الرئيسية | الوطن الثقافي | برهان شاوي - دروس في التواضع (1) - درس الطيب صـالح الكبير

برهان شاوي - دروس في التواضع (1) - درس الطيب صـالح الكبير

بواسطة
حجم الخط: Decrease font Enlarge font
image

 

د.برهان شاوي 
 

 

في حياتي المهنية المتشعبة، وفي مجال الصحافة بالتحديد، تعلمت دروساً مهمة في التواضع من كبار الكتاب الروائيين والشعراء أمثال الطيب صالح، عبدالرحمن منيف، والطاهر وطار، حيدر حيدر، إسماعيل فهد إسماعيل، د. عبدالعزيز المقالح.. وغيرهم.. وعكسها من تجارب سيئة مع بعض آخر..

كنت كثيراً ما أذكر هذه الدوروس المهمة حينما كنت أتحدث عن الأدب والصحافة مع أصدقائي، فكانوا يلحون عليّ بتدوينها فربما سيتعلم منها البعض من الكتّاب والفنانين الذين لا يرون في مرآة هذا الوجود سوى ذواتهم..

لم آبه للأمر كثيراً، ولم أدون شيئاً عن هذا، لكني وأنا أتابع بمرور السنين والأشهر والأيام ما يصدر عن الكثير من الكتاب والشعراء (الذين بعضهم لم ينشر كتاباً واحدا بعد) من تصريحات أو ما يكتبونه عن الآخرين بنية الإنتقاص والتجريح والإلغاء وبروح انتقامية، وجدت نفسي استذكر تلك الدروس الكبيرة في التواضع لتلك الأسماء المتوهجة عبر السنين.

 

ففي السنوات ما بين نهاية التسعينات وبداية القرن الجديد عملت محرراً ثقافيا في صحيفة الإتحاد الظبيانية بدولة الإمارات العربية المتحدة..وفي فترة ما بين هذه السنوات كنت مكلفاً بتحرير (الملحق الثقافي) الأسبوعي للصحيفة..وكان عدد لا بأس به من الصحافيين والفنيين من مختلف الجاليات العربية يعملون فيها..وكان من بين هؤلاء مجموعة مهمة من الأخوة السودانيين..ولأن الجالية السودانية في دولة الإمارات العربية المتحدة ليست بالقليلة، فقد نصحني الأخ الأستاذ الطيب الذكر (الفاتح التيجاني)، وكان في موقع إداري وتحريري مهم في الصحيفة، بأن أفاتح الكاتب الروائي الكبير (الطيب صالح) بأن يكتب في الملحق الثقافي..وقد أمن لي بطريقته رقم هاتفه في لندن.

كان الكاتب الكبير الطيب صالح في ذلك الوقت يعمل مستشاراً في اليونسكو، وكان قد ترك الكتابة الأسبوعية في مجلة (المجلة) التي كانت تصدرت في لندن..لكني كنت محرجاً في مفاتحته بما يخص مبلغ المكافأة الأسبوعية على مساهمته..فاتحت إدارة الصحيفة..وكان في حينها الروائي الإماراتي الصديق (علي أبوالريش) يرأس تحريرها، فرحب بالأمر وطلب مني الإتفاق معه بأي شكل، فيكفي أن يكون اسمه في الصحيفة حتى تحقق إنتشاراً بين الجالية السودانية في الإمارات ..وهذا ما تحقق فعلا في ما بعد.

 

اتصلت بالكاتب الكبير..وكعادة الأخوة السودانيين، رحب بي بطيبة واحتفاء أخجلني.. فقد كنت على يقين بأنه لم يسمع باسمي قط .. وحينما فاتحته بالأمر..وقلت له بأن إدارة الصحيفة لا تتوانى عن أي مبلغ يحدده..لم يجبني..وإنما سألني عن الكتاب الذين يكتبون في الملحق الثقافي أيضاً، فقلت له يكتب فيه: عبد الرحمن منيف، حيدر حيدر، إسماعيل فهد إسماعيل، د.عبد العزيز المقالح، ولم أكمل بقية الأسماء..وإنما سمعته يقول لي جملة ظلت ترن في إذني لسنوات، ولاتزال، إذ قال لي: هذه رفقة طيبة..أنا موافق.

