الرئيسية | الوطن الثقافي | باسم سليمان - الأنثى ربّة العدالة

باسم سليمان - الأنثى ربّة العدالة

بواسطة
حجم الخط: Decrease font Enlarge font
image

باسم سليمان 

كان الميزان محنةً لا أحد يودّ خوضها، يرمي زيوس أثقالاً، لا على التعيين ويرجّح كفّة على كفّة في حرب طروادة. يقترب ما سبق من الشّعر، من مفهوم الجمال وكأنّنا أمام المقولة- العين بالعين والسنّ بالسنّ- القانونية الوضعية الأرضية مع حمورابي والمنزلة مع الألواح الأثني عشر مع النبي موسى، فيغدو الجمال من مفاهيم العدالة. هكذا من يشطّ بثأره يخرج عن الذوق العام، فالثأر أو الانتقام مفهوم شرفي والشّرف مفهوم ذوقي جمالي مجتمعي، بحيث تصبح محصلة إساءتين خيراً، فالإساءة الثانية هي التعويض الذي يعيد للميزان إتزانه والاعتدال فيه حيث تتساوى الكفتان والترجيح إنْ خرجنا من مفهوم كفّة ترجح على كفّة إلى دلالة الجذر" رَجَحَ" والتي تفيد العقل المتزن الذي لا يتبع الأهواء وهنا سنتوقف عند فعل الإله زيوس وكأنّ هوميروس يرى العدالة شأناً أرضياً والعدالة السماوية شأنا غيبياً غير مفهوم، لكن المحصلة جمالية وسلمية، فالمجتمع اليوناني لم يكن يرى في الانتقام والنهاية التراجيدية له كما عبّر في مسرحياته فعلاً غير عادل ومذموم بل فعل ينهي الخصام إلى السّلاموتمام الصفقة، فالجذر لكلمة "peace" أي السّلام توجد في " pax" اللاتنية التي تعني الدفع وسداد الديون والالتزامات وفي اللغة العربية تفيد كلمة " السّلم" ذات المعنى، فهي تحدث عند تضع الحرب أوزارها وتنتهي التزامات الحروب وفي البيع أيضاً " التسليم" وفي الإيمان إيضاً حيث التسليم أعلى درجات الإيمان بالدِّين الذي أوجده الدّيان حيث توحي الكلمتان السابقتان بمعنى الدَّين وسداده، فتطمئن الروح وتسكن.


ذات النحيين:

