الرئيسية | الوطن الثقافي | أحمد سعداوي - ما يريده القرّاء

أحمد سعداوي - ما يريده القرّاء

بواسطة
حجم الخط: Decrease font Enlarge font
image
أحمد سعداوي 
 
 
لو حاولت اجراء استبيان لقراء الروايات المنتظمين، أو صرفت وقتاً لجمع هذه الآراء من صفحات التواصل الاجتماعي حول ميولهم القرائية، بهدف الوصول الى مشترك عام لوجدت الحصيلة أقل من الشائع من الكلام.
هناك، لا شك، سلطة عامة يمثلها القارئ تجاه سوق الكتب، وبالذات الروايات، فميوله وتفضيلاته ترفع من كفة كتب وتقصي كتباً أخرى، من دون الالتفات كثيراً الى آراء النخبة من القراء النوعيين، فهؤلاء، كما يبدو، يتواصلون على الاغلب بينهم بالدرجة الأساس.
ولكن، بقدر ما تبدو "سلطة القراء" واضحة في تفضيلاتهم القرائية، بقدر ما هي غامضة، هذه السلطة. فما هو المشترك العام بين مختلف أنواع القراء يا ترى؟
كنت كتبت قبل سنوات عن انموذج شائع من القراء اليوم، اسميته "قارئ المترو"، أو "قارئ الباص". هذا القارئ يحب القراءة، قراءة الروايات تحديداً، ولكنه بسبب ضغوط الحياة وتزاحم الإثارة البصرية على مدار الساعة، تلك القادمة من التلفزيون وشاشات الانترنت والهواتف الذكية، والاعلانات الضوئية في الشوارع، فإنه يفتقر الى التركيز. هناك تشتيت ذهن عام، وينسحب هذا التشتيت على طائفة القراء، خصوصاً الشريحة الكبرى منهم، الذين لا يملكون رفاهية التركيز التام مع كتاب خلال وقت مفتوح لا يقاطعهم فيه شيء. هذا القارئ مشتت الذهن لن يصبر مع رواية معقدة في بنائها ولغتها، ولن يصبر مع مزاج كتابة مسترخٍ جداً، ولن يقرأ عشرات الصفحات مع مردود قليل، أو أجهاد عالٍ للذهن. سيرمي الكتاب فوراً وينتقي كتاباً آخر يلبي احتياجاته.
بالامكان اتهام هؤلاء القراء بالسطحية وأنهم يبحثون عن متعة عابرة، وأنهم لا يريدون اكتساب معرفة من القراء وانما تزجية وقت فقط. ولكننا لا نستطيع تجاهل حقيقة أن هذه الفئة في اتساع بسبب سيادة نمط حياتي محدد، قد يكون انموذجه الاعلى ما يجري في مدن الغرب الاوربي واميركا، ولكنه يتكاثر ويتسع في بقاع أخرى من العالم بسبب تشابه انماط الحياة. وسنصاب بالحزن إن انتظرنا طويلا عودة نمط القارئ المتفرغ كلياً للكتاب الذي يقرأ فيه، ويرى فيه النافذة الوحيدة للاطلال على عالم مختلف. لدينا اليوم مئات النوافذ التي تطل على عوالم مختلفة، ولم تعد القراءة هي النافذة الوحيدة. وان كتبنا في عزلة عن هذا العالم وتجاهل لكل ما فيه، سنضمن كتابة كتب لن يقرأها أحد..!
ولكن، بالعودة الى السؤال الأول؛ هل يمكن وضع قائمة بتفضيلات "قراء الباص" لنحدد بالتالي شكل الرواية التي تتوجه إليهم؟!
هذا صعب بكل تأكيد، لان ركاب الباص من القراء ليسوا نسخاً عن بعضهم البعض الآخر، وكل واحد فيهم يمتلك خلفية وذائقة ومزاج وتجارب حياتية مختلفة، وبالتالي تحت المحددات العامة التي تناسب مزاج هؤلاء القراء سنرى العديد من الخيارات والمقترحات، والتي لن تناسب جميع هؤلاء القراء. ولمن يحاول أن يجرب هذه المغامرة، أؤكد له أنه من الصعب أن تنجز كتاباً عن قصد مسبق بهدف أن يكون موجهاً الى كل قطاعات القراء.
الشيء الأساسي أن مزاج القراءة تغير، بفعل تغير السياق التاريخي الذي يحتوي المتغيرات الاجتماعية والاقتصادية والتقنية وغيرها، ولكن تغير مزاج القراءة لا يعني التنازل عن شروط الكتابة الفنية، أو تغيّر ما تعنيه الكتابة نفسها في بعدها الأخلاقي والانساني. التغير يحصل في الوسائل والاجراءات وليس في المحمول المعرفي والفني الذي يفترض أن تحتوي عليه أي رواية كبيرة تستحق القراءة.
برأيي الشخصي يستطيع الكاتب أن يكتب بجودة أكبر حين يتحرر من الضغط النفسي الذي تمثله "سلطة القراء" المفترضة، وأن لا يجهد نفسه في تكوين صورة متماسكة عن هؤلاء القراء، لان هذا جهد ضائع، ولكن عليه أن يعي جيداً؛ قوة الاختزال والكثافة التي تفرضها ثقافة الصورة ووسائل التواصل عالية التقنية، ووعي "الصورة" داخل الكتابة ومختلف التقنيات المرحلة من عالم الصورة الى الكتابة. وأن لا يجعل "الآثار السردية" للتقنيات وألاعيب الكتابة هي المادة السردية التي يريد أن يقولها، وانما لديه شيء يستحق أن يقال، وبسبب ذلك غالباً تنجح كتب المذكرات في القراءة حتى وان كانت مكتوبة بطريقة بسيطة وغير فنية. بسبب أن فيها شيئاً يستحق أن يقال.
 

