الرئيسية | الوطن الثقافي | فوزي سعد الله - عين محشاشة: من المهندس شاصيريو إلى.. مصطفى القرعة

فوزي سعد الله - عين محشاشة: من المهندس شاصيريو إلى.. مصطفى القرعة

بواسطة
حجم الخط: Decrease font Enlarge font
image

فوزي سعد الله 

 

"قَامْبِيطَة" (Gambetta) هو اسم شخصية سياسية فرنسية قوية النفوذ ساهمت في صنع تاريخ فرنسا في النصف الثاني من القرن 19م، وكانت إحدى المُوقِّعين على مرسوم كريميو الشهير الذي أصبح يهود الجزائر بمقتضاه مواطنين فرنسيين منذ 24 أكتوبر 1870م. أما في مدينة سيدي عبد الرحمن الثعالبي، فإنه اسم أحد أعرق الشوارع وأجملها.

"قامبيطة" شهد النور إثر تَبَنِّي مخطط "شَاصِيرْيُو" (Théodore Chassériau) في 1865م من طرف الإدارة الاستعمارية لتوسيع العمران حسب النماذج الباريسية الهوسمانية (haussmannienes)...

قبل 1830:

قبل الاحتلال، كان شارع قامبيطة عبارة عن منحدر وَعْر ينطلق من "السّْوَارَجْ" حيث دار السلطان وثكنته "علي خوجة" بـ: الباب الجديد ولا ينتهي إلا في أسفل باب عزون على صخور شاطئ البحر تحت ساحة بور سعيد الحالية...

وكان هذا المنحدر، الذي يُعتبَر إلى حد ما امتدادا لحي "سُورْسْطَارَة" العثماني باتجاه "الوطأ"، يجمع بين الأحراش المتوحشة من جهة، والخنادق من جهة أخرى التي حَفَرَهَا مهندس موريسكي نازح من مدينة ألمرية (Alméria) الأندلسية/الإسبانية خلال النصف الثاني من القرن 16م. وكان يتراوح عُمق هذه الخنادق، التي كانت تقع خلف الأسوار الخارجية للمدينة من جهتها الجنوبية كإجراء وقائي من الهجمات العسكرية المسيحية، بين 6 و8 أمتار وعرضُها بين 11,5 و14,5 مترا.

كما كان نفسُ المُنحدَر رافدا لسواقي موسمية صغيرة مندفعة من روابي الأبيار وبوزرِّيعة تضرب لبعضها البعض موعدا في كل فصل شتاء في هذا المكان لِتُواصِل رحلتها نحو شاطئ البحر مثلما هو قدر كل السواقي والوديان والأنهار الثائرة التي تأبى السكون.

شارع قامبيطة الذي أصبح منذ الاستقلال يحمل اسم الشهيدة أوريدة مداد التي عذبها المظليون بمدرسة سَارْوِي (Sarouy)، أو الإخوة زَرَّارْ حاليا، حتى الموت، كان أيضا قبل 1830م الحدَّ الطبيعي الفاصل بين الغابات والأحراش التي كانت تغطي تلال العاصمة وتخفي في أحشائها مختلف الحيوانات المفترسة التي انقرضت منذ قرن والمدينة التي أصبحت تملك في رصيدها آلاف السنين من التاريخ.

مخطط شاصيريو المعماري حَوَّلَ هذه البقعة الجميلة بتوحشها العتيق، التي احتضنتْ عددا من معارك ومحاولات اقتحام المدينة على يد شارلكان في سنة 1541م ثم طيلة الحكم العثماني للبلاد، إلى حَيٍّ أوروبي راقٍ، لم يسكنْهُ من الأهالي سوى عدد محدود جدا مثل الدكتور قَدُّورْ في أربعينيات القرن 20م الذي كان المُسلم الوحيد في الحيِّ.

