الرئيسية | الوطن الثقافي | جابر خليفة جابر - وفاز العراق ..

جابر خليفة جابر - وفاز العراق ..

بواسطة
حجم الخط: Decrease font Enlarge font
image

جابر خليفة جابر

 

كنت أقف خارج مقهى الادباء في البصرة ، المقهى محتل تماما من عشاق الكرة ، مباراة العراق مع إيران حماسية جدا ، عبدالسادة البصري يتابع بحماس نادر المثيل ، حركاته وهو بتابع الكرة وما يطلقه من صيحات ذكرني بالبحارة وصيحاتهم ..

الى عبد السادة البصري وقلبه الجميل أهدي هذا الهولندي الطائر ..

 

قصة قصيرة
الهولندي الطائر

 

 

من على الساحل الهولندي لبحر الشمال ، سرحتُ مع أمواجه ومياهه اللامتناهية ، اتجهت الى الجنوب العراقي الحزين، ورسوتُ عند موانيء الفاو بذاكرتي واستعرضت تاريخ الخليج, عدت الى عام 1974، حين لمع اسم المنتخب الهولندي ولاعبه المدهش كرويف الملقب بالهولندي الطائر، أيامها كان أصدقائي الفتيان في شارع "الحاج علي القصاب" في الفاو معجبين بهذا اللاعب وبلقبه الشهير، لكني كنت مختلفا عنهم ، شجعت الفريق الألماني مع إني لا أحبه وكنت أذكر ( باكنباور ) كابتن الفريق الألماني كلما أشادوا بكرويف، كنت أكرهه ، أكثرت الإنتقاد والسخرية منه، من إسلوب لعبه، لا أحب رقمه( لا أتذكره الآن ) حتى اللون البرتقالي المعروف للمنتخب الهولندي كنت اشمئز منه، مع إني في سري كنت معجبا بمهارات كرويف وطريقته الرائعة في اللعب وتسجيل الأهداف، كنت حزينا في داخلي لخسارتهم امام المانيا في نهائي كأس العالم، لكنه اللقب اللعين لكرويف ، الهولندي الطائر هو السبب ، لم يكن محببا الي ،كنت فتى يافعا وقتها ولم اكن قد سمعت باسطورة (الهولندي الطائر)التي تتحدث عن قبطان اعجب بسفينته وتحدى الارادة اللالهية فحكمت عليه بالتيه في البحار،ولم اسمع ايضا باوبرا فاغنر ولا قصيدة هاينرش هاينه ولاغيرها من اعمال ادبية وفنية مستوحاة من هذه الاسطورة الالمانية القديمة، ولم اقرأ عن مشاهدات البحارة و الناس عند شواطيء جنوب افريقيا لهذه السفينة وقبطانها التائه، كل ما هنالك ان هذا اللقب الذي حمله اللاعب البارع كرويف اقترن في ذاكرتي بقرصان هولندي، قص علي حكايته البحار ابو راشد ولازلت الى الآن اتخيل القفزة الخطيرة لذاك القرصان من أعلى صاري سفينته الى الماء وأشبهها بقفزات كرويف وكراته الرأسية البديعة، كانت قفزة القرصان خطيرة جدا كما صورها ابو راشد، لكنها رائعة، اكثر من رائعة، بهلوانية ،لايمكن ان يقوم بها رجل غير مدرب، كأنه لاعب سيرك حين قفز، رمى بنفسه ، تلوى ليتفادى السقوط على سطح السفينة ، وحين هوى في مياه الخليج كاد جسده ان يرتطم بحافة السفينة ويتحطم، كاد، لكنه نجا وأسره القواسم مع بحارته وسفينته ، جميعهم شاهدوا قفزته المذعورة تلك حين انطلقت البنادق من الساحل فجأة لتصد الهولنديين عن النزول الى البر، فاجأته إندفاعة الرجال، وخروجهم المفاجيء من التلال الرملية عند الساحل، فاجأتهم نيران البنادق فارتبكوا وانذعر قبطانهم وهو أعلى الصارية يراقب البر بمنظاره ،نذعر وقفز إلى الماء وحين أحضروه أمام الشيخ مقيداً ،
سأله: لماذا أتيت لغزونا ونحن أناس مسالمون ؟
وأضاف ساخرا: قل لي لماذا يا هولندي يا طائر ؟
والتصق هذا اللقب به ،الهولندي الطائر، تناقلته عرب الخليج، صيادو الأسماك والغواصون، وتندر به العبيد، وشاع بين البحارة الهولنديين الأسرى، واقترن في ذاكرتهم بأسرهم وبقفزة قبطانهم الخائف..
لا أدري ان كان الشيخ قد سمع بالأسطورة كما إن أبا راشد لم يحدثني عنها، لكن حكايته عن القرصان الهولندي الطائر وكيف أُسرَ هو ورجاله ومدافعه، وكيف قُطرت سفينته الى المياه الضحلة، بقيت في ذاكرتي منذ رواها لي، وصورة أبي راشد بزيه وإزاره ولحيته البيضاء مازلت أتذكرها كأني أراه الآن أمامي ، أتذكره منذ رأيته وأنا خارج مع أصحابي من مدرستي الكائنة على شط العرب عند مرسى السفن الخشبية القادمة الى الفاو والبصرة من الهند والخليج ، سألني عن مسجد قريب، فأرشدته الى جامع الفضلي..
قال لنا وهو يسايرنا: تعلموا الصلاة حتى تكونوا شجعانا وصادقين ، كان أجدادنا شجعانا وصادقين لانهم يصلون ويقرأون القرآن وكان القراصنة يخافون منهم ،، ثم قص لنا حكاية القرصان الهولندي هذه، كل ذلك عاد الى ذاكرتي حين ذاع اسم يوهان كرويف ولقبه الكروي ، تذكرت ابا راشد وحكايته وأحجمت عن تشجيع الكرة الهولندية ،
أمامي الآن بحر الشمال ، طيور سمان جميلة تحط قريبا منا لا تخاف من الناس ، لاشك ‘نهم هنا لا يؤذون الطيور ،،
من هنا أيضا أبحروا بسفنهم ،هل كانت الطيور الجميلة هذه هنا يومَ ذاك؟ من يدري؟ لكنهم من هنا انطلقوا، تجاوزوا ساحل مراكش، تتبعوا البرتغاليين، قرأت تاريخهم، اصطادوا الزنوج طوال مرورهم بالساحل الغربي لأفريقيا، جذبتهم الهند وتجارة التوابل والدارسين والحرير، أبحرتُ معهم، حتى بنوا مقر شركتهم، طيور الغاق ترفرف الان فوقها، في البصرة...وعدت بذاكرتي الى بحر الشمال، والتفت الى مرافقي الهولندي، أطلعته على أفكاري وذكرياتي فبدا عليه الاستغراب وقال :ان حكاية الهولندي الطائر معروفة هنا في مقاهي البحارة وهم يتندرون بها ، لكنه أبدا إندهاشه لمعرفتي بقصة القرصان هانزكريف كما سماه وقال مازحا: قد يكون ذاك القبطان هو جد اللاعب الشهير كرويف.. كان يتحدث وكانت صورة الهولندي الطائر تتراءى امامي، تلاعبه الساحر بالكرة وقفزة جده (الرائعة المنذعرة) الى البحر.

