الرئيسية | الوطن الثقافي | مخلوف عامر - جدير بأنْ يُقرأ (العرب ومسألة الاختلاف) لـ: د."إسماعيل مهنانة"

مخلوف عامر - جدير بأنْ يُقرأ (العرب ومسألة الاختلاف) لـ: د."إسماعيل مهنانة"

بواسطة
حجم الخط: Decrease font Enlarge font
image

 د .مخلوف عامر 

 

هذا من أهمّ  الكتب التي اهتديْتُ إلى اقتنائها وقراءتها وأنا لا أعرف عن المؤلِّف شيْئاً. ومما يدعو للاعتزاز أنه من تأليف جزائري يرتكز على خلفية فلسفية غنية. ويطرح قضايا العصر بجرأة لافتة.

فهو يثير منذ البدء ضرورة الإصغاء والفهم وعدم الركون إلى المُسلَّمات للانتقال إلى التفكير. ولا تفكير حيث تسود القناعات سواء أكانت دينية أم إيديولوجية. ومن بؤس الخطاب الإسلامي أن يربط بين القرآن والعلم فيما يروَّج له من إعجاز علمي فيه.فإعادة تركيب المعتقدات ولو بلون جديد لا يُعدُّ تفكيراً. لأن ((الاعتقاد هو العدو اللدود للفكر، واليقظة هي ماهية الفكر ، الفكر إذن هو حساسية أصيلة إزاء الوجود، فإما أن تُفَكِّر أو تعتقد ولا يمكنك الجمع بين الإثنيْن في اللحظة الواحدة))ص:20   

والأفكار الجاهزة والأحكام المسبقة مبثوثة في اللغة، لذلك فإن اللغة ذاتها تتربَّص بالفكر وتُكبِّله. ولا منقذ للغة إلا الشعر الذي بإمكانه أن يحفظها من الفناء والاندثار.

إن الدعوة المحمدية لم تكن منعزلة عن السياق التاريخي، بل اتَّكأت على الحضارات والأديان السابقة. وربما بعدما توالى سقوط الإمبراطوريات أتى التوحيد لينتشل البشر مما  غرقوا فيه من يأس.لذلك (( يعجُّ العهد القديم والجديد والقرآن بالوصف الأبوكاليبتي. وهو شكل من أشكال الإصغاء لنداء الخوف والقلق الذي كان يهزُّ الإنسان الإمبراطوري عند انهيار هذا الغطاء السياسي وتدمير السياسي الذي يؤسِّس الثقة الحميمية بين الأفراد، أي حميمية المدينة))ص:42

فضلا عن أن الإسلام استعاد تجربة "إبراهيم" التوحيدية وزايد في التوحيد على اليهودية والمسيحية بالتنزيه المطلق للخالق الذي ليس كمثله شيء.

إن الكتابة تنتشل الفكر من النسيان، ولكنها هي أيضاً مهدَّدة. لذلك يلجأ الإنسان إلى الحفظ والقراءة والتلاوة ليتحقق الإسلام بمعنى الخضوع التام للصوت الحيّ. وكما يورد عن ماكسيم رودنسون: (( إن هذه الترديدات في الفكر والكلمة، وهذه السُّجوع، وهذه الترجيعات،تأخذ باللب وتُقرِّب السامع نفسه من حالة هي حالة تنويم وهلوسة  يتقبَّل فيها ما يوحي به الكلام والإيقاع والصُّور، وهو إيحاء يتضخَّم كما يتضخَّم عند من يدخل هو نفسه في حالة الوجد))ص:44

وهناك فرق بين لحظة الوحي وأم الكتاب والمصحف وبين القرآن المكي والمدني إلى أن نابت السنة والتشريع عن كل ذلك عن طريق الشُّرَّاح والمفسرين وأصحاب المذاهب. المصحف الذي لم تحفظ منه إلا نسختان تعودان إلى القرن الثالث الهجري وقد كتب في عهد عثمان بن عفَّان في ظروف لا يستطيع أحدٌ أن يجزم بمعرفة تفاصيلها. 