السّْجِيوْرَاتْ وشواء القطط والكلاب:

 

وتم تصميم هذا الشارع الجديد وفق 8 "طَحْطَاحَات" منحدرة الواحدة تلو الأخرى نحو أسفل المدينة من نواحي الباب الجديد إلى السوق الأوروبي المعروف بـ: سوق "لاَلِيرْ"، مُحاطة على جانبيها تناظريا بسلسلة من أجمل دْرِيوْجَاتْ العاصمة. كما زُينتْ الطَّحْطاحات الثماني بمجموعة من الأشجار الباسقة وحتى بنافورة عمومية في خلْف إحداهن اشتهرت بـ: "عين مَحْشَاشَة" التي لم يبق منها حاليا سوى الاسم والذكرى، وقد أتت "حضارة" الريف بعد 1962م على أغلب الأشجار التي قُطع بعضُها بالمِنشار وأُحرق بعضها الآخر بالنار حتى لا تعرقل سيْر مباريات كرة القدم الشعبية جدا في هذه البقعة من القصبة. 
وقد سمح هذا التخريب على الأقل بفتح المجال لميلاد رياضيين من صفوة نخبة كرة القدم وكرة اليَد الجزائريتيْن. والرجاء أن لا يُفهم هذا على أنه دعوة لـ: "الحقد والكراهية" المناهِضة للطبيعة ولا للاستمرار في التخريب...

 

إدارة الاستعمار لم تنس تخصيص إحدى أجمل البنايات التي أقيمت على جانبي الشارع من أعلاه حتى أسفله لإحدى الجمعيات التبشيرية والتي أصبحت خلال سنوات 1990م بعد رحيل الآباء البيض مركز إيواء الذين لم يسعفْهم الحظ في الاستفادة من إعادة الإسكان في أحياء سكنية جديدة.

شارع قامبيطة، أو شارع أوريدة مداد، هو أيضا "عين محشاشة" عند البعض أو "السّْجِيوْرَاتْ" عند البعض الآخر الذين جعلوا منه شارعا للتسلية بامتياز منذ نهاية ستينيات القرن الماضي، بحيث احتضن مباريات كرة القدم لمختلف الشرائح والأعمار، ودورات القُمار بمختلف أشكاله؛ من "البْتِي باكي" (Petits paquets) و"البُوكيرْ" إلى "الجَانْدُو" و"الرُّونْدَة" قبل أن تقضي الشرطة على هذه الآفة التي كانت متجذرة عند عدد هام من "حَوَّاتِي" سوق لالير في بداية السبعينيات في عهد "مَازِيغُو" و"تَادِيلُو"، والإخوة "الزَّرْدِي" الذين فرضوا قانونَهم الغَابِي على كل هوزِّية هذه البقعة لسنواتٍ طويلة، وفي عهدٍ لا يكاد يوجد فيه مَن لم يستلذّ الشواء الذي كان يُباع في الهواء الطلق في ساحة السوق والذي كثيرا ما حُضِّرَ من لَحم القِطط والكلاب المتسكعة تحت السيارات وفي زوايا "طابْلات" الخضر والفواكه والسَّردين...

وكانت عين محشاشة أيضا قاعدة لتنظيم الأطفال "الشياطين" غزوات سرقة "الدَّلاَّعْ" والبطيخ و"المَنْدَرِينْ" من الباعة قبل العودة منها سالمين غانمين، وساحة لتمثيل لعبة "أوليمان" (Hauts-les-Mains) التي انقرضت حاليا منذ أن تحولتْ إلى مشاهد يومية واقعية في عقد التسعينيات عندما أصبحت الروح البشرية لا ترقى إلى ثمن حبَّة "كَبْرِيسْ" (Caprice). أما لعبة التراشق بالحجارة، "لاَطَاكْ"، فلم تفلح في فرض نفسها هناك بشكل "مُستدام" مثلما حدث في خربة "دار الغولة" القريبة بسبب طبيعة شارع غامبيطة الطوبوغرافية التي تُقيِّد حرية الرماية ولا تسمح بإطلاق العنان للعنف الكامن في نفوس الأطفال.

من "اللّْوَابَة" إلى علي بلحاج

في عين محشاشة، برزتْ منذ سنوات 1950م الرؤوس المغطاة بـ: "الشاشية نَصّْ رَاسْ" وأصحاب أوراق النعناع المتدلية على الأذنين، وهم "هُوزِّيَّة" و"لْوَابَة" ذلك العهد وأشدائه الذين كانوا يُقدِّسون قيم "النِّيفْ"، لكن ليس "النِّيفْ" المُستخدَم فقط لـ: "الخْنونة"، و"الرَّجْلَة" و"الشهامة" حتى وإن كانوا كثيري الانزلاق في الإدمان على الكحول و"الزَّطْلَة" و"الزُّومْبْرِيطُو" ومختلف أنواع المُسْكِرات و"المُدَوِّخَاتْ"...

