الرئيسية | الوطن الثقافي | مخلوف عامر - جديرٌ بأنْ يُقرأ (في معرفة النص الروائي) لـ: "محمد ساري"

مخلوف عامر - جديرٌ بأنْ يُقرأ (في معرفة النص الروائي) لـ: "محمد ساري"

بواسطة
حجم الخط: Decrease font Enlarge font
image

د.مخلوف عامر 

 قد  يستحضر قارئ هذا العنوان  كتاب الناقدة "يمنى العيد" (في معرفة النص). لكن كتاب "محمد ساري" يختلف بدءاً من حصره هذه المعرفة في النص الروائي. ثم إن من يتابع الحركة الأدبية يشهد بأن "محمد ساري" يحضر بقوَّة وفعالية في الساحة الأدبية وبانتظام. وكان من أوائل من احتكُّوا بالمدارس النقدية المعاصرة  منذ أن أصدر كتابه (البحث عن النقد الأدبي الجديد عام 1984). ثم انصرف إلى الكتابة الروائية والترجمة. وقد استطاع -خلال عقود من الجهد المتواصل- أن ينقل إلى العربية أرقى النصوص الروائية وربما من أصعبها، ما يؤهِّله- بحق- إلى الحديث في مثل هذا الموضوع.

وبما أنه خصَّص الجزء الأكبر من الكتاب لبعض المناهج النقدية منها: الشكلي والبنيوي والأصوات الساردة لدى "جيرار جينيت"والمنهج الاجتماعي والسوسيو نقدي، مما قد يعرفه القارئ أو يعود إليه مفصَّلا، فإنني أقتصر في هذا التعريف بالكتاب، على بعض القضايا التي يثيرها المؤلِّف في القسم الأول.

فهو يعود بنا إلى التراث العربي حيث كان الشعر ديوان العرب ولم تكن الهوة قد اتَّسعت بين لغة النخبة ولغة العامة. لكن الشعر انحسر اليوم إلى ما يشبه الرسم التشكيلي والنص المغلق. لأن الشعر النضالي أصبح يُتَّهم بالتقريرية والمباشرة . ((انحصر مجال الشعر وكُلَّما اقترب من واقع الإنسان إلا وارتفعت أصوات تتهمه بالتقريرية والمباشرة ، وشكَّكت في تميُّزه وصفاء فنياته، لأنه ببساطة أصبح شبيهاً بغيره))ص:8

وبعدما كان النقد يُتَّخذ مطية ليُرضي صاحبه ويؤكد قناعاته، جاء "جاكبسون" ليعيد للنص الأدبي أدبيته، كما خرجت البنيوية من فراغها بالاستناد إلى اللسانيات والأنثرويولوجيا.

فإذا كُنَّا نؤمن بضرورة الاستفادة من منجزات الآخر، فإن ذلك لا ينبغي أن يحملنا على تطبيق آلي لتقنيات قد تُفقد الأدب خصوصيته، إن في طبيعة اللغة أو فيما تتركه البيئة من بصمات، وإلا سيكون تشبيه "نجيب محفوظ" بـ"بلزاك العرب"  غايته أن يكون هذا الأدب نسخة من ذاك وهو محال.

والقول، إن الأدب محاكاة وتخييل لا ينطبق على كل الفنون الأدبية، من ذلك ((الشعر الذي لا يحاكي لأنه لا يحكي شيئاً، لا يؤشر عل حدث معين، بل في أغلب الأحيان يكتفي بالتعبير عن تأمل وعن شعور))ص:20. فهل يعني هذا أن "محمد ساري" يميل إلى أن الشعر أقرب إلى الموسيقى فهو بلا مضمون ولا يمكنه أن يلتزم كما ذهب إلى هذا"سارتر في كتابه (ما الأدب؟) ؟