يذكر الباحث والشّاعر زكريا محمد في كتابه " ذات النحيين" بأنّ المثل التالي له صبغة دينية واضحة" أشغل من ذات النحيين" ويخرج عن القصة التراثية إلى أنّ مفهوم المثل يتعلق بالعبادة السّائدة قبل الإسلام في شبه الجزيرة العربية التي قومها" اللات والعزّى ومناة" حيث العزّى هي الإنثى الحدّ الوسط الذي يتصارع عليها كلّ من اللات/ إله الصيف ومناة/ إله الشّتاء وكأننا بذات النحيين امرأة تحمل دلوين من ماء تارة تميل على الصيف وتارة تميل على الشّتاء أو تحمل ميزاناً تارة تُرجّح كفة الصيف وتارة تُرجّح كفة الشّتاء وعندما تسود هي ويتوازن الدلوان نكون أمام الخريف والصيف حيث فصلي الاعتدال.
أظهرت المكتشفات أنّ ربّة العدالة هي أنثى من "معت" المصرية إلى "ديكي" اليونانية ودعمتها الهياكل العظمية المكتشفة حيث تواجد الميزان مع نساء يبدو أنّهن كنّ تاجرات والتجارة تتعلق بشكل حتمي بالميزان وبدفع الالتزامات ولا تتم الصفقة حتى تتعادل الكفتان.
عادة ما صوّر الفن ربّة العدالة بميزان كفتيه متوازيتين لا رجحان لإحداهما على الأخرى وإلهة العدالة المصرية تُظهر نفس التوازن، حيث يُوضع مقابل القلب ريشة وكأنّ القلب الناجي من العذاب خفيف كالريشة قد سدّد كلّ ديونه والتزاماته الأخلاقية والدينية والمجتمعاتية ومن هنا نجد أنّ المطلب للميزان، التعادل، التوازن، التناظر، المساوة، الجمال، أليس هذا هو الوقع السّحري لجملة" العين بالعين والسن بالسن"!؟
كان اليونانيون يرون بالقصاص والثأر منطق الوجود والحياة وخالفوا بذلك المدرسة الرّواقية التي تدعو للتسامح والصفح والفيلسوف اليوناني سينيكا الذي أرسى مبدأ التعويض، لكنّ الثأر والقصاص له جماليته الفائقة التي عبّر عنها أدغار ألان بو بأن الانتقام هو العدالة التي تمنحها للمسيء، بها تهدأ نفس المنتقِم وكذلك نفس المنتقَم منه ولكي لا يشطّ بنا السرد نعود لقضية ربّة العدالة وندعمها بمفهوم كلاسي عن الوجود البشري المتعلق بالخطيئة التي افتتحتها حواء وأكملها كلّ من قابيل وهابيل بصراع على الانثى والحياة أو الدنيا التي تصوّر كأنثى يتصارع عليها الذكور وألسيت الأنثى موقع الشّرف وهذا يقودنا لمنطوق الباحث زكريا محمد عن ذات النحيين التي هي ربة العدالة بأحد تجلياتها.
لاريب أنّ الإنسان هو المقياس الأول للوجود حتى صارت أعضاؤه رمزاً لوحدات القياس" القامة – الزراع – الشّبر" وفي القاعدة القانونية السّابقة وإنْ دلت على أعضاء بشرية، لكنّها تحيل لبعد جوهري، فالعين هي عين الشيء أي ذاته وعندما نقول العين بالعين هذا يعني أنّ العدالة الكاملة تحققت كذلك السّنّ بالسّنّ والسّنّ بذاته ينحو منحاً قانونياً وعليه تكون القاعدة بالقاعدة ومع ذلك نجد أنّ المقولة السّابقة ينقصها بعد ثالث، فالعين بالعين عبارة عن حالة زوجية، فالمتخاصمان كلّ منهم سيدفع بأدلته ليثبت أحقيته وبهذه الطريقة لن نتحصل على نتيجة وهنا تظهر العين الثالثة / البصيرة لتكون حكماً وهي تمسك الميزان وهذا التجريد الذي جوهره البصيرة هو الذي نقل المادية الحرفية للمقولة السّابقة إلى حالة عقلية يعبر عنها بالميزان، فكلّ عين هي كفة والبصيرة الحامل والوسط لعصا الميزان، فتميل البصيرة إلى كلّ كفّة وفق الإدلة المقنعة إلى أنْ تتوازى الكفتان ويتحقق السّداد والأمر ذاته في " السّنّ بالسّنّ" فلو أخذنا المعنى الحرفي للأسنان نجدها في الفم الناطق بالحكم أو القابل له وبالتالي يشكل الفم طرفاً ثالثاً غريباً عن الأسنان ومع ذلك موقعاً للحكم الصّادر، فعندما تخلع سناً مقابل سن يكون الفم هو الذي تلقى الحكم وهو الذي أصدره وهنا بعد النطق يأتي الصّمت والتوازن من جديد للمختصمين.
وذكرنا سابقاً أنّ المتخصمين كمثلين يتصارعان على الدنيا التي تُمثّل كأنثى، فهي مكان الصّراع والتوازن ومن هنا صارت الأنثى رمز العدالة من حيث أنّ الصّراع خرقاً للشّرع القانوني المجتمعي وبذات الوقت احتكاماً له وبالتدقيق بصور آلهة العدالة نجدها تارة معصوبة العينين وأخرى مقطوعتها وثالثة تملك وجهين أحدهما معصب العينين والثاني جانبي من جهة اليد الحاملة للسيف وهذا يذكرنا بمحنة ميزان زيوس وسبب الحرب اليونانية الطروادية التي كانت سببها امرأة تُدعى " هيلين".
وبمنطق واقعي نجد أنّ الذّكَر هو السّاعي في مناكب الدنيا يستثمرها ونجد الأنثى تجلس تكيل وتقايض بين السّلع والبضائع التي حصّلها الذّكَر؛ لأنّها موضع المنافسة والاحتكام وبذات الوقت السّعي في الدنيا هو المكان الذي تدرّج فيهالإنسان من ذكر وأنثى، من المحسوسات إلى المجردات من أرنب مقابل كيلو من الحنطة إلى أرنب مقابل قطعة فضية، فورقية، فكلمة والكلمة هي التجريد الأقصى الذي وصل إليه الإنسان.
ولنوغل أكثر في التأويل حيث يبدو أنّ ثديي الأنثى هما المصدر الأول لبقاء الكائن البشري حياً وهما أشبه بكفتين متوازيتين متساويتين ينساب من كليهما الحليب إلى الطفل.


