظام الظواهر» ، شيء يكشف عن نمط الظهور للعيان، الانتقال من الشيء-لذاته إلى الشيء-المعطى-للوعي. النص-لذاته لا معنى له سوى في سياق النص-المعطى-للقراءة، وبهذه المناسبة وُجد التأويل، لأن النص-في-حرفيته غير النص-بتأويلاته. إذا كان النص عبارة عن صورة مكتوبة، فهو ينخرط في هذا المنطق الذي يجعل منه صورة قابلة للتبني أو التهجي، أي تبعاً لما يستخلصه القارئ من أفكار مطابقة أو مجافية. إذا كان النص عبارة عن صورة مكتوبة، قابلة للقراءة، وعُرضة للتبيان، فإنه كغيره من الصور يمكنه أن يحتمل دلالتين: فهو 1- إما أيقونة (eikôn, icône) تحيل إلى حقيقة خارجية بأن تدل العلامات على أشياء، أو حقيقة ميتا-نصية تحيل فيها ما-بداخل النص إلى رموز وإشارات ودلالات؛ 2- وإما أيدولة (eidolon, idole) تحيل إلى حقيقتها بالذات، كون النص تتوقف عنده الدلالة، بأنه خاتم المعنى ومنتهى المغزى؛ فيصبح بذلك نصاً ثابتاً، يوهم بأنه يحيل إلى أشياء ولكنه يحيل إلى ذاته، في محض حرفيته، إنه النص-السيمولاكر، النص-الصنم. 
عندما نقرأ النص، ننطلق إذن 1- إما من رؤية "أيقونية" تبحث فيه عن دلالة يختزنها ولكن يحيل بها إلى وضع ما، حسي في الطبيعة أو أنطولوجي في العالم؛ 2- وإما من رؤية "أيدولية" تبحث في النص عن منطق خاص يحيل به إلى ذاته، في محض عطائه الحرفي ومعطاه الموضوعي. تبحث الرؤية الأيقونية عن أساليب بيانية يزخر بها النص من مجاز وقياس واستعارة وبديع وتبتغي بذلك التأويل (نزوع "يهوى الصورة" ويمجّدها iconophile)؛ بينما تكتفي الرؤية الأيدولية بحرفية النص، بنظامه الداخلي، وتقصي بذلك كل الزوائد المرتبطة به كالقياس والمجاز وهي بطبيعتها معادية للتأويل (نزوع "يمقت الصورة" ويجمّدها iconoclaste). بالنسبة لقراءة ابن عربي، أحشر في الرؤية الأيقونية مدرسة هنري كوربان التي تسعى إلى جعل التأويل جوهر المذهب الأكبري، أي الرفع من شأن الباطن وما يرافقه من رمز وإشارة واستعارة وإيحاء وامتلاء؛ وأضع في الرؤية الأيدولية مدرسة شودكييفتش التي تستهجن التأويل، لأن النص الأكبري، بالنسبة لهذه المدرسة، هو محاكاة شبه حرفية (mimesis) للنص القرآني؛ فلا مجال للتأويل إذن، وإنما فقط التفسير، أي البيان والإيضاح لغرض عملي بحت: تربوي أو شعائري (الطرق الصوفية).

 

 

تنويه وامتنان.
- الشكر موصول إلى الصديق والزميل الأستاذ د. فتحي انقزو من جامعة تونس الذي تفضّل بقراءة مداخلتي "بحر أم ساحل؟ القراءات المعاصرة في فكرة التأويل عند ابن عربي" في ندوة "التأويل في الفكر العربي الإسلامي المعاصر" (مؤسسة مؤمنون بلا حدود للدراسات والأبحاث، 11-12 فبراير 2015) بعدما تعذّر عليّ التنقّل إلى العاصمة التونسية.

