الرئيسية | الوطن الثقافي | مخلوف عامر - جديرٌ بأنْ يُقرأ "الملكة،الفاتنة تُقبل التنين على فمه لـ: "أمين الزاوي"

مخلوف عامر - جديرٌ بأنْ يُقرأ "الملكة،الفاتنة تُقبل التنين على فمه لـ: "أمين الزاوي"

بواسطة
حجم الخط: Decrease font Enlarge font
image

د.مخلوف عامر 

 "الملكة" ذلكم هو العنوان الذي يتوسَّط صفحة الغلاف وقد كتبت الحروف باللوْن الأحمر وإلى جانبه صورة امرأة ترتدي ثوباً أحمر أيضا لا هو طويل ولا هو قصير تحمل مظلة بيضاء وتدير ظهرها للجميع. ولكن لا يقول لنا النص، إنها تملك بلاداً ولا هي ملكة جمال عصرها، إنما تملك ذاتها وشخصيتها ولأنها فاتنة قد تتملَّك العباد أولئك الذين  يشتهونها  ولا ترضى بهم.

ولعل في العنوان الفرعي ما يتجاوز دلالة التنِّين الصيني، إلى ما تتصف به من شجاعة تحملها على تقبيل التنين الذي ليس في نهاية المطاف سوى هذا الصيني الذي قَدِم إلى الجزائر طلباً لشيء من المال وللحرية أكثر. مهندس لا دين له غير حب العمل والحياة، ويجتهد في تعلًّم لغة أهل البلد وسمَّى نفسه "يونس" كيْ يكون أقرب إليهم وليُسَهِّل عليهم النطق  باسمه.

اضطرَّت أُمُّه إلى أن ترمي ابنتها في الزبالة تطبيقاً لقانون الحزب الشيوعي في تحديد النسل فظل يلاحقه الشوق إلى أخت لم ينعم بمعاشرتها. كما بقي يتوق إلى اليوم الذي تفتح له أبواب الجنة فكانت بعثته إلى الجزائر.

هي حكاية "ويو تزو صن الشينوي" و"سكورا أو ساكو"، كلاهما هارب من جحيم،  جحيم الصين حيث يحكم الحزب الشيوعي بقبضة من حديد، وجحيم الجزائر حيث العقلية المتخلفة والذكور أكثر من الرجال. يعيشون في جو من الكسل والخمول ويسخرون من صيني يكدُّ ويعمل. أينما التقيا تتابعهما الأعْين مستغربة حاقدة مصحوبة بعبارات السب والشتم وحتى الرمْي بالحجارة.

 ولكن "ّسكورا" لا تجد الراحة والمتعة إلا لدى هذا الغريب((أحكي للغريب، لأنه الوحيد الذي يراني ويسمعني .الرجل الجزائري يرى فيَّ الأنثى والسرير والأم ، يرى فيَّ فرصة ساعة لا تضيع، يرى فيَّ غنيمة، الغريب آكُلُه ويأكلني، يبلعني وأبلعه، والجزائري يأكلني بقرف، وحين أقترب منه لا أستطيع مضغه، لحْمُه مُرُّ المذاق)).ص:229

التنِّين رمز الحضارة الصينية العريقة، يدل على القوة والسطوة لأنه رمز الوحدة بين الصينيين الذين كانوا شتاتاً يتخذون لأنفسهم رموزاً من حيوانات مختلفة، ولكنه في الوقت نفسه رمز الفضيلة وحب الخير، تماما كما أراده الأباطرة القدامى يجمع بين الجبروت والخير معاً. لكن الرواية تُمدِّد هذا الرمز إلى بُعْده الاقتصادي أيْضاً، إذْ نشاهد السلع الصينية تكتسح العالَم اليوم.

إنها قصة حب وانتقاد. حب يجمع بين غريبيْن لم يجد أيٌّ منهما راحته في موْطنه. وانتقاد لموْطن يعيش تحت القهْر، وآخر ينام على خيرات الذهب الأسود والأصفر ويكتفي أهله بالتبجُّح الزائف. وهي قصة تتناسل منها قصص أُخَر. 

قصة الحماة الطاووس" الغيورة المتسلِّطة وزوجها الذي شق البحار وجاب الأمصار ، وابنها الطبيب المخنَّث والسائق الذي يستغل سيارة الإسعاف لنقل المسافرين خارج أوْقات العمل بتواطؤ مع المسؤولين والمرأة التي نجت من مخالب الإرهابيين اغتصبوها في الجبل وهربت تاركة طفلاً، وظلت تبحث عنه. والعم "تيتو" النقابي. ويصادف القارئ كثيرين ممَّن احترفوا بذيء الكلام في المقاهي والمطاعم والحافلات.

