الرئيسية | الوطن الثقافي | إدريس حدد - رؤية نفسية في بذور الإجرام و طاعة السلطان !

إدريس حدد - رؤية نفسية في بذور الإجرام و طاعة السلطان !

بواسطة
حجم الخط: Decrease font Enlarge font
image

 

إدريس حدد 

لماذا نحن هكذا ؟ كيف يمكننا أن نتوافق مع ضمير غير مستريح ؟ كيف يصبح القتل - عندنا - سهلا ؟ هل مرتكبي المجازر هم مرضى نفسيين أم مجانين أم هم أسوياء مثلنا ؟ هل ( إيخمان ) - المسؤول المنفذ الذي قُتل بأمره ملايين البشر في ظل نظام هتلر - هل هو سيكولوجيا شخص سوي ؟ كي يجيب ( ستانلي مليجرام ) في كتابه الإنصياع للسلطة أو طاعة السلطة عن هذه التساؤلات التي تثير الفضول قام بتجربته الشهيرة في أكثر من بلد و شملت الرجال و النساء و الأطياف المختلفة للمجتمع من مثقفين و بسطاء و مسؤولين و عمالا !!

 

التجربة بسيطة جدا ، قام ( مليجرام ) بدفع مبالغ مالية بسيطة للمتطوعين , حتى يحسسهم أنهم ملزمين بإتفاق جدي ، و قيل لهم أن التجربة عن الذاكرة و التعلم ، و أفهمهم بأن هناك دوران أحدهما دور ( المدرس ) الملقن ، و أما الآخر سيقوم بدور ( المتعلم ) ، و كان المتعلم مقيدا في مقعد و يطلب منه في كل مرة أن يتذكر الكلمات التي قالها المدرس ، و إذا لم يستطع تذكرها , يطلب المشرف على التجربة من المدرس أن يعطيه صدمة كهربائية خفيفة و كلما زاد خطأ المتعلم زادت شدة التيار الكهربائي ، و يُجبر المدرس - حينها - أن يرى المتعلم و هو يصرخ من الألم !

الأمر الذي كان لا يعرفه المدرسون هو أن السلك الكهربائي الواصل بين مفتاح الكهرباء و المتعلم ، لم يكن يحمل أي تيار ! و ما المتعلم إلا ممثل يتظاهر بالألم و يزيد في تظاهره و صراخه مرة تلو المرة !

إذن ، لم يكن الضحية هو محل الإختبار إنما هي ردود أفعال المدرسين ، الذين كانوا هم بأنفسهم من يضغطون على أزرار الكهرباء و صعق المتعلمين الأغبياء من خلالها !! و كيف يتوافق نفسية و ضمير ذاك المدرس مع تسببه في ألم و معاناة شخص مقيد لا حول له و لا قوة !!

لم يفت مليجرام أن يقوم بإستطلاع آراء شريحة من الناس بعيدين كل البعد عن هذا الجو التجريبي و عن ردود أفعالهم النظرية ، إذا ما كانوا هم المدرسين ، فأطبقوا جميعهم على أنهم لن يواصلوا التجربة بمجرد رؤية المسكين يصرخ و يتألم !!

في بداية التجربة ، شعر المدرسون بضغط نفسي بمجرد رؤية الضحايا يصرخون ، و احتجوا بأن لا يقدموا لهم المزيد من الصعقات الكهربائية و كانت الخطوة المنطقية التاليه ، هي أن ينسحبوا من التجربة و لكن هذا لم يحدث و واصل معظم المدرسون - رغم تحفظاتهم الشديدة - في إتباع أوامر المشرف على التجربة بعد أن أحسوا أنهم مُلزمون بإتفاق ، و يقول مليجرام ، و استمرت نسبة ليست بالقليلة في إلحاق الأذى بالمقيدين إلى أعلى صدمة كهربائية ممكنه ، رغم صراخ و توسلات الضحايا بالانسحاب من التجربة !

البديع في الأمر ليس هنا ، إنما في تحليل مليجرام الدقيق لهذه التجربة و لنفسية المختبرين ، موضحا أن معظم بل كل المدرسين يعرفون أن ما يفعلونه ليس صوابا و أنهم كانوا يكرهون تقديم الأذى و الصعقات الكهربائية للضحايا ، خاصة عندما يصرخون و يعترضون ، و يقول و على الرغم من وحشية التجربة و خلوّها من أي معنى لـ ( الذاكرة و التعلم ) فلم يستطع معظمهم الإنسحاب و فض هذا الإتفاق ، إنما ( طوروا آليات تبرر لهم ما يفعلونه ) !! و يرد ( مليجرام ) هذا التبرير إلى :

 

. الإستغراق في الجانب الفني من التجربة ، محاولة التميز في أداء العمل المطلوب منه ، و بمرور الزمن أصبحت التجربة و أداؤها بنجاح هو أهم شيئ يريح المشاركين !
. تحويل المسؤولية الأخلاقية للمشرف على التجربة ! كما ( إيخمان و قصة أنا أتبع الأوامر فقط ) 
. قرار المشاركين في التجربة أن سلوكياتهم مطلوبة في قضية أهم و أعظم و هو العلم !
. تقليل من إنسانية المتلقي للصدمة و قولهم ، لو لم يكن غبيا لدرجة عدم تمكنه من حفظ بعض الكلمات لما استحق كل هذا العذاب ! و هذا شأن جميع الطغاة و الساديين في التحقير من شأن الضحية و وصمه بأنه لا يستحق الحياة قبل الإبادات الجماعية و محو الشعوب من خارطة الوجود !!

