الرئيسية | الوطن الثقافي | مخلوف عامر - (أقنعة الروح) لـ:"بار لاجيركفيست" ترجمة"محمد بوطغان"

مخلوف عامر - (أقنعة الروح) لـ:"بار لاجيركفيست" ترجمة"محمد بوطغان"

بواسطة
حجم الخط: Decrease font Enlarge font
image

 د.مخلوف عامر 

 

 

 

   كيف  يتسنَّى لشخصيْن أن يلتقيا في قاعة حفلات ومن غير معرفة سابقة ببعضهما، أن تنشأ بينهما علاقة حب أبدي. نظرات بينهما عابرة وما هي بعابرة. ابتسامات خفيفة ولكنها تخفي عمقاً روحياً لا حدود له. ((كان ذلك في سهرة حافلة خلال عشاء راقص في مطعم راق. اتفق أنْ جلس إلى طاولة  صغيرة شخصان شابَّان لا يعرف أحدهما الآخر. ولكن شيْئا ما شد كُلاًّ منهما إلى الآخر بصورة فريدة لم يكن غزلاً عابراً.. !  إنها المرة الأولى التي رأى فيها كل واحد صاحبه. ! وكان شيئاً عميقاً لا تفسير له. شعور داخلي قوي بحضور الآخر عند كل منهما)). ص:9

بهذه الفقرة البسيطة تبتدئ الرواية لتغوص بنا في عالم روحي يربط بين شخصيْن لا أحد منهما كان يعرف الآخر قبل هذه اللحظة. يحس "هالفدان" بجاذبية نحو "آرنا"((كم هو ممتع الحديث معها إنه  يحب صوتها كثيراً صوتها العذب بشكل استثنائي.. كان فيها شيء؟ لا يعرف ما هو. هناك دوما شيء يتجاوز حدود الكلمات، وليست الكلمات وحدها هي التي نسمعها، من المؤكد أنها إنسان فريد .. في ذاتها شيء يطفو.. يسبح.. يتحرك مثل هفهفة اللهب ، دون أن نرى النار مباشرة))ص:27

 وبقدر ما يقوده سرٌّ  غامض إليها، بقدر ما تنساق بدورها نحوه. وإنه وإنْ لاحظ حين خروجها من القاعة أنها عرجاء، إلا أن ذلك لم يزدْه إلا تعلًّقاً بها. توثَّقت العلاقة تدريجياً بينهما إلى أنْ اقترنا بالزواج. 

إنه لقاء روحي يفوق الرابطة الزوجية، تناغم يجعل الزوْجيْن يتمتَّعان بروعة الحياة، وجمال الطبيعة وتأمل براءة الأطفال على الشاطئ. كأنهما لم يكونا يريان من المحيط إلا محيطهما، ولم يكتشف أي منهما لذَّة الحياة إلا بعدما التحما. وفي الواقع إنْ كان للروح أقنعة يحتجب بها  عن أنظار العامة، فإن هذا الثنائي من الرهافة واللطف بحيث أسقط كل قناع من شأنه أن يحول دون ممارسة البُعْد الإنساني في أعلى درجات طُهْره وصفائه.

ومع مرور الأيام، إذا المرأة تتوق إلى الإنجاب، إلى أن يكون لها موْلود تنعم به أو لعلها تريده كي ْ تكتمل أنوثتها أو تتحقَّق أمومتها. وإذا بها تنغمس –بعد الحمل- في تحضير المهد وغرفة الطفل وكل مستلزمات المولود لكنها تُفجع في أنه يولد ميِّتاً فتنشأ قصة وجودية أخرى. لأن الأطباء حرصوا على إنقاذها على حساب الجنين(( لكن هذا ما فعلوه  فقط لإنقاذها .. !لقد تلقى الإذن بالتضحية، ولذلك كانت عليها واجبات خاصة نحوه..دَيْن خفي لا يمكن تسديده حقا. كانت تحاول أن تَردَّه  بأقصى ما تستطيع ، على الأقل بتفكيرها فيه لأطول ما يمكن)).

فأمَّا بالنسبة للرجل فلم يكن الإنجاب شرطاً ضروريا ليستمر حُبُّهما، فوجودها إلى جانبه يكفيه، إنها بالنسبة له الحياة كلها. لذلك لم يملك –وهي تعاني آلام الولادة- إلا أن يتضرَّع للخالق أن ينجيها. وقد تحقَّق له ذلك. إلا أنها لم تتعافَ من أمراض القلب وفقر الدم وأخذت صحَّتها تتدهور يوماً بعد يوم.