قصص تُشَكل في مجملها صوراً من واقع الجزائر. فيها من بصمات الإرهاب ومن فساد السياسيين ومشاريعهم الفاسدة. مجتمع لم يهتدِ أهلُه إلى الطريق السوي فعشَّشت فيه الخرافات والأوْهام ولم يعد قادراً على النهوض.((اعلم يا أخي من الرضاعة أن الطريق السالك إلى البركة والشفاء والنجاح والتفوُّق أصبح يمر عبر الأضرحة والراقين وتأسست على ذلك – ومن خلاله-تجارة رابحة جداً في هذا البلد. اعلم يا أخي أن هذا الشعب عامة بمثقفيه وجامعييه وأمييه وساسته وتُجَّاره.أضحى مريضاً نفسانياً، وأنهم جميعاً يرفضون عيادة الأطباء النفسانيين، ويفضلون عليهم زيارة الأضرحة والرقية، هي دواؤهم وهي ملاذهم، بعد أن غلقت في وجوههم أبواب الحظ، ولم ينالوا من ثروات البلاد التي توزعها كمشة من الناس سوى الهواء والريح))ص:161

يجسد  الكاتب أقصى ما يمكن أن تصل إليه الأوْهام والخرافات في صورة الصيني المقتول والذي يبقى مدة من الزمن في برَّاد المستشفى إلى أن يجدوا له مخرجاً بمناسبة زيارة الرئيس الصيني إلى الجزائر، وخْوفاً من الفضيحة الإعلامية تُبنى له قبَّة في إحدى مناطق الغرب"بوفرطاس" أو بوقرطاس " أو ما شابه.ليصبح هذا "الشنوي" ولياً صالحاً يزار وتقام له الولائم.

لم أستسغْ عنوان إحدى الجرائد الجزائرية يوم كتبت أن:(( الزاوي يُشجع على زواج الجزائريات من الصينيين))، فقد بدت لي قراءة سطحية تستهدف الإثارة لا أكثر، بل تذكَّرتُ روايته الأولى ((صهيل الجسد)).

 ولاحظت في هذا النص أن "الزاوي" تجنَّب المشاهد الجنسية الصادمة ليمنح الحب والحياة والجنس بُعْداً فلسفياً استثمر فيه مخزونه الثقافي من التراث العربي الإسلامي((اطلبوا العلم ولو في الصين ومقولة ابن عربي)) ومعرفته بالجزائر التي ألهمت "سرفانتيس" وطائفة من الكُتاب والفنانين المعروفين في عصرنا وخاصة موقفه من المرأة.

فأحياناً تتمُّ عملية السرد  عل لسان الشخصية ، وأحيانا أخرى يكون هو السارد على لسان المرأة ، يندمج في ذاتها ويُعبِّر عن أحاسيسها وأفكارها، ولكنها مسألة تتعلق بالبناء الروائي وبأحداث تظهر مفتعلة(كالضابط الذي يبوح للشينوي واستعمال سيارة الإسعاف وحوارات تتعلق باللغة العربية والبُعُد البربري وغيرها) مما لا يسمح المجال بالتعرُّض له، لأنه بحث يتعلَّق بالمجال الأكاديمي المزعج في هذا الحيِّز الضيِّق وبالنظر إلى طبيعة القرَّاء.

يبدو أن ما يؤرِّق الكاتب هو هذا الجسد المخنوق، جسد المرأة وكذا جسد الرجل الذي مازال أسير العادات والتقاليد والذهنية الدينية المتزمِّتة لذلك يقول: (( حين يتحرَّر الجسد من الدين والأخلاق والعادات وما تراكم فيه من ثقافات القمع والحجر والتهميش يعود الإنسان ، ذكراً كان أو أنثى، إلى الطفولة المدهشة، هي لحظة الالتقاء بالإنسان في الإنسان))ص:212

لكن الانطباع الذي يلفت الانتباه- ومن خلال هذا النقد اللاذع للمجتمع الجزائري- يوحي وكأن الكتابة في منطلقها مُوَجَّة للآخر، أوربياً كان أو صينياً. فهل صار النص الأدبي متَّكاً للارتقاء إلى العالمية على أنقاض المحلية أو بتشويهها؟

على مدى 231 صفحة، يستدرجنا ّالزاوي" بلغته الشعرية السهلة وبسخريته الأدبية اللافتة إلى متابعة صُوَر من واقعنا. وهي صُوَر تثير الضحك بقدر ما تنكأ الجراح، ولكن حين تطرح التغرُّب بلسماً للجراح، قد تطرح أنا الكاتب في مدار الحوار الوطني  والحضاري.فما النص في المحصِّلة إلا مجموعة أصوات تُخْتَزَل في صوت واحد هو صوت "أمين الزاوي".