 

حين سألته عما يطلبه كمكافأة أحسسته محرجاً أكثر مني..وحينما ألححت عليه بالسؤال..ذكر لي ما كان يأخذه كمكافأة في مجلة (المجلة) ..وطلب نصف ذلك المبلغ..!
وهكذا أعلنا في العدد الجديد من (الملحق الثقافي) عن مشاركة الكاتب الكبير في الكتابة الأسبوعية في الملحق..فأحدث ذلك فرحاً بين الكثيرين من المثقفين، لاسيما في أوساط الجالية السودانية في ذلك البلد الكريم.. فصارت مبيعات الصحيفة تزادا يوم الخميس خصوصاً.
دروس التواضع للكاتب الكبير كانت تتراكم..لكن درسه الكبير بالنسبة لي، كإعلامي وأستاذ أكاديمي في الإعلام وككاتب، وقبل كل شيء كإنسان، كان في معنى إلتزام الكاتب والإعلامي بالمواعيد..!!

 

 

فقد حدث إذ كان هو على سفر يخص عمله في اليونسكو..وكان يفترض أن تصلنا مقالته نهار يوم الثلاثاء كآخر موعد لإستلامها، إذ أن (الملحق الثقافي) يصدر كل خميس..لكن المقالة لم تصل..وفي الليل اتصلت به، آخذاً بنظر الإعتبار فرق الوقت بين أبوظبي ولندن..فرد علي بنفسه..معتذراً بأنه وصل قبل ساعة من السفر..وأول ما فعله في البيت هو كتابة المقال الأسبوعي..وقد أنهاه لكن اتضح بأن جهاز الفاكس لديه بدون ورق..وأنه يعدني بأنه سينهض مبكراً لشراء ورق الفاكس وإرسال المقال..وهذا ما جرى..فحينما وصلت صباحاً إلى الجريدة وجدت مقال الكاتب الكبير الطيب صالح على طاولة مكتبي.. بل وقيل لي بأنه اتصل على رقم الجريدة وطلبني ليتأكد من وصول المقال فأكد له أحد الموجودين في قسم الإنصات بأن المقال قد وصل وأني لم أصل الصحيفة بعد..فاتصلت به..وحدثني بأنه نهض مبكراً ذاهبا إلى المحل القريب من سكنه قبل افتتاحه بحيث انتظر صاحب المحل إلى أن جاء..وأعتذر مرة أخرى على تأخره سائلاً إن كان المقال سيظهر أم أنه قد تأخر في إرساله..؟؟!!.

وحدث مرة أنه كان مسافراً إلى الجزائر ومنها كان عليه أن يسافر إلى نيويورك..فكتب مقاله في الفندق وأرسله عبر فاكس الفندق إلى الصحيفة في الموعد المحدد.

 

كل هذه التفاصيل كانت بالنسبة لي دروساً بليغةً في التواضع..فمن يتصور أن الطيب صالح، هذا الكاتب الكبير الذي يُعد أحد اهرامات الرواية العربية، يتعامل مع صحافي شاب بهذا التواضع، ويقلق على إيصال مقاله في الوقت المحدد حتى لو كان على سفر..أي قيمة إنسانية راقية، واي مجد، وأية طيبة، وأي درس بليغ في التواضع..

 

 

 

 

سأكتب عن درسي الطاهر وطار وعبد الرحمن منيف لاحقاً

شوهد المقال 938 مرة

التعليقات (0 تعليقات سابقة):

أضف تعليقك comment

  • أرسل إلى صديق أرسل إلى صديق
  • نسخة للطباعة نسخة للطباعة
  • نسخة نصية كاملة نسخة نصية كاملة
طالع أيضا
image

صدمة ثقة - بقلم إيمى الأشقر

#من_الواقعأًعلم جيداً -    أن أشد الصدمات هى التى تأتى من عند جدار القلب -    أقسى الصدمات التى تأتى ممن أحببتهم ووثقت بهم ومنحتهم مكانه خاصة
image

شكري الهزَيل - مقارنة خاطئة : الشعب الكردي ليست برزاني ولا الكيان الاسرائيلي!!