لا يمكنني أن أجزم بهذا لأن "محمد ساري"كما يميز بين اللغة العلمية التي تطابق بين الدال والمدلول، يستطرد في التمييز بين أشكال اللغة الأدبية التضمينية. وبما أنه يركّز على السرد فكان لا بدَّ أن يشير إلى ما بين الفنون الأدبية من تداخل وتمايز في آن. وهو الذي يضيف قائلا: (( والهجوم الحقيقي ضد الأدب الواقعي عموماً هو في حقيقته هجوم ضد الكتاب الذين يلتزمون بهموم الطبقات الفقيرة ويظهرون الواقع المتردِّي لهذه الفئات الاجتماعية ، إن قرأت هذا الأدب باكتساب وعي جديد يسمح لها بالتمرُّد والمطالبة بحقوقها. أكثر مما هو خوف على جمالية اللغة العربية وعلى وحدة الأمة العربية))ص:54

فإذا كانت الرواية قد اكتسحت الساحة فلأنها((تستمدّ قوتها من حريتها المطلقة في استثمار كل تقنيات الكتابة الأدبية وغير الأدبية الموجودة عبر التاريخ))ص:27-28

إن الأدب وهو يعتمد اللغة أداة وهي أحادية البعد، يسعى إلى تصوير واقع متعدد الأبعاد ، وفي ذلك طابعه المثالي ((لأنه يعتقد رغبة التصوير المستحيلة ممكنة))ص:31 

ثم يثير"محمد ساري" قضية قديمة تتعلق بلغة الكتابة. إذ يرى أن أمام الكاتب ثلاثة مصادر أساسية وهي: الكتب التراثية الأدبية واللغة الحديثة واللغة اليومية. ويجد الكاتب نفسه منشطراً وحائراً بين هذا التشتُّت اللغوي في البلد الواحد كما في البلدان العربية المختلفة.

فما نسميه لغة فصحى، تُعدًّ غريبة محصورة في الدرس العربي، لا يتكلَّمها الناس لا في الأسرة ولا في المحيط. ومن طبيعتها المعقَّدة حركات الإعراب التي تُلزم المتعلِّم أن يفهم من أجل أنْ يُتقن القراءة بخلاف لغات أخرى تكون فيها القراءة وسيلة للفهم وليس فيها  هوة واسعة بين اللغة الأدبية واللغة المتداولة كما يحصل عندنا.

من أهمِّ ما يميز الأفكار التي يعرضها"محمد ساري" أنه لا يعرضها في صُوَر تهويمات تجريدية، بل يُرفقها بأمثلة حية من قراءاته ومن واقع الحركة الأدبية. ولعله من خلال الأسئلة التي يطرحها يعبِّر عن هواجس تراود كثيرين ولا يبوحون بها.

فما كان لـ:"مرزاق بقطاش" أن يُنطق الطفل مراد وهو في العاشرة من عمره بلهجة باب الواد ولا بالفصحى فبحث عن مخرج آخر، بأنْ تخلَّص من ورطة الحوار نهائياً. ويستعيض "رشيد بوجدرة" عن الحوار بالاستبطان الداخلي. فأما ((رواية الحبيب السائح "زمن النمرود"(1985 ) التي اقتربت من حل المعضلة اللغوية بانتهاج اللغة الوسطى ، بين الفصحى والعامية ، وجاءت قريبة من المتعلِّمين البسطاء والدليل على وصولها إلى الجمهور العريض هو ما أحدثته من رد فعل في مدينة سعيدة نفسها، مما أدى إلى مصادرتها تحت ضغط الاحتجاج))ص:63

لماذا هذا المسار العكسي بين "الحبيب السائح" و"الجيلالي خلاص" مثلا؟ ((لماذا تحول "السائح الحبيب" إلى اللغة الشعرية  الموغلة في التعقيد والتجريد؟ أبسبب هذه الحادثة؟ أم أنه مع تقدم التجربة، اهتم أكثر بلغة الكتابة قبل دلالاتها. غادر الرواية الاجتماعية والأدب الملتزم وأدب الجماهير والعمال إلى الفن من أجل الفن))ص63 .

