الرئيسية | الوطن الثقافي | جابر خليفة جابر - وللمُثقفِ مَنازلُ ..

جابر خليفة جابر - وللمُثقفِ مَنازلُ ..

بواسطة
حجم الخط: Decrease font Enlarge font
image

 جابر خليفة جابر

 

 

 

لاشك إن غرامشي الايطالي هو أشهر من نظّر لمصطلح المثقف، وهو من صنّف المثقفين إلى قسمين /المثقف العضوي والمثقف التقليدي/ونظّر آخرون منهم باريتو للنخبة عموما، لكن تصنيفا آخر مختلفا، عن المثقف ومنازله استمعنا إليه خلال محاضرة للدكتور "ميم" في إحدى مدن العراق العالية عن مستوى سطح البحر، ربما كانت الموصل أو سامراء أو النجف أو البصرة الأولى قرب مقبرة الحسن البصري في الزبير، مررنا قبل أن ندخل - الديوان- بزقاق ضيق لا يتجاوز عرضه عدة اذرع، الأبواب فيه من الخشب الصاج الجميل ومزخرفة، وشرفاته شناشيلية، تتقارب من الأعالي حتى تكاد تصافح بعضها، ويصل بين كل شرفتين متقابلتين قنطرة، رأينا الجيران يتزاورن عبرها، بدت القناطر على امتداد الزقاق كما لو كانت سُلماً يصعد بك الى النهاية.. ولكل دار من دور الشناشيل سرداب أو أكثر، وثمة أبواب صغيرة تؤدي إلى سراديب الجيران، تلك المدن المتراكبة، ثلاثية الطبقات، تضم كل أُسر المدينة ، فتبدو للمتأمل داراً واحدة لعائلة واحدة وليس أكثر.
ذكرني المشهد بكالفينو وماركو بولو والمدن اللامرئية، وأعادني إلى الدكتور "ميم" الذي بدأ محاضرته هكذا : يمكنك أن تراها على الطريق، على طوله متباعدة، منازل المثقف، لكن أحدها يؤدي إلى الآخر أفقيا ويرتبط به شاقولياً أيضا، يتسع أولها وأن كان بسقيفة واطئة وسميكة، ويضم المتعلمين، أغلبهم، ومنهم القراء النهمين والأكاديميين والمهنيين وطلبة العلوم الدينية وغيرهم، أطياف عديدة سكنوا المنزلة الأولى، عملهم كله كان استهلاكا للمعرفة واستيراداً للثقافة، ومع هذا فلا مجال للمنازل الاخرى الا من خلالها، ولن يستحق هوية المثقف من لا يمر عبر بوابتها ولا يسكن فيها، وهي حتى بعد أن يغادرها بعضهم إلى منازل أسمى أو أعمق، لا ينقطعون عنها ولاعن التزود منها، لا مثقف من دونها، لكن الاكتفاء بِها لا يمنحك أكثر من الشهادة بأنك مثقف ما، مثقف عام، أو بتعبير آخر، "مثقف قاريء".
أرانا المشهد على الشاشة وهو يشرح بهدوء وتركيز ما يريد إيصاله، بدا منزل المثقف القاريء أوسع المنازل الثلاثة، أثبتها على الأرض وأقربها للماشي أو الناظر، بل إننا لم نرَ المنزلين الآخرين إلا من خلاله.
لكن الدكتور فاجأنا وغيّر زاوية النظر ليبدو منزل المثقف القاريء كما لو كان الطابق الأول من المبنى الرئيس للمثقف والمكون من ثلاث طبقات..
لا طريق للطابقين في الأعلى إلا من هنا، من الأرضي..
سأل أحدنا عن عنوان أو اسم الطابقين العلويين..
فقال الدكتور: الثاني عنوانه"المثقف المُفكر" أما الثالث فعنوانه" المثقف المُصلح"
بتحول المثقف من مرحلة الاستهلاك للثقافة والمعرفة، ومن مرحلة القراءة والمطالعة، إلى مرحلة إنتاج الأفكار، سيستحق بطاقة الصعود إلى المنزل الثاني ويصبح مثقفا مفكراً أو مبدعاً، والعراق بلد يزدحم بالمبدعين من سَكنة المنزل الثاني، يزدحم بالعلماء والمفكرين والكتاب والشعراء والفنانين، وكل هؤلاء من المبدعين أو المثقفين المفكرين المنتجين..
لكن – يقول الدكتور ميم – ما يحتاجه العراق الآن ويحتاجه أي بلد هو المثقف الذي يجيد تطبيق أفكاره على الأرض، المثقف الحكيم الذي يستطيع أن يلوّن فعاليات المجتمع بما هو نافع وناشر للقيم الإنسانية، هذا ما يحتاجه العراق الآن، نزلاء في المنزل الثالث /الطابق الأعلى والأسمى للثقافة.
كثر المُنظرون خاصة بعد التغيير، وكثر المبدعون، لكن كي نزدهر مدنياً وحضارياً، وكي تقل فرص التكاثر والتمكّن للطفيليات البشرية المثقفة وغير المثقفة، نحتاج لصناعة الإنسان العراقي المثقف المبدع والمُصلح في آن..
المثقف المبدع والمصلح الذي لا يرى بعين واحدة أو بنصف عين!
المثقف ..سليم النظر من العشو الليلي أو غير المصاب بعمى الألوان!
المثقف.. الذي لا يستهويه جورج أكثر من جمعة، ولا جان دارك أكثر من بنت الهدى أو جميلة بوحيرد..!
المثقف.. الذي لا يرقص طربا لتشابيه الكاثوليك الأسبان في يناير، ولا يشمئز من تشابيه عاشوراء في المحرم!
الذي لا يستريح لناطحات السحاب أكثر من مدننا المُتعاشقة بحميمية العائلة، سراديب وأبواباً وشرفات..
كي نرتقي المنازلَ، ثلاثتها، علينا أن نقيّم ونقوّم مؤسساتنا التعليمية والإعلامية والثقافية، نعالج سياساتنا فيها، وقبلها لنعالجَ عيوننا وآذاننا وعقولنا، وقبل ذاك لندقق النظرَ في أعماق نفوسنا، ونعدّل الأعوج فيها والمشوّه، وإذا وفقنا لهذا ونجحنا، حينها فقط، يصح أن يشار إلينا بصفة المثقفين والمبدعين، وبعدها مع النية الصادقة والإرادة الناهضة سنصبح حقا مثقفين مصلحين.
وهكذا – بهذي المنزلة فقط – سنتقدم ، أكثرَ ، فأكثرَ ، فأكثرْ ، كما يقول والت ويتمان .
ولن يغير الله ما بنا حتى نتغير نحن وتتغير أنفسنا نحو الأصلح .