شوهد المقال 1392 مرة

التعليقات (0 تعليقات سابقة):

أضف تعليقك comment

  • أرسل إلى صديق أرسل إلى صديق
  • نسخة للطباعة نسخة للطباعة
  • نسخة نصية كاملة نسخة نصية كاملة
طالع أيضا
image

عادل السرحان ـ وهناكَ أنتِ

عادل السرحان                  وهناكَ أنتِ وقد أويتِ لتربةٍ  عنيبعيدةالله شاء وقد قضىأن ترقدي بثرىًوحيدة وتنازعين الموت وحدك بينما تبكيك بعداًويح نفسي كل ذرّاتي الشريدةأوّاهُ كيفَ تبعثرت تلكَ السنين وأبحرت في موجة الزمنالعتيدةوكيف
image

العياشي عنصر ـ في كتاب علم الاجتماع الأنثروبولوجي

 د. العياشي عنصر  علم الاجتماع الأنثروبولوجي تحت إشراف؛ عادل فوزيتعريب وتحرير؛ العياشي عنصر إصدار مركز البحث في الأنثروبولوجيا الاجتماعية والثقافية - وهران، 2001  تـوطئـــة لعل إحدى السمات الثابتة والمميزة للساحة
image

حمزة حداد ـ الجمهورية لا تحتاج إلى وسطاء !

حمزة حداد   إذا كان الدعاء هو الواسطة بين العبد وربه فان الحق في حرية الاختيار هو الواسطة الحقيقة والوحيدة بين المواطن ومؤسسات الجمهورية. بها يزكي
image

عثمان لحياني ـ رسالة الى متملق (سقاية لكل من دافع عن نظام الخراب)

عثمان لحياني              تُنسى كأنك لم تكنتنسى كأنك لحظة مرت..ونافذة لريحتُنسى كتفاح عَفِنْ  كنا نرتب قش عش حمامةفي الصيف.. ونحفر مجرى ماءوكنت تسرق من وطن  لا وجه لكالا ملامح
image

وليد عبد الحي ـ مستقبل الصراع العربي الصهيوني : 2028

 أ.د. وليد عبد الحي  هل يمكن النظر لصراع تاريخي وشمولي من خلال " اللحظة؟ ام لا بد من تتبع المسار التاريخي وتحقيبه للاستدلال على المنطق
image

بن ساعد نصر الدين ـ شيزوفرينا الشرطة

بن ساعد نصر الدين  شيزوفرينا الشرطة او انفصام الانسان بين حياته العادية و حياته العملية داخل المسالك الأمنية !!_ لا زال السؤال الاخلاقي يضرب عقل كل
image

ناصر جابي ـ الجزائر: هل سيحكمها الستيني أخيرا؟

د . ناصر جابي  كنت دائما مقتنعا بأهمية القراءة الجيلية ـ الديمغرافية للحياة السياسية في الجزائر. لما تملكه من قوة تفسير تاريخي. عندما يتعلق
image

نوري دريس ـ الحرية السياسية

 نوري دريس    الحرية السياسية هي أن تعيش تحت دولة القانون. الذين يعيشون في مناطق (انسحبت بشكل نسبي) منها سلطة الدولة لحسابات سياسية, لا يعيشون الحرية,
image

حميد بوحبيب ـ دائرة الطباشير الابتدائية : أبجد،هوز،حطي، كلمن... A.b.c.d.e.f.g...

د. حميد بوحبيب طلاسم اللغة ومفاتيحها ، منذ فجر ظهور المدرسة نتلقاها على أيديهم الهشة الناعمة ...هم ...هم المعلمون ، شيوخا تاع ليكول...les instituteurs...تصادفهم كل صباح
image

نجيب بلحيمر ـ الأسبوع الأخير من سنة أولى ثورة سلمية:

 نجيب بلحيمر  - منع ندوة صحفية للإعلان عن تنظيم لقاء لناشطين- قمع مظاهرة للمعلمين - تعيين كريم يونس في منصب وسيط الجمهورية الرسائل: - النظام يمنع المجتمع من تنظيم

:

لا توجد مدونات لهذا الموضوع

قيم هذا المقال

0
Free counter and web stats