الرئيسية | الوطن الثقافي | محسن حنيص - كل ماهو صعب المنال

محسن حنيص - كل ماهو صعب المنال

بواسطة
حجم الخط: Decrease font Enlarge font
image
 محسن حنيص *

كل ماهو بعيد وصعب المنال هو الأقرب لأحتلال الذات وتحطيم ما يحيط بها . هذه المفارقة مسؤولة عن خسارة الكثير من المزاج و سنوات العمر . يبدو ان لحظة الوصول الى الشئ هي أيذان بموته . وهي نفس اللحظة التي يبدأ فيها المرء مشوارا جديدا يضع فيه هدفا (بعيد المنال) ليلهث وراءه . ويصبح الأمر نوعا من القلق المزمن حين يكون الهدف شبه مستحيل . في ظل هذه الآلية المقيتة تموت الاشياء التي تعبنا في الحصول عليها ولا يبقى لها أية قيمة.. ولكي أكون واضحا أكثر ينبغي ان اضرب لكم امثلة :

أم لديها خمسة أطفال . بعد جهد شاق استطاعت ان توصل اربعة منهم الى الجامعة , لكن ألطفل الخامس ( الولد ) قطع الخيط وأبى الا ان يكون ( بائع فلافل) . بينما امه تريده ان يصبح طبيبا .. الولد لا يحب المدرسة , هنا بدأت مأساة الأم وفقدت الى الأبد متعة يومية تقدمها لها اربعة بنات ناجحات . الام تتعذب يوميا وهناك احتمال ان تصيبها جلطة في القلب . فالولد مصر على لبس صدرية الفلافل , بينما لاتغيب صدرية الطب لحظة واحدة عن مخيلة الأم . 

أب لديه زوجة تحبه وراضية فيه رغم عيوبه ويقف الى جانبها ستة أطفال متعلقون به ولايريدونه ان يغادرهم . لكن الاب متعلق بواحدة أخرى تعيش في (كولومبيا ) وقد دوخته أردافها اللاتينية المدهونة بزيت الأرغان . الأب لايقدر ان ينام ويريد الهجرة الى كولومبيا , لا ليقرأ ماركيز بلغته ولكن ليتورط في زيجة ثانية عابرة للقارات .

تاجر عراقي يملك بيتا ورصيدا ماليا ومحلا يوفر له ولعائلته دخلا يكفيه لخمسين سنة قادمة . وبدل ان يتفرغ لأسعاد عائلته والدوران بهم حوال العالم نراه يستقتل ليكون نائبا في البرلمان . ليس هدف التاجر هو القضاء على الفساد فهذا ليس من أهتمامه و لايقدر عليه أصلا , ولكنه وجد ان جلوسه على مقعد في البرلمان مفيد للعظام و للصحة النفسية . ولكي يحقق هدفه يحتاج التاجر الى اقناع خمسين الف من العراقيين وضمان اصواتهم . وهنا نتساءل ان كان الوصول الى مجلس النواب مفيد فعلا للجسم او يساعد في عمل الكبد او البنكرياس ؟ 

فتاة جميلة للغاية . لديها صفحة في الفيس بوك . كل دقيقتين تصور سنتمترا مربعا من جسمها وتلصقه في صفحتها فتنهال عليها علامات الأعجاب ( اللايكات ) والكلمات المصاحبة لها .. حين انتهت من السطح الخارجي لجسمها انتقلت الى الأحشاء الداخلية . أدخلت كاميرة صغيرة الى فضاء الفم وصورت البلعوم واللوزتين وسن العقل والغدد اللعابية . لصقت صورة شعاعية لهيكلها العظمي وصورة لها وهي في بطن أمها ( سونار ) . وعندما ظهر عندها المصران الاعور طلبت من الجراح ان يصوره لها قبل أزالته ورجته ان يصور الاحشاء المجاورة حيث طلب احد اصدقاء الفيس بوك ان يرى أمعاءها الغليضة . في كل مرة يعبر معجبيها الرقم 5000 . لكنها لم تعد تفرح . لقد سئمت من كل هؤلاء ولم تعد كلماتهم ويقضتهم ومتابعتهم الدائمة تثير أهتمامها . انها تود ان تستبدل كل هؤلاء ب (جورج كلوني ) . لكن الممثل العالمي يتلقى يوميا خطابات و ( لايكات) من فتيات اجمل منها ولا يقل عددهن عن 5000 في الدقيقة الواحدة ,

شاعر عراقي يحوز على أعجاب الكثيرين مع كل نص يظهر له . وحين ظهر ديوانه الاول ونشر بعضا من نصوصه تلقى التهاني وعبارات الاعجاب من 5000 قارئ مخلص , و شاعر , ومحب , وناقد , ومحلل . قلب الاسماء بدقة فلم يعثر على أسم (أدونيس ) بينها فحزن كثيرا . كان مستعدا لأستبدال جميع الكلمات التي سطرها له محبوه بكلمة واحدة من أدونيس . رغم ان بعض النقاد يروه اكثر شاعرية من أدونيس نفسه . بعد أشهر من الأحباط وعدم التوازن قطع تذكرة ب ( 600 دولار ) و طار الى بيروت لينتزع من أدونيس كلمة . التقط معه صورة وهو يحمل ديوانه وحاول بشتى السبل الحصول على أي اعتراف منه . لكن أدونيس كان بخيلا جدا معه . فاقد الشئ لا يعطيه . فأدونيس نفسه يبحث عمن يعترف به . وقد بعث أصدقاؤه ومسوقوه 5000 رسالة الى الاكاديمية السويدية لكنها لم تفتح أية واحدة منها . أما الشاعر العراقي فهناك اكثر من 5000 شاعر عربي مثله يقفون في طابور على باب السيد أدونيس .