د.شكري الهزَيل من المفيد ان يتثقَّف الانسان بمعرفة تاريخ الشعوب قبل ان يحكم عليها او ينحاز لرأي وسائل اعلام تضليلية تعمل لخدمة مشاريع امبريالية واخرى دكتاتورية
image

أحمد رضا ملياني - جميلا كوجه أمي

 أحمد رضا ملياني                  جميلا كوجه أميمضطربا يوحي بفصل قادم نحو الطيورالموج يصفع شاطئه والزوارقأغاني الصيادين العابرةتملآ المكان صخبا البواخر تعبر وجهه إلي مدي لاأعرفهأمدد يدي علي صوته
image

عاطف الدرابسة - ثورةُ الجراح

  د.عاطف الدرابسة                 أخشى أن يَثورَ الصّبرُ ..أن يُكسَرَ القيد .. كما يَكسِرُ الفجرُ الظّلامَ ..  أخشى أن يغيبَ العقلُ .. ويمسّني الجنونُ .. ويهزمَني الجّوعُ .. فأثورُ كما يثورُ الجُرحُ
image

شكري الهزَّيل - عرب الردة : الاراضي العربية المحتلة!؟

د.شكري الهزَّيل من هنا مرَّت الكارثة وهنا وهناك على طول وعرض الوطن العربي حطت رحالها وسلطَّت سيفها على رقابنا,ومن هنا حيث الخراب والدمار مرت طائرات الاعداء
image

علي رحيالية - بوكروح "الزدّام".. بوتفليقة.. العسكر.. وسوق الحمير الحلقة الثانية

بقلم المواطن علي رحاليةواحد من الغاشي  بوكروح "الشيات" الأول والأكبر أو كيف تتفوق على سعداني وولد عباس وأويحي في الشيتة؟    اذا المشكلة ( بالنسبة لي على الأقل )
image

نورالدين محمد حاج مصطفى - الكرد والإستفتاء (حق تقرير المصير )

نورالدين محمد حاج مصطفى    فرسان الشرق وعمادها منذُ الحضارات القديمة والحديثة  ، سلالة الهوريين والآكاديين ،  الخلديين و السومريين ، ورثة امبراطوريات  الميزوباتمية والميديا.  إنهم الشعب الكردي العريق
image

علي رحالية - بوتفليقة.. العسكر.. وسوق الحمير الحلقة الأولى : ومازال بوكروح يعتقد بأننا "غاشي"

 المواطن علي رحالية واحد من الغاشي رغما عني جذبني الحقل المغناطيسي للرداءة والتفاهة العامة التي غرقت فيهما البلاد والناس.. الرداءة في كل شيء.. وتتفيه أي شيء.. السياسة..
image

شكري الهزَّيل - الامم المتحدة : قهقهات على جثث الشعوب العربية!!

  د.شكري الهزَّيل الناس في بلادنا وبلادكم مشغولة ومنشغلة بامور الدنيا والدين ويكادوا ان ينسوا او يتناسوا امور العالم اللتي يغزونا في عقر دارنا ولا نغزوة
image

منظمة تواصل الاجيال بحي محمد شعباني ببوسعادة تصنع الحدث وتحقق الهدف.

   تقرير: هنيدة نورالدين. بادرت اليوم المنظمة الوطنية لتواصل الاجيال (ONCG) بحي محمد شعباني بوسعادة ،بفتح وتدشين نادي موجه للاطفال بمقرها حتى تصنع الحدث وتظيف فضاءات تحتضن

:

لا توجد مدونات لهذا الموضوع

قيم هذا المقال

0
Free counter and web stats