الرئيسية | الوطن الثقافي | رائد جبار كاظم - استاذ الفلسفة من الوظيفة الجامعية الى الوظيفة الاجتماعية

رائد جبار كاظم - استاذ الفلسفة من الوظيفة الجامعية الى الوظيفة الاجتماعية

بواسطة
حجم الخط: Decrease font Enlarge font
image

 



رائد جبار كاظم

 

 




التفكير والتنظير والتأمل، عُرفت به الفلسفة طوال تاريخها العريق، والفيلسوف يبحث دائماً عن بيئة مناسبة لتكوين ونموأفكاره، فالهدوء والاستقرار والحرية، متطلبات ضرورية لممارسة تفلسفه وانتاج فلسفته بصورة سليمة، والفليسوف كالمتعبد في محراب عبادته، يحتاج الى جو روحي وفكري متكامل لتحقيق عبادته وتكاملها على احسن وجه.
ولكن لايفهم من هذا الكلام ان العزلة عن المجتمع هي غاية ما يتمناه الفيلسوف، فالفلاسفة اكدوا على قضية اساسية وهي ان الانسان اجتماعي، ولا قيمة له من دون اجتماعيته، وان وجوده الحقيقي انما يتحقق عن طريق اجتماعيته وعلاقته بالآخرين والمحيط الذي يعيش فيه. وان ثمرة التفكير الهادىء، الحر، المتزن، انما تعود بالنفع الكبير على الفرد والمجتمع.
بل من المعلوم للمختصين من اهل الفلسفة ان شغل الفلاسفة الشاغل منذ سقراط في الفلسفة اليونانية الى يومنا هذا، منصب على القضايا الاجتماعية والسياسية والاخلاقية والحياتية، مع ممارسة التفكير في موضوع الالهيات والماورائيات والغيبيات، ولذلك قيل عن سقراط تحديداُ وطريقته الجديدة في التفكير، والتي تختلف عن سابقيه، انه ( انزل الفلسفة من السماء الى الارض )، فهو هنا البس الفلسفة ثوباً واقعياً حياتياً، ومستفيداً من البعد الروحي والفلسفة الالهية التي يحملها، لتوظيفها في الجانب الاجتماعي والحياتي، فالفلسفة تسير بقدمين وليس بقدم واحدة، وتطير بجناحين وهما الفلسفة النظرية والفلسفة العملية، كما حددها ارسطو في تقسيمه لعلوم الفلسفة.
وانه لا قيمة لفلسفة من الفلسفات ولا لفيلسوف من الفلاسفة من دون الجمع بين هذين القسمين من الفلسفة، بحثاً وممارسة. واننا اذ نؤكد على ذلك، لبيان القيمة الكبرى المتحققة من الفلسفة النظرية والعملية معاً ومردودهما الايجابي على حياة الانسان والمجتمع وتقدمهما.
واستاذ الفلسفة هو اولى الناس وأولهم لنقل تجربته وتجارب الآخرين الفكرية والثقافية والفلسفية، للمجتمع، وتعريف الناس بحقائق الاشياء والقضايا التي تشغلهم، لأننا حقيقة لا ينبغي لنا ان نمارس الفلسفة تدريساً وبحثاً وتأملاً فحسب، بل وممارستها حياتياً واجتماعياً وسلوكياً، واعتقد ان قيمة الفلسفة وغياتها الكبرى انما تتحقق بالممارسة والتطبيق على ارض الواقع، لا ان تبقى افكاراً ونظرياتاً مجردة اقرب للخيال وخالية من المعنى.
اننا نعرف حق المعرفة ان الفلسفة ( ام العلوم) وان جميع العلوم لا تستغني عن الفلسفة في تحقيق وجودها ونجاحها، ولذلك نجد العلوم تنظر للأم نظرة اجلال وقدسية كبرى، لما تمتاز به الفلسفة من منزلة في المنهج والوعي والاسلوب وطريقة الخطاب، يميزها عن غيرها من طرق التفكير والخطاب.
اذن فما احوج، الاساتذة واهل الفلسفة، للاقتراب من الناس والمجتمع والحياة والهموم والتحديات التي نواجهها اليوم في حياتنا المعاصرة، وهي اكثر بكثير من العصور السابقة، وان لا نقصر دور الفلسفة ونحصرها في حدود القاعة الدراسية والمدرسة والجامعة، وان نخرج من وظيفتنا الجامعية الضيقة، الى الهموم الكبرى التي يعيشها الناس والمجتمع، وان ننقل تجربتنا الفكرية والثقافية والفلسفية الى الفرد والمجتمع والدولة، وان نصلح الحال ونعالج قضايانا الحياتية والسياسية والتربوية والاقتصادية والفكرية والاجتماعية، وان نقدم الافكار والآراء ونطرحها بقوة وبجرأة كما عُرف عن الفلاسفة والمفكرين في مواجهة التحديات التي تعرضوا لها في حياتهم.