 

* جِيم جَديد : كتاب لم يصدر بعد .

 

 

 

شوهد المقال 1347 مرة

التعليقات (0 تعليقات سابقة):

أضف تعليقك comment

  • أرسل إلى صديق أرسل إلى صديق
  • نسخة للطباعة نسخة للطباعة
  • نسخة نصية كاملة نسخة نصية كاملة
طالع أيضا
image

بوداود عمير ـ مارادونا ..شي غيفارا الرياضة

معظم صحف العالم اليوم، تحدثت عن رحيل مارادونا، الظاهرة الكروية العالمية؛ صحيفة "ليمانيتي"، أفردت غلاف صفحتها للاعب الارجنتيني، ونشرت عددا من المقالات عنه موثقة بالصور.
image

نجيب بلحيمر ـ وهم الحل الدستوري

نجيب بلحيمر  ما الذي يجعل كثيرا من الناس مطمئنين إلى عواقب تطبيق المادة 102 وإعلان حالة الشغور في منصب الرئيس؟لقد كان "المسار الدستوري" الذي فرضته السلطة
image

محمد هناد ـ تطبيق المادة 102 من الدستور أضحى أمرا ضروريا

د. محمد هناد  في هذه الفترة العصيبة من جميع النواحي، تجد الجزائر نفسها من دون رئيس دولة منذ أكثر من شهر. المعالجة الإعلامية المتصلة بمرض الرئيس
image

العربي فرحاتي ـ أبناء العمومة يلتقون ..في نيوم

د. العربي فرحاتي  قبل أزيد من أربعين سنة خاطب السادات الإسرائيليين ب "أبناء عمومتي" عند زيارته التطبيعية الأولى من نوعها في العلاقات العربية الاسرائيلية.. اليوم أعلن
image

عبد الجليل بن سليم ـ رسالة كريم طابو في ميزان السياسة

عبد الجليل بن سليم  أولا اتفهم الدافع الوطني الذي دفع كريم طابو لكتابة رسالة تنديد لم صرح به رئيس فرنسا حول الجزائر و تبون و دعهمه
image

عثمان لحياني ـ في ما يجب أن يقال لماكرون

عثمان لحياني  لا حكم على النوايا ، ولا حق لأحد مصادرة حق الغير في ما يراه فعلا سياسيا ، يبقى أن المضمون الوحيد الذي يجب أن
image

جيجيڨة براهيمي ـ بين الكونغرس الأمازيغي والجامعة العربية / الفصام الجغرافي والنكوص التاريخي العابر للكركرات بالصحراء الغربية.

د. جيجيڨة براهيمي بين هذا وذاك يعيش بعض الجزائريين أوهامهم بالاحتماء وبالانتماء . فريق باسم الأمازيغية يوالي المغرب بحجة احتضانه للكونغرس العالمي الامازيغي بالرباط؛
image

شكري الهزَّيل ـ جيش التنسيق الفلسطيني الى اين؟!

د.شكري الهزَّيل الغابة الفلسطينية تتسع ووراء كل شجرة تختبئ غابة أخرى من الاحاديث والاقاويل والمجموعات والملتقيات والنقاشات الى حد أصبحت فيه الخيانة الوطنية العلنية مجرد وجهة
image

محمد بونيلرسالة مفتوحة إلى السيد وزير المجاهدين..."في الجزائر الجديدة"!

محمد بونيل في صبيحة هذا اليوم الأحد 22 نوفمبر 2020، أفتح قوس (لهذا الشهر رمزية عظيمة، ففي الفاتح من شهر نوفمبر من عام 1954،
image

خديجة الجمعة ـ طال الغياب

خديجة الجمعة   هناك أعاصير في القلب فجرتها في لحظة انهيار. وتاهت مني الكلمات، فلم أجد أمامي إلا لوحة وألوان وأصبحت حينها كالمجنونة ارسم لكن ، هذه

:

لا توجد مدونات لهذا الموضوع

قيم هذا المقال

0
Free counter and web stats