ومهما يكن، فإن قارئ هذا النص لا شك يعيش أجواء من النقمة على واقع بإمكانه أن يصبح أفضل.قد يرى صورته في إحدى الشخصيات أو في بعض من مواقفها وممارساتها، قد يتمتَّع به لأنه يعبِّر عن مكنوناته وطموحاته، وقد يكرهه لأنه يُعرِّي جسده وسلوكه، ولكنه يبقى –في كل الحالات – جديراً بأنْ يُقْرأ.

 

)  المصدر :الزاوي، أمين،الملكة ، الفاتنة تُقَبِّل التنين على فمه، منشورات الاختلاف، الطبعة الأولى 2015.

شوهد المقال 2075 مرة

التعليقات (0 تعليقات سابقة):

أضف تعليقك comment

  • أرسل إلى صديق أرسل إلى صديق
  • نسخة للطباعة نسخة للطباعة
  • نسخة نصية كاملة نسخة نصية كاملة
طالع أيضا
image

عبد الباقي صلاي ـ للاستطاعة ... حدود !

عبد الباقي صلاي في تجربة أجرتها نخبة من العلماء الباحثين حول قدرة النملة التي ضحك سيدنا سليمان عليه السلام لجرأتها، وصبرها ،وحرصها الشديد على
image

فارس شرف الدين شكري ـ بسكرة ليست العاصمة ..الناس تموت مشتاقة شربة ماء

د. فارس شرف الدين شكري  الرجاء تعميم النشر لو سمحتم، لأن الأمر يتعلق بحياة أفراد بسكرة ليست هي العاصمة يا الربّ العالي :  استلمنا نتائج تحليل
image

طارق السكري ـ ما الذي يدفعنا لأن نتأمل نصاً جمالياً وآخر ؟

 طارق السكريإنها حاجة النفس إلى التعبير عن مكنوناتها ، وتلمس أعماقها ، والكشف عن أبعادها ، والتلذذ بما يضفيه النص من جمال يثير فيها
image

أحمد عبد الحسين ـ رسالة في انطباق الشفتين

 أحمد عبد الحسين    قبل ثلاثين سنة قال لي شيخي في قمّ إن الميم هو حرفُ الحقيقة الآدمية، قال: انظرْ إلى تأخّره في آدم ثم
image

طيبي غماري ـ في محاولة الرد على دعوى دراسة تمرد الجزائريين على إجراءات الحجر الصحي سوسيولوجيا

 د. طيبي غماري يضع هذا المطلب علماء الاجتماع أمام المحك، حيث سنجد أنفسنا اذا ما اردنا استجابة صادقة مضطرين إلى إبراز علم اجتماع حقيقي لدراسة
image

ناصر جابي ـ الجنازة كلحظة سياسية مركّزة في الجزائر

د. ناصر جابي  علاقة السياسة بالجنازة والمقبرة والدفن، وبالتالي بالموت في الجزائر من أغرب العلاقات. هذا ما يخبرنا به تاريخنا السياسي في عديد مراحله،
image

رشيد زياني شريف ـ عودة حمالات الحطب لتحقيق ما فشلوا فيه أثناء الحراك

د. رشيد زياني شريف   كلكم لاحظوا عودة حرب الأيديولوجية، من نفس منابر الكراهية، التي عشناها وذقنا علقم صنيعها في التسعينات، وتقوم هذه الوكالات
image

سعيد لوصيف ـ لديّ حلم... (عن نصّ مارتن لوثر كينغ بتصرّف) I HAVE A DREAM ، في الذكرى 28 من اغتيال سي الطيّب الوطني أعيد نشر حلمه وحلم الجزائريين والجزائريات

د. سعيد لوصيف   قبل ثمانية وخمسين عاما، أعلن الجزائريون والجزائريات بالبندقية والشهادة بيان التحرير من ويلات الكولونيالية والاستعمار. كان ذلك اليوم التاريخي
image

وليد عبد الحي ـ دونية السياسي في الحوار الحضاري(2)

 أ.د.وليد عبد الحي  تنطوي المنظومة المعرفية الغربية على بعد معرفي تشكله البيانات والمختبرات واستنتاجات البحث النظري والميداني،وتستند هذه المنظومة إلى شبكة مفاهيمية(conceptual) تتوارى خلفها
image

مريم الشكيلية ـ حديث في مقهى الورق

مريم الشكيليه ـ سلطنة عمان  قالت له : أكتبني حين تكون متوحدا بذاتك...حين يأخذك الحنين إلى مسافات لا حدود لها...أكتبني حين أغادرك وامحو آثار وجودي من

:

لا توجد مدونات لهذا الموضوع

قيم هذا المقال

0
Free counter and web stats