 لقد كانت تعلم علم اليقين بأنها ستموت فاستقبلت الموت بشجاعة وهدوء تام. وهو يشعر أنها تخطو خطواتها الأخيرة نحو القبر. ولم يبقَ لهما من أمل سوى أن يفكِّرا في لقاء آخر ، في عالم يوحِّدهما، فهما جناحان لا يخفق أحدهما إلا بوجود الثاني. 

لما ماتت المرأة التي أحبها ولم يحبب غيرها، هجر البلد إلى باريس، استمر يعيش وحيداً في فندق ، وإذا ما خرج يسير وحيدا، يجوب الشوارع ولا يرى في زحام المارة وصافرات الميترو والسيارات والمقاهي والحانات التي يركن إليها من حين إلى آخر، إلا العبث وإلا الحياة وقد بدأت تذبل في عيْنيْه بغياب الوجه الذي ملأ قلبه حبّاً وحناناً وعمقاً. لقد صار منشطراً، نصفُه جسدٌ يمشي على الأرض بلا  غاية، ونصفه جناح روحي يخفق ليلتحق بنصفه المفقود. لذلك لم يجد أمامه من مخرج إلا أن يتجرَّع سُمّاً فيعجّل بالرحيل إلى هناك حيث تنام، بل حيث تحيا "آرنا".((إلى البلاد التي تقيم فيها الأرواح. هناك ليست كما هنا. لهم وجود أسمى من هذا، وجود أكثر سموا وأكثر اكتمالا حيث النور يشع نحونا، إنها بلاد الروح، إن مأواها الحقيقي هناك.

وفي تلك البلاد حفل دائم، دوماً حفل مقنع))ص:106 

فلمَّا حان الوقت وقد عوَّل على الرحيل،جلس ليخطَّ رسالة ضمَّنها وصية لأخيه من بين ما يقول فيها: ((إنها بالنسبة لي حضور سام يحضر وفيه سأدخل.

سأواجه الموت بنفس هدوئها، وبعد..أعرف أنه سيكون سهلا لأنني الآن أتبع دعوات قلبي وسأفعل ما يريد وهذا ما يجعلني واثقاً تماماً. أنا لا أنقذ إلا مصيري وقدري مثلما يجب أن يُنقذ. وكيفما كنت فقد أحببتها فوق كل شيء  وطوال حياتي. وأن أموت من أجلها فهذه السعادة التي التي بقيت لي . سعادة عظمى هادئة تريد أن تمنحني إياها. أريد نقلي إلى بلدي وأريد أن أرتاح إلى جانبها. أتوسَّل إليك أن تتكفَّل بهذا وأنا واثق من تنفيذ رغبتي وأنك ستلبي لي هذا الطلب الأخير))،ص:104

تبنى الرواية  على علاقة بين شخصيْن، شاب وشابة لكنهما غير عادييْن. فمن خلالهما يدخلنا الكاتب السويدي إلى عالم الإنسان الذي نجهله ونتوهَّم أننا نعرفه، يقرِّبنا من إنسانية الإنسان حين تتأسَّس على أغلى قيمة في الحياة وهي الحب. كما يجعلنا نتساءل عن حقيقة الوجود وجَدْواه بدون هذه القيمة الغالية، ونحتار في علاقة العقل والقلب لدى الإنسان، هذا اللغز المحيِّر، ونتدبَّر دلالة الحياة والموْت وما بعد الموْت أيضاً. إنه يدعونا إلى أن نتأمَّل ذواتنا وقد نسعى إلى جسْر الهوة بين الواقع والممكن، بين ما يخطِّطه العقل وما يمليه القلب.

إن ما يلفت النظر في هذه الرواية ليس في بنائها ولا في قدرة كاتبها على إدارة الحوار بنفَس سردي مُشوِّق، فهو الحائز على جائزة نوبل سنة1951 ولا يفتقد هذه الأدوات، إنما هي لغة الترجمة التي اعتمدها"محمد بوطغان". فهي لغة سهلة سلسلة ، لا شك فيها  بصمات من شاعريته، إذ كانت له القدرة على ترويض الأداة اللغوية لتأتي الجملة سليمة مستقيمة، وحتى تصريف المثنَّى الذي تفرضه طبيعة الرواية وببدو ثقيلاً  في اللغة العربية ويا ليْته ما كان، يألفه القارئ وينسجم معه من بداية النص إلى نهايته، فلا نحس بأية عقبة تعيق الاسترسال في القراءة. وكأن النص كتب باللغة العربية أصلاً. وربما ما كان له ليحقق هذا لو لم يهْفُ نحو هذا النص بشغف ويوحي له-فوق ذاك- بإهداء الترجمة إلى زوجته، فلعلَّه  يرى فيها- هي الأخرى- صورة من هبوب الروح والتجلِّيات.