زوج وزوجة كلاهما عاقران . أفنيا حياتهما وصرفا كل ما عندهما للحصول على طفل . هناك طفل مشرد ( نازح ) احتل مدينته مسلحو ( داعش ) فهرب أهله وهم يعيشون الآن في خيمة . الشتاء على الأبواب . كل يوم يمر العاقر والعاقرة امام الخيمة لكن أيديهم مغلولة , وهما عاجزان عن رمي درهم واحد الى النازحين , وكل ما عندهما من مال يذهب الى الاطباء والمحتالين . 

كاتب لا يعبر عدد قرائه حدود الزقاق الذي يعيش فيه لكنهم يفهمون كل حرف ينطقه ويمنحونه حبا صافيا لا غبار فيه . الكاتب يكافح من أجل أستبدال الزقاق بقارة أوربا و كندا و أمريكا اللاتينية وأستراليا و يتمنى ان يغزو روسيا وتتترجم أعماله الى الصينية والهندية والصربية . ليس العيب في كل هذا رغم أنه يتطلب جهدا ووقتا وقد لا يصل أليه لكنه حاليا يخسر الكثير فهو لايتمتع بأية كلمة من اصدقائه في الزقاق .


*كاتب عراقي مقيم في هولندا 

شوهد المقال 1297 مرة

التعليقات (0 تعليقات سابقة):

أضف تعليقك comment

  • أرسل إلى صديق أرسل إلى صديق
  • نسخة للطباعة نسخة للطباعة
  • نسخة نصية كاملة نسخة نصية كاملة
طالع أيضا
image

رضوان بوجمعة ـ الاتصال في قصر المرادية.. من اللقاءات الدورية إلى الحوارات الفرنسية

د. رضوان بوجمعة  الجزائر الجديدة 182   الحوار الذي أجراه المسؤول الأول عن قصر المرادية مع قناة فرانس 24 الفرنسية عشية الاحتفال بالذكرى 58 لعيد الاستقلال،
image

اعتقال الدكتور فارس شرف الدين شكري في بسكرة الجزائر بسبب محاولته اعطاء حلول لانقاذ مدينته من جائحة كورونا

عين الوطن  الدكتور #فارس_شرف_الدين_شكري تم اعتقاله امس بسبب منشوراته على الفايسبوك حول كورونا وتفشيها، في #الجزائر لا تتحدث لا تناقش لا تهمس ببنت شفة ،
image

نجيب بلحيمر ـ الحوار الخطيئة في التوقيت الخطأ

نجيب بلحيمر  إلى من توجه عبد المجيد تبون بحديثه في فرانس 24؟ السؤال تفرضه المناسبة. من الناحية الرمزية يعتبر ما أقدم عليه تبون أمرا غير مسبوق في
image

رشيد زياني شريف ـ حراك الشعب وحراك القصر

د. رشيد زياني شريف  لا شك لاحظتم شراسة الهجوم على الحراك في الآونة الأخيرة، وخاصة أثناء "الهدنة الصحية" ولم يفتكم تعدد التهم وتنوعها، من كل
image

العربي فرحاتي ـ حراك الجالية الجزائرية ..رسالة للعالم

 د.العربي فرحاتي  بشعارات الوحدة ونبذ التفرقة بين العرب الأمازيغ وبين أحرار الداخل والخارج ..وبالاناشيد الوطنية وزغاريد الحراير.. وفي مناخ أخوي نضالي..انتفضت الجالية الجزائرية في
image

خديجة الجمعة ـ الفارس الملثم

خديجة الجمعة    وفي ليلة ظلماء أسهبت بنظري للسماء محلقة بفكري . علني أجد شيئا ما بداخلي. وإذ بي أراه حقيقة لاخيال وتلعثمت حينها . وفركت عيني
image

عادل السرحان ـ شهداء الجزائر يعودون

عادل السرحان                   أهلاً بمَنْ فدّى الجزائربالدمِإذ عاد مزهواً بأجمل مقدمِأرواحهم قد حلّقت فوق  العُلاورفاتهم مسك يضوع بمعصمِ مُذْ في فرنسا والجماجم عندهاشطر الجزائر تستديرُ لتُحرمِسبعون عاماً بعد
image

علاء الأديبالنصر للذباب والبعوض... من قصص الحرب

علاء الأديب المكان موضع تحت الأرض بثلاثة أمتار مغطى بالصفيح وكومة من التراب في إحدى جبهات القتال والساعة تقترب من الثامنة مساء.ودرجة الحرارة اكثر من 54.درجة
image

محمد محمد علي جنيدي ـ على حرفي

محمد محمد علي جنيدي                    على حَرْفٍ من الفُصْحَىأُهَادِي الحَيْرَى والجَرْحَىيُسَامِرُ ودُّكُم قلبيولا يَغْفُو إذا أَضْحَىعلى حَرْفٍ بإفْصَاحِونُورٍ مِلءَ مِصْباحيتُسَافرُ دَمْعَتي دَوْمالِبُلْدانٍ وأرْوَاحِأيَا حَرْفِي بلا مَأْوَىتَسِيحُ وأَحْمِلُ
image

نجيب بن خيرة ـ من بعيد .... جماجم.... وجماجم

د. نجيب بن خيرة   رجوع رفات الشهداء إلى أرض الوطن ليس مَزيةً من فرنسا ( البغي ) تتفضل به علينا ... إنه حق شعب في

:

لا توجد مدونات لهذا الموضوع

قيم هذا المقال

0
Free counter and web stats