 

بكلمة رائعة و عميقة جدا عبر مليجرام عن ما حدث لهؤلاء المدرسين ، فقال ، أنهم لم يفقدوا حسهم الأخلاقي ، و كل ما حدث أنهم ( أعادوا توجيه ) !!

بهذه التجربة الذكية و بهذا التحليل الدقيق قام مليجرام بالإجابة على سؤال طالما حيرنا و هو كيف نتوافق مع ضمير غير مستريح ؟؟

 

و أما عن الذين لم يواصلوا التجربة و قرروا الإنسحاب و التمرد و عصيان الأوامر يقول مليجرام ، أن هؤلاء أكدوا معتقداهم ( الفردية ) و رفضوا أن يسرق منهم الهدف الأسمى للتجربة المتلبس بلباس العلم ( ذواتهم ) و ( هويتهم الأخلاقية ) !!

 

شوهد المقال 1054 مرة

التعليقات (0 تعليقات سابقة):

أضف تعليقك comment

  • أرسل إلى صديق أرسل إلى صديق
  • نسخة للطباعة نسخة للطباعة
  • نسخة نصية كاملة نسخة نصية كاملة
طالع أيضا
image

عادل السرحان ـ وهناكَ أنتِ

عادل السرحان                  وهناكَ أنتِ وقد أويتِ لتربةٍ  عنيبعيدةالله شاء وقد قضىأن ترقدي بثرىًوحيدة وتنازعين الموت وحدك بينما تبكيك بعداًويح نفسي كل ذرّاتي الشريدةأوّاهُ كيفَ تبعثرت تلكَ السنين وأبحرت في موجة الزمنالعتيدةوكيف
image

العياشي عنصر ـ في كتاب علم الاجتماع الأنثروبولوجي

 د. العياشي عنصر  علم الاجتماع الأنثروبولوجي تحت إشراف؛ عادل فوزيتعريب وتحرير؛ العياشي عنصر إصدار مركز البحث في الأنثروبولوجيا الاجتماعية والثقافية - وهران، 2001  تـوطئـــة لعل إحدى السمات الثابتة والمميزة للساحة
image

حمزة حداد ـ الجمهورية لا تحتاج إلى وسطاء !

حمزة حداد   إذا كان الدعاء هو الواسطة بين العبد وربه فان الحق في حرية الاختيار هو الواسطة الحقيقة والوحيدة بين المواطن ومؤسسات الجمهورية. بها يزكي
image

عثمان لحياني ـ رسالة الى متملق (سقاية لكل من دافع عن نظام الخراب)

عثمان لحياني              تُنسى كأنك لم تكنتنسى كأنك لحظة مرت..ونافذة لريحتُنسى كتفاح عَفِنْ  كنا نرتب قش عش حمامةفي الصيف.. ونحفر مجرى ماءوكنت تسرق من وطن  لا وجه لكالا ملامح
image

وليد عبد الحي ـ مستقبل الصراع العربي الصهيوني : 2028

 أ.د. وليد عبد الحي  هل يمكن النظر لصراع تاريخي وشمولي من خلال " اللحظة؟ ام لا بد من تتبع المسار التاريخي وتحقيبه للاستدلال على المنطق
image

بن ساعد نصر الدين ـ شيزوفرينا الشرطة

بن ساعد نصر الدين  شيزوفرينا الشرطة او انفصام الانسان بين حياته العادية و حياته العملية داخل المسالك الأمنية !!_ لا زال السؤال الاخلاقي يضرب عقل كل
image

ناصر جابي ـ الجزائر: هل سيحكمها الستيني أخيرا؟

د . ناصر جابي  كنت دائما مقتنعا بأهمية القراءة الجيلية ـ الديمغرافية للحياة السياسية في الجزائر. لما تملكه من قوة تفسير تاريخي. عندما يتعلق
image

نوري دريس ـ الحرية السياسية

 نوري دريس    الحرية السياسية هي أن تعيش تحت دولة القانون. الذين يعيشون في مناطق (انسحبت بشكل نسبي) منها سلطة الدولة لحسابات سياسية, لا يعيشون الحرية,
image

حميد بوحبيب ـ دائرة الطباشير الابتدائية : أبجد،هوز،حطي، كلمن... A.b.c.d.e.f.g...

د. حميد بوحبيب طلاسم اللغة ومفاتيحها ، منذ فجر ظهور المدرسة نتلقاها على أيديهم الهشة الناعمة ...هم ...هم المعلمون ، شيوخا تاع ليكول...les instituteurs...تصادفهم كل صباح
image

نجيب بلحيمر ـ الأسبوع الأخير من سنة أولى ثورة سلمية:

 نجيب بلحيمر  - منع ندوة صحفية للإعلان عن تنظيم لقاء لناشطين- قمع مظاهرة للمعلمين - تعيين كريم يونس في منصب وسيط الجمهورية الرسائل: - النظام يمنع المجتمع من تنظيم

:

لا توجد مدونات لهذا الموضوع

قيم هذا المقال

0
Free counter and web stats