الإنثى هي الميزان:
تذكرنا كلمة " كفّة" بكفّي الإنسان، الجزء الأخير من ساعديه وبتتبع الدلالة لكلمة" كفّة" وكفّ" نجد الاشتقاقات التالية " الكفاف – الكفاية " وكلها تدلّ على التوازن كما تدلّ كلمة " كفّة" و" كفّ" على الانتهاء وكأنّنا أمام إيقاف الخصومة وأخذ صاحبالحقّ حقه.
شمش/ شمس، هو إله العدالة وهذا المفهوم الذكوري للإله لا توافق عليه العامة، فالشمس برأيهم انثى ولن نطيل البحث هنا بل سنتوقف عند كلمة "شمش " إنّ رسم الكلمة باللغة العربية والأحرف العربية بهذه الطريقة يدلنا على الأصول الميثيولوجية لإلهة العدالة من حيث أن كلمة" شمش" تتكون من كل طرف من حرفي الشين وفي الوسط الميم وهذا الرسم الحروفي يضعنا أمام تصور الميزان. فكل شين هي كفّة وتأتي الميم في الوسط عين الميزان توازن بين كفتيه والنقاط فوق حرف الشين تدل على الاثقال التي توزن والشّمس توزع نورها بالتساوي على الناس لا تفرق بينهم أبداً.
الكفّ نهاية اليد وعندما ننظر إلى الإنسان نجد يديه متوازيتين وكأنّهما ساعدا الميزان والتصوير الميثيولوجي للشّمس وخاصة عندما سلّم إله العدالة القوانين لحمورابي نجد اليد تمتد حاملة الشّرعة القانونية ولا يغرب عن بالنا المفاهيم التالية لليد من سلطة وأداة أخذ وعطاء وإلى ماذلك والتي نجدها تُمسك بالميزان في صور إلهة العدالة وتعطي حواء التفاحة لآدم باليد.


خاتمة:
مهما حاولنا أن نسقط الدلالات إلّا أّنّ الأمور كأحجار الدومينو تقود لبعضها البعض، فمن محنة زيوس الغريبة في حرب طروادة التي كانت مسببتها أنثى إلى خطيئة آدم وإغواء حواء له والاقتتال بين هابيل وقابيل على أنثى إلى المفهوم العام والشعبي للدنيا بأنّها أنثى نتصارع عليها ونحتكم إليها إلى أنّ الجمال هو الأنثى؛ نستطيع أن نفهم الجذر الإنساني الذي صوّر ربة العدالة كإنثى رغم كل الحيف الذكوري الذي يمارسه على مفهوم الإنثى.


#غراب 

 

شوهد المقال 1761 مرة

التعليقات (0 تعليقات سابقة):

أضف تعليقك comment

  • أرسل إلى صديق أرسل إلى صديق
  • نسخة للطباعة نسخة للطباعة
  • نسخة نصية كاملة نسخة نصية كاملة
طالع أيضا
image

العربي فرحاتي ـ عالم ما بعد كورونا ..هو للكراهية أيضا !!!