اذن وظيفة اجتماعية كبرى يأملها ويرجوها الناس من اهل الحكمة والفلسفة، ورسالة عظيمة يحملها الفيلسوف والمفكر والمصلح لبناء الفرد والمجتمع والدولة، من خلال المعرفة والمنهج والتخطيط والاستراتيجية التي يمتلكها الفيلسوف، لغرض التغيير والاصلاح والتنوير، ولكن للأسف تنقص البعض منا الروح السقراطية، خوفاً من تجرع الكأس، او من السلطة السياسية، اومن اللامبالاة او الكسل المعرفي والاجتماعي معاً الذي يعيشه البعض منا.
وبالتأكيد ان هذا الكلام لا ينطبق على المجتمعات الغربية وبعض المجتمعات الشرقية، بل على المجتمعات العربية والاسلامية فقط ،لان الاولى لا تعاني من الاهمال الفكري والفلسفي والعلمي، بل تتمتع به وبقوة، وتمتلك ستراتيجية وفلسفة اجتماعية وسياسية واقتصادية وتعليمية ناجعة، وللفيلسوف والفلسفة غربياً دور كبير في احياء مجتمعاتهم وتقدمها، اما المجتمعات العربية والاسلامية فهي بأمس الحاجة الى ستراتيجيات وفلسفات تحمل الهم العربي والاسلامي في كافة مجالاته، من اجل تحقيق الاصلاح والتغيير والتنوير، بدلاً من سيادة النزعات التكفيرية والعنفية والتعصبية في بنيتنا وبيئتنا المعرفية والاجتماعية والفكرية والثقافية.
فمن اولى اذن من استاذ الفلسفة لممارسة الدور التنويري والتحديثي والاصلاحي لمنظومة القيم والمفاهيم والسلوك الفردية والاجتماعية، وتجديد الوعي الفلسفي والثقافي والديني والسياسي؟ 
اعتقد ان على استاذ الفلسفة تحديداً تقع مسؤولية كبيرة لممارسة دوره العلمي والفكري والثقافي في مجال رسم الافكار والاستراتيجات والخطط التنموية والاصلاحية والتربوية في كافة مجالات الحياة، لما يتمتع به من حكمة وامكانية وخبرة وآلية في فهم متطلبات الحياة وجوانبها المتعددة، كما كان يفعل الفيلسوف العربي والمسلم سابقاً، من خلال استخدام صلاحياته الفكرية والعلمية والانسانية، في معالجة الكثير من قضايا عصره الحياتية والسياسية والاجتماعية والثقافية وغيرها، ومنجزاتهم الفكرية والفلسفية والعلمية تدل على قربهم الكبير من الفرد والمجتمع والدولة، ولم يبخلوا في تقديم النصح والمشورة والفكرة مهما كانت الظروف.
ونحن اليوم بأمس الحاجة لاستعادة الدور الريادي والقيادي لكثير من المفكرين والعلماء والفلاسفة السابقين، الذين كان لهم الدور الكبير في حقب زمنية مختلفة في مواجهة تحديات العصر الذي ينتمون له، وتقليد شجاعتهم وروحهم العلمية والانسانية والفكرية الكبرى، عكس الكثير من فقهاء وعلماء الجور والطغيان ووعاظ السلاطين الذين باعوا المباديء والقيم لتحقيق مآربهم الشخصية ورضا الحكام، وادخلوا الناس في دوامة العنف والقتل والفوضى، كما نشهده اليوم من قبل الكثيرين من علماء السوء والضلالة الذين يفتون بما تهوى انفسهم، من الجور والفساد، ودمار البلاد والعباد في مشرق الارض ومغربها.
ان تصحيح الافكار والمسارات والعادات الخاطئة والسيئة، من واجب اهل الحكمة والمعرفة، وهذا الامر لن يكون من دون وضع اليد باليد، وتظافر الجهود، والاخذ الحقيقي والفعلي من قبل الدولة واهل السياسة بما يطرحه العلماء والاساتذة والخبراء، من اجل انقاذ مجتمعاتنا مما تعانيه، وتحقيق الرقي والتقدم والعيش بسلام وآمان في هذا الوجود.