 

عين محشاشة في ذلك الوقت كانت "المحشاشة" المفضلة لأحد كبار مطربي الشعبي المعروفين على الساحة الوطنية. لكنها عرفت كيف تُخرج من أجوائها البروليتارية القاسية أسماء وإطارات لامعة في عهد الجزائر المستقلة سوف تُغَيِّر صورتها وتُحَسِّن سمعتها. 
ويكفي عين محشاشة شرفا أنها أعطتْ كرة القدم الجزائرية أحد أكبر نجومها الأسطوريين وهو اللاعب الدولي في سبعينيات وثمانينيات القرن 20م علي بن الشِّيخ، ودعمتْ الساحة الإعلامية بأحد أبرز الصحفيين وهو نور الدين خلاصي، الصحفي السابق بأسبوعية "لاناسيون" (La Nation) ورئيس تحرير سابق لإذاعة "راديو- مونتي كارلو" الفرنسية في باريس، وحققت خلال السنة الدراسية 1998م/1999م رقما قياسيا في النجاح في شهادة التعليم الأساسي بمدرسة بن شرقي بركة (مَايِسْ سابقا) التي يُديرها شقيقُه رشيد خلاصي. 
كما كانت "الحومة" المُفضَّلة لدى الكثير من لاعبي كرة القدم بالعاصمة خلال السبعينيات وبداية الثمانينيات، بمن فيهم الكبار في فريقيْ مولودية الجزائر واتحاد الجزائر على غرار بن الشيخ وعزُّوز وطاهير بوخْنونة وتشلبي وحارس المرمى بْرَانْسِي...، حيث نظموا فيها مباريات ودية، أو ترددوا عليها على الأقل، بقيتْ ذكراها راسخة إلى اليوم في الأذهان.

 

 

ومن عين محشاشة أيضا تخرج عدد من فناني الشعبي مثل المرحوم رابح كَاتْكَاتْ وأخيه المطرب الصاعد عمر سِلاَم، صاحب البوم "الشَّمْعَة" الذي صدر في 1999م، وكذلك عازف البانجو المعروف: بوعلام الطّْوِيلْ... 
وبرز من ثناياها أيضا مئات الأساتذة الجامعيين والأطباء والمهندسين الممتازين في مختلف الفروع والتخصصات...
وقد تعاطفتْ بسبب فشل الدولة في استيعاب كل هذه الكفاءات والطاقات في لحظة نقمة وغضب مع علي بلحاج وتياره في بداية التسعينيات حيث ألقى فيها صديق عباسي مدني على الأقل خطبة من خطبه المُلتهبة في إحدى السهرات الرمضانية في منتصف الثمانينيات...

 

عين محشاشة هي كل هذا التنوع والتناقض والتفاعل بين مختلف الطبقات والسلوكات والقيم والمهن وحتى الإيديولوجيات، مما جعلها شارعا/قُطبا يساهم منذ أكثر من قرن في صُنع ثقافة وذهنية الناس بقصبة الجزائر في أجواء وإن قستْ أحيانا كثيرا ما تُلطِّفها طرافة بعض إيقونتها الاجتماعية على غرار "تَشانْتُشُو"، و"طُومِيكْسْ"، و"تْشكِيكَنْ" الصغير، و"مصطفى القَرْعَة"، بالقاف البدوية، (أيْ الأقْرَعْ)، وغيرهم.... وهي شخصيات تحتاج لوحدها لمقالات أخرى طويلة.... 

 

 

 

 

L'enceinte sud de la médina/Casbah et le fossé à l'extérieur qui allait abriter le boulevard Gambetta

 

 

  A l'extérieur de l'enceinte, le fossé ou futur Bd Gambetta

  Bd Gambetta/ Ourida Meddad

 

 

 Bd Gambetta , à l'aube

 

 Boulevard Ourida Meddad , ex-Gambetta à Alger vers la fin des années 1950. Le batiment blanc à gauche appartenait aux Pères Blancs. On l'appelle Essdjiourates en raisons des petits arbres qu'on voit sur ces placettes ou Tahtahates. Au fond vers le bout du boulevard , on voit le toit du marché couvert La Lyre....Le footballer Ali Bencheikh habitait le 3 ème batiment en bas à gauche...