إننا اليوم لا نشهد عودة الدين، لأنه لم يبرح الساحة أبداً ، وإنما كأنه كان نائماً ليستفيق مذعوراً يبحث أهله عن تعويض لما أبهرهم به الآخر((كثيرة هي الشظايا التي خلَّفها انفجار الإسلام: الإسلام السياسي، وَهْمُ الإعجاز العلمي، الأصولية والعودة المرَضِية إلى الأصول، التطرُّف والعنف، ثمَّة جرح نرجسي عميق يتمُّ الضغط عليه كلما تضاعف الاضطراب، فلا تجد الذات المؤمنة إلا العودة إلى حرفية النص أمام توتُّر الواقع..))ص:67

إن ضرورة التفكير تتجاوز القول بحوار الحضارات والأديان، لأنها لا تعدو أن تكون ضرباً من المجاملات المتبادلة سرعان ما ينكشف زيفها عندما يعود كل حلزون إلى قوقعته المعهودة.

والبلدان التي خرجت من الحقبة الكولونيالية اخترعت هويات مركزية في مقابل المركزية الغربية، بحيث أصبحت الهوية سلاحاً ذا حدَّيْن: (( بقدر ما تُوحِّد الشعور الإنساني، ضد الظلم والاضطهاد، والفظائع التي جرَّها الاستعمار على الشعوب ، بقدر ما تتحوَّل بعد الاستقلال، إلى عقدة وآلية دفاعية لا شعورية ضد المستعمِر القديم وتغذِّي بالتالي نوعاً من التبعية اللاشعورية لهذا الآخر الوهْمي، تطرد القوميةُ الاستعمار من الجغرافيا وتعيد سحبه إلى الوعي، وإنتاجه في لا شعور الشعوب))ص:120 وباسم الدولة والأمة والمدينة يمارس المجتمع طغيانه كما  يمارسه فرد واحد طغيانه على كل المجتمع. 

طبعاً هناك كثير من القضايا الحساسة التي يطرحها المؤلف ويناقشها استناداً إلى أبرز الفلاسفة والمفكِّرين في سائر الفصول ليخلص في الفصل الأخير إلى فضائل الاختلاف ومقاومة الشمولية، فيتحدَّث عن الفن وفضاء الممكن والاختلاف والتعدد ومشكلة المرأة وغيرها ، مما لا يتَّسع المجال لعرضها جميعاً. 

لكني كنتُ أفضِّل لو أنه خفَّف من لغة التجريد في بعض المسائل التاريخية بشأن ظهور الدعوة الإسلامية، ومنها مثلاً: دور الحزب الهاشمي والحنفاء ، ومعنى الأمية الذي ليس التهجِّي والنطق بالحروف كما يؤكِّد القرآن نفسه،بل يُقصد بالأميين أولئك الذين لم يكن لهم كتاب يومئذ وهم العرب.لذلك فاخروا الخصوم بالقرآن كما زايدوا عليهم بالتوحيد. ، وأن الفعل "اقرأ" سوَّقوه لنا بالمعنى الشائع اليوم، بينما غُيِّب معناه الذي هو في الأصل "تعَّبدْ وتنسَّكْ" وهو ما يناسب الاعتزال في غار حراء. 

وإني وإنْ كنت على وعي تام بأنه لا يمكن للدكتور "إسماعيل" أو غيره أن يورد كل شيء في كتاب واحد، إلا أنها إشارة قصدتُها حتى لا نقف على أرض صلدة ونتظاهر بالسباحة، وربما الغوص، على حد تعبيره.

لقد اقتصرت في هذا العرض الموجز على أفكار قليلة بهدف التعريف بالكتاب، مع إيماني  بأنه لا يغني عن قراءته. فهو نص تنويري بامتياز لا يقل قيمة عن أحدث الأعمال التي تعالج مسألة الحداثة والهوية والاختلاف والصراع في العالم ودور الدين وغيرها من القضايا التي هي موضوعات الساعة. وهو كتاب غني بالإحالات التي تدل على خلفية معرفية لا يكتفي فيها بالنقل، بل يناقشها ويضعها في السياق المناسب، ويصوغها بلغة واضحة سهلة لولا أنْ شابتها أخطاء كثيرة تسيء إلى هذا النص المتميِّز، خاصة وأنها تتعلق بالمبادئ الأولية لقواعد اللغة. وكان بإمكانه أنْ يتفاداها بمراجعة سريعة.