فشكراً للشاعر "محمد بوطغان" على هذا الجهد الذي يمنح القارئ بالعربية فرصة للتمتُّع بهذا الأثر المتميِّز من الأدب العالمي الإنساني.

المصدر:  (أقنعة الروح)، بار لاجيركفيست، دار فيسيرا، 2010، ترجمة "محمد بوطغان"

شوهد المقال 2218 مرة

التعليقات (0 تعليقات سابقة):

أضف تعليقك comment

  • أرسل إلى صديق أرسل إلى صديق
  • نسخة للطباعة نسخة للطباعة
  • نسخة نصية كاملة نسخة نصية كاملة
طالع أيضا
image

بوداود عمير ـ مارادونا ..شي غيفارا الرياضة

معظم صحف العالم اليوم، تحدثت عن رحيل مارادونا، الظاهرة الكروية العالمية؛ صحيفة "ليمانيتي"، أفردت غلاف صفحتها للاعب الارجنتيني، ونشرت عددا من المقالات عنه موثقة بالصور.
image

نجيب بلحيمر ـ وهم الحل الدستوري

نجيب بلحيمر  ما الذي يجعل كثيرا من الناس مطمئنين إلى عواقب تطبيق المادة 102 وإعلان حالة الشغور في منصب الرئيس؟لقد كان "المسار الدستوري" الذي فرضته السلطة
image

محمد هناد ـ تطبيق المادة 102 من الدستور أضحى أمرا ضروريا

د. محمد هناد  في هذه الفترة العصيبة من جميع النواحي، تجد الجزائر نفسها من دون رئيس دولة منذ أكثر من شهر. المعالجة الإعلامية المتصلة بمرض الرئيس
image

العربي فرحاتي ـ أبناء العمومة يلتقون ..في نيوم

د. العربي فرحاتي  قبل أزيد من أربعين سنة خاطب السادات الإسرائيليين ب "أبناء عمومتي" عند زيارته التطبيعية الأولى من نوعها في العلاقات العربية الاسرائيلية.. اليوم أعلن
image

عبد الجليل بن سليم ـ رسالة كريم طابو في ميزان السياسة

عبد الجليل بن سليم  أولا اتفهم الدافع الوطني الذي دفع كريم طابو لكتابة رسالة تنديد لم صرح به رئيس فرنسا حول الجزائر و تبون و دعهمه
image

عثمان لحياني ـ في ما يجب أن يقال لماكرون

عثمان لحياني  لا حكم على النوايا ، ولا حق لأحد مصادرة حق الغير في ما يراه فعلا سياسيا ، يبقى أن المضمون الوحيد الذي يجب أن
image

جيجيڨة براهيمي ـ بين الكونغرس الأمازيغي والجامعة العربية / الفصام الجغرافي والنكوص التاريخي العابر للكركرات بالصحراء الغربية.

د. جيجيڨة براهيمي بين هذا وذاك يعيش بعض الجزائريين أوهامهم بالاحتماء وبالانتماء . فريق باسم الأمازيغية يوالي المغرب بحجة احتضانه للكونغرس العالمي الامازيغي بالرباط؛
image

شكري الهزَّيل ـ جيش التنسيق الفلسطيني الى اين؟!

د.شكري الهزَّيل الغابة الفلسطينية تتسع ووراء كل شجرة تختبئ غابة أخرى من الاحاديث والاقاويل والمجموعات والملتقيات والنقاشات الى حد أصبحت فيه الخيانة الوطنية العلنية مجرد وجهة
image

محمد بونيلرسالة مفتوحة إلى السيد وزير المجاهدين..."في الجزائر الجديدة"!

محمد بونيل في صبيحة هذا اليوم الأحد 22 نوفمبر 2020، أفتح قوس (لهذا الشهر رمزية عظيمة، ففي الفاتح من شهر نوفمبر من عام 1954،
image

خديجة الجمعة ـ طال الغياب

خديجة الجمعة   هناك أعاصير في القلب فجرتها في لحظة انهيار. وتاهت مني الكلمات، فلم أجد أمامي إلا لوحة وألوان وأصبحت حينها كالمجنونة ارسم لكن ، هذه

:

لا توجد مدونات لهذا الموضوع

قيم هذا المقال

0
Free counter and web stats