 Le faussé, extra-muros, qui allait abriter le boulevard Ourida Meddad, ex-Gambetta descendait de Al-Bab Al-Jedid au pied de Dar Essoultane, palais royal, jusqu'à Bab Azzoune, la porte ci-contre, jusqu'à la mer ou Qaa essour coté sud de la médina...Tableau rare, n'est ce pas Kamel Haddad?

 

 Rue Randon ou Dlalet la place La Lyre au début du 20 èmèsiècle

 

 Place la Lyre ou Bouzrina

 

  Rue de La Lyre et la place qui porte le meme nnom

 

 Le très grand footballer de Mouloudia d'Alger des années 60/70 Taher, dit Boukhnouna. Photo prise il y a un ou deux ans

 

 Le magicien dribleur du Mouloudia Ali Bencheikh, dit Alilou

 

 

شوهد المقال 2688 مرة

التعليقات (0 تعليقات سابقة):

أضف تعليقك comment

  • أرسل إلى صديق أرسل إلى صديق
  • نسخة للطباعة نسخة للطباعة
  • نسخة نصية كاملة نسخة نصية كاملة
طالع أيضا
image

نجيب بلحيمر ـ النظام مريض وعلته ليست كورونا

نجيب بلحيمر الاعتقاد بأن كورونا التي أصابت عبد المجيد تبون هي مشكلة النظام السياسي خطأ في التشخيص قد يكون قاتلا. منذ الأيام الأولى بدأ التخبط في
image

خديجة الجمعة ـ الروح

خديجة الجمعة  هذه الروح تشتاق إليك ، تشتاق لرؤيا عينيك . تشتاق للجلوس معك . لتنطق اسمك بين كل الأسماء . وعاجباه!! منها تلك التي ترسم
image

وجيدة حافي ـ مُستقبل التعليم في الجزائر بين التقليدي والحديث في زمن الكُورونا

وجيدة حافي  المُنتسبون لقطاع التربية والتعليم أساتذة وإداريون يُطالبون السُلطات بوقف الدراسة لأجل مُحدد ، على الأقل حتى تنتهي هذه الفترة الحرجة التي تعرف تزايدا ملحوظا
image

علاء الأديب ـ رأي في بلاغة الشافعي..

علاء الأديب أما ترى البحر تعلو فوقه جيف وتستقر بأقصى قاعه الـــدرر الشافعي. أرى أن الشافعي رحمه الله قد اخفق بلاغيا في اختيار مفردة فوق
image

بوداود عمير ـ مارادونا ..شي غيفارا الرياضة

معظم صحف العالم اليوم، تحدثت عن رحيل مارادونا، الظاهرة الكروية العالمية؛ صحيفة "ليمانيتي"، أفردت غلاف صفحتها للاعب الارجنتيني، ونشرت عددا من المقالات عنه موثقة بالصور.
image

نجيب بلحيمر ـ وهم الحل الدستوري

نجيب بلحيمر  ما الذي يجعل كثيرا من الناس مطمئنين إلى عواقب تطبيق المادة 102 وإعلان حالة الشغور في منصب الرئيس؟لقد كان "المسار الدستوري" الذي فرضته السلطة
image

محمد هناد ـ تطبيق المادة 102 من الدستور أضحى أمرا ضروريا

د. محمد هناد  في هذه الفترة العصيبة من جميع النواحي، تجد الجزائر نفسها من دون رئيس دولة منذ أكثر من شهر. المعالجة الإعلامية المتصلة بمرض الرئيس
image

العربي فرحاتي ـ أبناء العمومة يلتقون ..في نيوم

د. العربي فرحاتي  قبل أزيد من أربعين سنة خاطب السادات الإسرائيليين ب "أبناء عمومتي" عند زيارته التطبيعية الأولى من نوعها في العلاقات العربية الاسرائيلية.. اليوم أعلن
image

عبد الجليل بن سليم ـ رسالة كريم طابو في ميزان السياسة

عبد الجليل بن سليم  أولا اتفهم الدافع الوطني الذي دفع كريم طابو لكتابة رسالة تنديد لم صرح به رئيس فرنسا حول الجزائر و تبون و دعهمه
image

عثمان لحياني ـ في ما يجب أن يقال لماكرون

عثمان لحياني  لا حكم على النوايا ، ولا حق لأحد مصادرة حق الغير في ما يراه فعلا سياسيا ، يبقى أن المضمون الوحيد الذي يجب أن

:

لا توجد مدونات لهذا الموضوع

قيم هذا المقال

0
Free counter and web stats