مهنانة، إسماعيل، العرب ومسألة الاختلاف- مأزق الهوية والأصل والنسيان،منشورات الاختلاف، الطبعة الأولى، 2014


شوهد المقال 1520 مرة

التعليقات (0 تعليقات سابقة):

أضف تعليقك comment

  • أرسل إلى صديق أرسل إلى صديق
  • نسخة للطباعة نسخة للطباعة
  • نسخة نصية كاملة نسخة نصية كاملة
طالع أيضا
image

فيصل الأحمر ـ الحراك و"المابعدية" (أو حديقة الحيوانات الأيديولوجية )

 د. فيصل الأحمر    فجأة ظهرت فصائل كثيرة ناتجة عن الحراك المبارك في الجزائر وكلها تتبنى السابقة المغرية "ما بعد":*مابعد الثوري: وهو مثقف كهل ركب الحراك ثائرا
image

نوري دريس ـ حينما ترى أعين حشماوي أيدي المخابرات الخفية, وتعمى عن رؤية ألاف الشباب في الشوارع

د. نوري دريس  في حوار مع مجلة la Croix, يدافع عالم السياسة الجزائري محمد حشماوي عن اطروحة مفادها ان الاجهزة الامنية( المخابرات) هي
image

وليد عبد الحي ـ العالم الى اين؟ الحاجة للدراسات المستقبلية

 أ.د. وليد عبد الحي  لأن المستقبل يأتي قبل اوانه بفعل تسارع ايقاع التغير ، فان رصد وقياس حركة ومكونات الظواهر وبمنهجية كلانية(Holistic) اضحى احد مسلمات
image

السعدي ناصر الدين ـ الأربعة الذين تحكموا في مصير الجزائر قبل 1988

السعدي ناصر الدين    هــؤلاء الاربعــة كانــوا يتحكمــون في مصيــر الجزائــر قبــل احــداث اكتــوبر 1988.. الشاذلــي بن جديــد قــائد مسيــرة ضيــاع انهــاها بالسقــوط والبكــاء على
image

عبد الجليل بن سليم ـ النظام ..الخوف المرضي .. Macbeth و Shakespeare

د. عبد الجليل بن سليم  بالنبسة ليا مسرحية Macbeth ليست العمل المدهش لشكسبير لكن هي مسرحية على حسب فهمي من الاعمال العظيمة التي
image

مرزاق سعيدي ـ عاشق الأرض.. والنرجس

 مرزاق سعيدي    عاشق الأرض.. والنرجس*!أشعُر بالخوف على الطبيعة كُلّما صادفت في قلب العاصمة الجزائر أشخاصا يبيعون النرجس البري بأثمان ملتهبة، وخوفي لا علاقة له بالسعر
image

رضوان بوجمعة ـ القضاء المعطل.. الشعب المناضل والعدل المؤجل!

 د. رضوان بوجمعة   الجزائر الجديدة 162  هذه هي الثلاثية التي تصل إليها وأنت تحاول تلخيص أكثر من 15ساعة من جلسة محاكمة فضيل بومالة، أمس، بقاعة الجلسات
image

يوسف بوشريم ـ فضيل بومالة ضحية الأمية الإلكترونية

 يوسف بوشريم  من خلال وقائع محاكمة المفكر والمثقف الحر فضيل بومالة والتهم الموجهة إليه و(مصدر الأدلة) الموجودة في الملف أكتشفت أن المتهم الحقيقي من
image

العربي فرحاتي ـ الحراك..وانبعاث الاستئصال إلى الواجهة ...

 د. العربي فرحاتي  لم أقتنع لحظة واحدة ما روجه ويروجه ورثة الكاشير من النوفمبريين الباديسيين من أن الفكر الاستئصالي الدياراسي يكون قد فارق السلطة الحاكمة
image

نجيب بلحيمر ـ أنا فضيل بومالة .. باسم الحرية أحاكمكم

نجيب بلحيمر   ساعة علقت على حائط قاعة الجلسات الثانية بمحكمة الدار البيضاء كانت تشير إلى الساعة 12 و 17 دقيقة.. التوقيت الصحيح كان التاسعة إلا

:

لا توجد مدونات لهذا الموضوع

قيم هذا المقال

0
Free counter and web stats