د. العربي فرحاتي  "اذا كانت الحرب تولد في عقول الناس.. فإن السلم هو الآخر يولد في عقول الناس ". مقولة تنسب ل "فرويد" تؤكد
image

نجيب بلحيمر ـ فكوا قيد الجزائر ..رحيل السيدة فاطمة كريم زوجة المجاهد عمارة العسكري المدعو بوڨلاز

نجيب بلحيمر  رحلت السيدة فاطمة كريم زوجة المجاهد عمارة العسكري المدعو بوڨلاز، عقيد جيش التحرير الوطني، وعضو المجلس الوطني للثورة وأحد مؤسسي القاعدة الشرقية،
image

نوري دريس ـ الشعب تصرف وفق تصريحات الحكومة الجزائرية التي صدقت كذبتها

 د. نوري دريس    طوال الاربعة اشهر الماضية, صدقت الحكومة كذبتها بتراجع عدد الاصابات كدليل علي نجاح الاجراءات التي اتخذتها..., وصدق الشعب ارقام الحكومة المتأتية
image

الدكتور فارس شرف الدين شكري يوجه رسالة الشكر للأحرار والنطق بالحكم بتاريخ 12|07|2020 بسكرة

 د. فارس شكري  شكرا لكل الطيبين..شكرا لكل الأحرار..شكرا لكلّ الأموات في قبورهم، الذين ذهبوا ضحية الإهمال..شكرا للشرطي الطيب الذي كان يشتري لي السجائر وفطور
image

عبد الجليل بن سليم ـ أخبار سيئة... لكن لازم تعرفوها ، الوضع أخطر مما تتصورن

د. عبد الجليل بن سليم ـ السويد يوم 30 أفريل 2020 نشرت على صفحتي نص إسمه : إلتهاب.......اكتئاب..........موجة ثانية و شرحت فيه بعض الاشياء المهم
image

عثمان لحياني ـ الجزائر... الوجه الآخر لـ"الجماجم"

عثمان لحياني  دولةٌ مثل فرنسا لا تعطي بالمجان، ولم تكن لتفعل ذلك، لولا الكثير من الحسابات السياسية، واستعادة الجزائر لجماجم الشهداء والمقاومين بعد 170
image

اضربوا يعرف مضربو .. والي سطيف وعقلية الإسطبل

 د. جباب محمد نور الدين    ربي يجيب الخير هذا النظام : عارضناه، لم يتغير، نظمنا المسيرات لم يتغير، وقعنا العرائض لم يتغير،سبيناه بكل الألفاظ الغليظة حتى الخادشة
image

عبد الخالق كيطان ـ هاشم الهاشمي ...ماذا فعلت لكي تشرب كأس دمك على عتبة دارك

عبد الخالق كيطان            لنكفر بالعراق الآن ذلك انه لم يعد أبانا الذي نبكي تحت عباءته السميكة ..بل المرأة السمينة التي يتبختر الأنذال بعد اغتصابها .لنكفر بالعراق ذلك أنه
image

عوابد سارة ـ جزائري...

 عوابد سارة هي رقعةٌ محدودة تتخللها كيانات ضخمة من جبال وتضاريس بكل شكل من الأشكال...آلاف الحبيبات الذهبية المتناثرة على أراضي واسعة تأوي الجميع دون مقابل...كريات بلورية
image

كمال الرياحي ـ #سيب_فارس اطلقوا سراح الدكتور فارس شكري الباحث والمترجم

كمال الرياحي  #سيب_فارس نطالب السلطات الجزائرية الإفراج الفوري على الكاتب والمترجم والناشط المجتمعي الأستاذ فارس شرف الدين شكري والاهتمام بمكافحة الفيروس

:

لا توجد مدونات لهذا الموضوع

قيم هذا المقال

0
Free counter and web stats