 

 raedjk777@yahoo.com 

شوهد المقال 1160 مرة

التعليقات (0 تعليقات سابقة):

أضف تعليقك comment

  • أرسل إلى صديق أرسل إلى صديق
  • نسخة للطباعة نسخة للطباعة
  • نسخة نصية كاملة نسخة نصية كاملة
طالع أيضا
image

سعيد خطيبي ـ سنة أولى حراك

سعيد خطيبي   في أكتوبر 1988، عاشت الجزائر ثورة شعبية ضد النّظام، كانت لحظة فارقة، ترتبت عنها تغيّرات جوهرية في البلد، وكان يمكن لها أن تكون
image

مصطفى كيحل ـ الحراك وسيكولوجيا الحشود

   د. مصطفى كيحل  ساد الانطباع في الجزائر منذ نهاية التسعينات من القرن الماضي ، أن التغيير بالشارع أو بالحشود و الجماهير غير
image

عبد الجليل بن سليم ـ الحراك الشعبي...بين Frantz Fanon وDavid Galula.....و فيلم الأفيون والعصا

عبد الجليل بن سليم  في قول واحد كل من Frantz Fanon و David Galula هما الوحيدان اللي فهمو التركيبة النفسية و العقلية للجزائري كان
image

رضوان بوجمعة ـ الوحدة في عمق "الثورة السلمية" الذكية

 د. رضوان بوجمعة    الجزائر الجديدة 161   التقيت اليوم في الجمعة 53 مع جزائريين وجزائريات من ولايات مختلفة تسللوا إلى العاصمة التي تحولت إلى منطقة "شبه
image

فوزي سعد الله ـ عن وُصول "أهل الحمراء" من غرناطة إلى عَنَّابَة

فوزي سعد الله   "...منذ نحو 5 قرون، يُحكى في الروايات الشعبية في مدينة عنابة، لا سيَّما في الوسط الحَضَري، أن سقوط غرناطة عام 1492م كانت
image

جباب محمد نور الدين ـ النظام : الحراك وراءه والخراب أمامه ولا مفر له

د. جباب محمد نور الدين   لا أزال أذكر كان يوم جمعة من سنة 2001 عندما اتصل بي الصديق عبد العزيز بوباكير من مقر "
image

نجيب بلحيمر ـ محاولة فاشلة لسرقة ثورة مستمرة

نجيب بلحيمر   بعد جمعة مشهودة عاد الجزائريون إلى الشارع لإحياء ذكرى انطلاقة الثورة السلمية.. في العاصمة ومدن أخرى كان إصرار المتظاهرين على النزول إلى
image

فضيلة معيرش ـ الأديب طيب صالح طهوري لا تشبه كتاباته أحدا ولا يمكن أن تسند لمن سبق من كتاب وشعراء

فضيلة معيرش  ولج عالم الكتابة منذ ما يقارب الأربعين سنة ، أديب طوع الحرف فاستقام له جاب بساتين الإبداع فقطف ما لذ له وطاب من شجرها
image

يسرا محمد سلامة ـ هوس الشهرة

 د. يسرا محمد سلامة   أنْ تكون نجمًا مشهورًا تلك نعمة ونقمة في نفس الوقت؛ لأنّ ذلك يعتمد على طبيعة الشخص نفسه، وما تربّى عليه طوال حياته
image

د. يسرا محمد سلامة ـ البداية ونهاياتها

 د. يسرا محمد سلامة البداية، كلمة ممتعة بها من التفاؤل الشئ الكثير، تجمع في طياتها الطموح، والتحفيز، والمثابرة على إكمال ما يبدؤه الشخص من عمل، علاقة،

:

لا توجد مدونات لهذا الموضوع

قيم هذا المقال

0
Free counter and web stats