شوهد المقال 1450 مرة

التعليقات (0 تعليقات سابقة):

أضف تعليقك comment

  • أرسل إلى صديق أرسل إلى صديق
  • نسخة للطباعة نسخة للطباعة
  • نسخة نصية كاملة نسخة نصية كاملة
طالع أيضا
image

بوداود عمير ـ مارادونا ..شي غيفارا الرياضة

معظم صحف العالم اليوم، تحدثت عن رحيل مارادونا، الظاهرة الكروية العالمية؛ صحيفة "ليمانيتي"، أفردت غلاف صفحتها للاعب الارجنتيني، ونشرت عددا من المقالات عنه موثقة بالصور.
image

نجيب بلحيمر ـ وهم الحل الدستوري

نجيب بلحيمر  ما الذي يجعل كثيرا من الناس مطمئنين إلى عواقب تطبيق المادة 102 وإعلان حالة الشغور في منصب الرئيس؟لقد كان "المسار الدستوري" الذي فرضته السلطة
image

محمد هناد ـ تطبيق المادة 102 من الدستور أضحى أمرا ضروريا

د. محمد هناد  في هذه الفترة العصيبة من جميع النواحي، تجد الجزائر نفسها من دون رئيس دولة منذ أكثر من شهر. المعالجة الإعلامية المتصلة بمرض الرئيس
image

العربي فرحاتي ـ أبناء العمومة يلتقون ..في نيوم

د. العربي فرحاتي  قبل أزيد من أربعين سنة خاطب السادات الإسرائيليين ب "أبناء عمومتي" عند زيارته التطبيعية الأولى من نوعها في العلاقات العربية الاسرائيلية.. اليوم أعلن
image

عبد الجليل بن سليم ـ رسالة كريم طابو في ميزان السياسة

عبد الجليل بن سليم  أولا اتفهم الدافع الوطني الذي دفع كريم طابو لكتابة رسالة تنديد لم صرح به رئيس فرنسا حول الجزائر و تبون و دعهمه
image

عثمان لحياني ـ في ما يجب أن يقال لماكرون

عثمان لحياني  لا حكم على النوايا ، ولا حق لأحد مصادرة حق الغير في ما يراه فعلا سياسيا ، يبقى أن المضمون الوحيد الذي يجب أن
image

جيجيڨة براهيمي ـ بين الكونغرس الأمازيغي والجامعة العربية / الفصام الجغرافي والنكوص التاريخي العابر للكركرات بالصحراء الغربية.

د. جيجيڨة براهيمي بين هذا وذاك يعيش بعض الجزائريين أوهامهم بالاحتماء وبالانتماء . فريق باسم الأمازيغية يوالي المغرب بحجة احتضانه للكونغرس العالمي الامازيغي بالرباط؛
image

شكري الهزَّيل ـ جيش التنسيق الفلسطيني الى اين؟!

د.شكري الهزَّيل الغابة الفلسطينية تتسع ووراء كل شجرة تختبئ غابة أخرى من الاحاديث والاقاويل والمجموعات والملتقيات والنقاشات الى حد أصبحت فيه الخيانة الوطنية العلنية مجرد وجهة
image

محمد بونيلرسالة مفتوحة إلى السيد وزير المجاهدين..."في الجزائر الجديدة"!

محمد بونيل في صبيحة هذا اليوم الأحد 22 نوفمبر 2020، أفتح قوس (لهذا الشهر رمزية عظيمة، ففي الفاتح من شهر نوفمبر من عام 1954،
image

خديجة الجمعة ـ طال الغياب

خديجة الجمعة   هناك أعاصير في القلب فجرتها في لحظة انهيار. وتاهت مني الكلمات، فلم أجد أمامي إلا لوحة وألوان وأصبحت حينها كالمجنونة ارسم لكن ، هذه

:

لا توجد مدونات لهذا الموضوع

قيم هذا المقال

0
Free counter and web stats