ولماذا انتقل "خلاص" من استخدام اللغة الوصفية وتقنية اللوحات في رواياته الأولى إلى ما يشبه "الشرقاوي" في روايته (الأرض)؟ مما قد يراه فريق من النخبة تراجعاً عن الكتابة الراقية بينما يراه فريق آخر أكثر اجتذاباً للمقروئية.

ثم لماذا هذه الألفاظ الحوشية الغريبة في روايات"رشيد بوجدرة" ونحن في عصر لا تسعفنا اللغة العربية فيه على تسمية أنواع اللباس والمأكولات والمشروبات ناهيك عمَّا يتَّصل بسائر المخترعات ولو أن كلمات هذه اللغة  تُعدُّ بالملايين؟

طبعاً "محمد ساري" قد يسكت عن إجابات يعرفها جيداً، وإجابات أخرى متضمَّنة في الأسئلة ذاتها. لكن الواقع أن الأدب بطبيعته نخبوي. إنما إذا كان"رشيد  بوجدرة" يرى أنه من حق الكاتب أن يستعمل أية مفردة في القاموس، فإن هذا يثير ثلاث قضايا على الأقل:

الأولى: ما الحدود بين القصْد والعفوية لحظة الكتابة؟

الثانية: ما حظ هذه الظاهرة في الكتابة من المقروئية وسط النخبة نفسها؟

الثالثة: هل تعود شهرة أديب ما إلى أدبه فعلا؟ أم إلى ما حظي به من ترويج بفضل انتماء سياسي؟

لما كان الشاعر "ابن هانئ" يبرز عضلاته اللغوية تحت وطأة النزاع المشرقي /المغربي، أبى حتى في الغزل الذي من طبيعة الرقَّة، أن يتصيَّد  غريب اللفظ فيقول:

أصاخت فقالت وقْع أجرد شيظم    وشامت فقالت لمع أبيض مخذم

وما كان من "أبي العلاء المعري" إلا أن وصف شعره بالقول :(( إنه أشبه برحى تطحن عظاماً)).

كما سخر "صفي الدين الحلي " من بعض شعراء ما يسمى عصر الانحطاط، وقد رآهم يتنافسون في اصطياد الغريب فقال:

إنما الحيْزبونُ والدَّرْدبـيسُ     والطخا والنقـاح والعلطبيسُ

والغطاريس والعقنفس والغُرْ   نُـقُ والخربصيصُ والعيْطموسُ

لغـة تنفر المسامـع منهـا        حين تُروى وتشمئزُّ النفـوسُ

وقبيح أن يُذكر النافر الوحــــشي منها ويُتـرك المأنـوسُ

يبدو لي أن المسألة –في بعض الأحيان-لا تتعدى أن تكون بدافع الرغبة في حيازة المكانة الأولى في المشهد الأدبي. وقد تُرجم هذا منذ عودة "بوجدرة" إلى الكتابة بالعربية وما أثير يومها فيما عرف بقضية (بوجدرة-بنيس).وهي في كل الأحوال ظاهرة لم يخلُ منها تاريخ الأدب على مر العصور.

في الختام أجد أن كتاب "محمد ساري"  من أهمِّ الكتب التي تستحق القراءة. وأدعوه بالمناسبة إلى ضرورة التفكير في إعادة طبعه- إن لم يكن قد فعل- لأن طبعة دار أسامة 2009 ،بلا فهرسة وهي رديئة ومتعبة بأخطائها المطبعية وكلماتها الممحوَّة. 