 

 

البصرة 2009

 

شوهد المقال 1585 مرة

التعليقات (0 تعليقات سابقة):

أضف تعليقك comment

  • أرسل إلى صديق أرسل إلى صديق
  • نسخة للطباعة نسخة للطباعة
  • نسخة نصية كاملة نسخة نصية كاملة
طالع أيضا
image

نجيب بلحيمر ـ النظام مريض وعلته ليست كورونا

نجيب بلحيمر الاعتقاد بأن كورونا التي أصابت عبد المجيد تبون هي مشكلة النظام السياسي خطأ في التشخيص قد يكون قاتلا. منذ الأيام الأولى بدأ التخبط في
image

خديجة الجمعة ـ الروح

خديجة الجمعة  هذه الروح تشتاق إليك ، تشتاق لرؤيا عينيك . تشتاق للجلوس معك . لتنطق اسمك بين كل الأسماء . وعاجباه!! منها تلك التي ترسم
image

وجيدة حافي ـ مُستقبل التعليم في الجزائر بين التقليدي والحديث في زمن الكُورونا

وجيدة حافي  المُنتسبون لقطاع التربية والتعليم أساتذة وإداريون يُطالبون السُلطات بوقف الدراسة لأجل مُحدد ، على الأقل حتى تنتهي هذه الفترة الحرجة التي تعرف تزايدا ملحوظا
image

علاء الأديب ـ رأي في بلاغة الشافعي..

علاء الأديب أما ترى البحر تعلو فوقه جيف وتستقر بأقصى قاعه الـــدرر الشافعي. أرى أن الشافعي رحمه الله قد اخفق بلاغيا في اختيار مفردة فوق
image

بوداود عمير ـ مارادونا ..شي غيفارا الرياضة

معظم صحف العالم اليوم، تحدثت عن رحيل مارادونا، الظاهرة الكروية العالمية؛ صحيفة "ليمانيتي"، أفردت غلاف صفحتها للاعب الارجنتيني، ونشرت عددا من المقالات عنه موثقة بالصور.
image

نجيب بلحيمر ـ وهم الحل الدستوري

نجيب بلحيمر  ما الذي يجعل كثيرا من الناس مطمئنين إلى عواقب تطبيق المادة 102 وإعلان حالة الشغور في منصب الرئيس؟لقد كان "المسار الدستوري" الذي فرضته السلطة
image

محمد هناد ـ تطبيق المادة 102 من الدستور أضحى أمرا ضروريا

د. محمد هناد  في هذه الفترة العصيبة من جميع النواحي، تجد الجزائر نفسها من دون رئيس دولة منذ أكثر من شهر. المعالجة الإعلامية المتصلة بمرض الرئيس
image

العربي فرحاتي ـ أبناء العمومة يلتقون ..في نيوم

د. العربي فرحاتي  قبل أزيد من أربعين سنة خاطب السادات الإسرائيليين ب "أبناء عمومتي" عند زيارته التطبيعية الأولى من نوعها في العلاقات العربية الاسرائيلية.. اليوم أعلن
image

عبد الجليل بن سليم ـ رسالة كريم طابو في ميزان السياسة

عبد الجليل بن سليم  أولا اتفهم الدافع الوطني الذي دفع كريم طابو لكتابة رسالة تنديد لم صرح به رئيس فرنسا حول الجزائر و تبون و دعهمه
image

عثمان لحياني ـ في ما يجب أن يقال لماكرون

عثمان لحياني  لا حكم على النوايا ، ولا حق لأحد مصادرة حق الغير في ما يراه فعلا سياسيا ، يبقى أن المضمون الوحيد الذي يجب أن

:

لا توجد مدونات لهذا الموضوع

قيم هذا المقال

0
Free counter and web stats