 

ساري، محمد، في معرفةالنص الروائي، دار أسامة، الطبعة الأولى، 2009


شوهد المقال 2383 مرة

التعليقات (0 تعليقات سابقة):

أضف تعليقك comment

  • أرسل إلى صديق أرسل إلى صديق
  • نسخة للطباعة نسخة للطباعة
  • نسخة نصية كاملة نسخة نصية كاملة
طالع أيضا
image

نجيب بلحيمر ـ الحوار الخطيئة في التوقيت الخطأ

نجيب بلحيمر  إلى من توجه عبد المجيد تبون بحديثه في فرانس 24؟ السؤال تفرضه المناسبة. من الناحية الرمزية يعتبر ما أقدم عليه تبون أمرا غير مسبوق في
image

رشيد زياني شريف ـ حراك الشعب وحراك القصر

د. رشيد زياني شريف  لا شك لاحظتم شراسة الهجوم على الحراك في الآونة الأخيرة، وخاصة أثناء "الهدنة الصحية" ولم يفتكم تعدد التهم وتنوعها، من كل
image

العربي فرحاتي ـ حراك الجالية الجزائرية ..رسالة للعالم

 د.العربي فرحاتي  بشعارات الوحدة ونبذ التفرقة بين العرب الأمازيغ وبين أحرار الداخل والخارج ..وبالاناشيد الوطنية وزغاريد الحراير.. وفي مناخ أخوي نضالي..انتفضت الجالية الجزائرية في
image

خديجة الجمعة ـ الفارس الملثم

خديجة الجمعة    وفي ليلة ظلماء أسهبت بنظري للسماء محلقة بفكري . علني أجد شيئا ما بداخلي. وإذ بي أراه حقيقة لاخيال وتلعثمت حينها . وفركت عيني
image

عادل السرحان ـ شهداء الجزائر يعودون

عادل السرحان                   أهلاً بمَنْ فدّى الجزائربالدمِإذ عاد مزهواً بأجمل مقدمِأرواحهم قد حلّقت فوق  العُلاورفاتهم مسك يضوع بمعصمِ مُذْ في فرنسا والجماجم عندهاشطر الجزائر تستديرُ لتُحرمِسبعون عاماً بعد
image

علاء الأديبالنصر للذباب والبعوض... من قصص الحرب

علاء الأديب المكان موضع تحت الأرض بثلاثة أمتار مغطى بالصفيح وكومة من التراب في إحدى جبهات القتال والساعة تقترب من الثامنة مساء.ودرجة الحرارة اكثر من 54.درجة
image

محمد محمد علي جنيدي ـ على حرفي

محمد محمد علي جنيدي                    على حَرْفٍ من الفُصْحَىأُهَادِي الحَيْرَى والجَرْحَىيُسَامِرُ ودُّكُم قلبيولا يَغْفُو إذا أَضْحَىعلى حَرْفٍ بإفْصَاحِونُورٍ مِلءَ مِصْباحيتُسَافرُ دَمْعَتي دَوْمالِبُلْدانٍ وأرْوَاحِأيَا حَرْفِي بلا مَأْوَىتَسِيحُ وأَحْمِلُ
image

نجيب بن خيرة ـ من بعيد .... جماجم.... وجماجم

د. نجيب بن خيرة   رجوع رفات الشهداء إلى أرض الوطن ليس مَزيةً من فرنسا ( البغي ) تتفضل به علينا ... إنه حق شعب في
image

وليد عبد الحي ـ حماس وفتح: تمويه الاستراتيجي بالأخلاقي

 أ.د.وليد عبد الحي  الاعلان الاخير عن لقاء قيادات من حماس وفتح لبحث " تحقيق وحدة وطنية" للرد على القرار الاسرائيلي بضم اجزاء من الضفة
image

عبد الجليل بن سليم ـ مناورة النظام الجزائري اطلاق معتقلي الرأي وهو في la crise و كل قرد و بنانتو the red herring gambit

د. عبد الجليل بن سليم  أولا الحمد لله على أنه هناك مجموعة من معتقلي الحراك من أبناء الشعب أطلق سراحهم (الحمد لله على السلامة كريم

:

لا توجد مدونات لهذا الموضوع

قيم هذا المقال

0
Free counter and web stats