الرئيسية | الوطن الثقافي | عماد الكاشف - صراع الأجيال والخروج من عباءة القيم

عماد الكاشف - صراع الأجيال والخروج من عباءة القيم

بواسطة
حجم الخط: Decrease font Enlarge font
image
 د. عماد الكاشف
 
 
العقدة النفسية والصراع داخل النفس البشرية يمثل المحور الاساسي لكثير من كتابات إحسان عبد القدوس والتي يحاول فيها أن يستجلي التناقضات الحادة داخل الذات ويُلقي الضوء علي الذاتية كسمة رئيسية في كتاباته التي تتعلق بالصراع الداخلي ، وما يدور في خلجات النفس ، وذات الضمير والقلب والاحساس .
ورواية لن أعيش في جلباب أبي واحدة من القصص التي تتناول قضية نفسية قديمة ، ومازالت قائمة ومستمرة في كل وقت وهى البحث عن الذات ،ومحاولة إيجاد فرصة لموضع قدم لكل إنسان في هذا العالم المتغير و المتشابك سريع الإيقاع والحركة ،ولم يعد بمقدور هذا الانسان أن يتوقف في البحث عن فرصته و ذاته وإلا حطمته عجلات قطار الحياة الذى يمضى عابرا دون هوادة ،فلا مكان للفشل في ظل هذا الانفتاح الاقتصادي والاجتماعي و السياسي ،والذى لا يُبالى فيه المرء بمنظومة القيم بقدر ما يَعي حركته ودورانه حول هويته 
وبطل هذه الرواية هو عبد الوهاب ابن عبد الغفور البرعي تاجر حديد الخردة في وكالة البلح ، هذا الابن الذي يرفض ان يكون ظلاً لأبيه ، يبحث عن ذاته ويفهم جيدًا حقيقة مشكلته التي تؤرق جنبيه ، و قد حاول إحسان أن يحشد كل الظروف لتوضيح حقيقة هذه الإشكالية الأزلية بين الآباء و الأبناء ، ، فعبد الوهاب ابن لرجل ثري ... و له إخوة أشقاء هم عبدالسلام وسنية و بهيرة و نفيسة ونظيرة ، وقد جسد إحسان المشكلة في إطار عام فهى ليست مشكلة عبدالوهاب وحده ولكنها عقدة أخواته أيضا ، و إن كانت أكثر تفاقما ووضوحا عنده، إنهم يرفضون أبيهم ولا يكرهونه ولكنه بثرائه يمثل لديهم جميعا مشكلة كبرى ، هم يبحثون عن ذاتهم ، يريد كل منهم أن يبني كيانا مستقلا لذاته بعيدًا عن عباءة أبيه، وأن يثبت كل منهم نفسه و ذاته بعيدا عن نفوذ أبيه وسطوة ماله وتأثير غناه وسلطانه ، و كانت أقدرهم علي التصدي لهذه المشكلة وتلك العقدة هي نظيرة أصغر أبناء عبد الغفور البرعي.
وفي أغلب الأحيان يكون انفلات الأبناء وخروجهم من تحت عباءة أبائهم أمرًا طبيعيًا وربما يُمثل هذا الإنبراء من قِبل الأبناء حالة من الثورة على كل ما هو تقليدي وبحثًا عن خصوصية وتجربة تُمثل الابن لا الأب ، و تتفاقم الازمة و يحتدم الصراع الأزلي بين الأجيال ، و يظل عالقًا في ذاكرة الأيام .. وتتضاءل مساحة القيم من جيل إلى جيل ، و تبدو الرغبة في التملص من سلطان الأب هى الملحمة دائمًا في عقل ووجدان الأبناء.
ولن اعيش في جلباب أبي هى صرخة مدوية في وجه عبد الغفور البرعي أطلقها أبناء هذا الرجل الثري البخيل المحروم دائما ، لا يُعرف له أصل ولا فصل غير أنه كان عاملا صغيراً في وكالة البلح ثم بدأ يكتشف أسرارها ويجازف بعمليات بيع وشراء صغيرة ثم يكبر ويكبر إلى أن أصبح من كبار تجار الخردة في الوكالة وأصبح مليونيرًا.
وزوجته فاطمة لم تتغير منذ أن تزوجها ، كان أبوها يعمل معه عاملا شيالاً في وكالة البلح و كانت تقيم معه في دخانيق بولاق ، و من يومها لم تحاول أبدًا أن ترتفع إلى مستوى آخر حتى بعد أن انتقلت مع زوجها عبد الغفور لتقيم في الزمالك في إحدى عماراته هناك.
غير أن بخل البرعى لم يؤثر في حرصه علي تعليم أولاده ، على الرغم من أنه وبلا شك كان يعاني عقدة نفسية كبيرة ، فهو لم يتعلم ولم يدخل مدرسة في حياته وهى عقدة تغلبت علي بخله فكان حريصا علي تعليم أبناؤه دون أن يسأل نفسه ماذا يريد من تعليمهم؟!
لقد كان بينه وبين أولاده إحساس بالجفاء الصامت ، فبرغم ثرائه الا أنهم كانوا ينظرون إليه كإنسان جاهل لا يمكن أن يرتقي بنفسه ولا بهم و مع هذا فهم يحبونه لاسيما نظيرة فهى تقول عن أبيها : " اني اعرف كل ما يقال عن أبي ، الناس تقول أنه بخيل رغم امتلاكه الملايين ، بخيل حتى على أولاده ، وهذا ليس صحيحا .. إن بابا كما حقق النجاح لنفسه يريد النجاح لأولاده ، وقد نجح أبي وهو معتمد على نفسه و قد أراد أن يعتمد كل منا على نفسه في تحقيق نجاحه ، كان كل ما قرره هو أن يحمينا من مرحلة طفولته التي عانى فيها من الفقر و الجهل فوفر لنا حياة لا نحتاج فيها لأحد ، و أدخلنا المدارس حتي لا ينقصنا العلم .. ثم ترك كل منا حرا " ، وحتى تكون لهذه الحرية قيمتها فلا يعطي أحد منا ما يغنيه عن العمل ، انما فقط ما يغنيه عن الفقر وعن الشحاذة . " و في تناقض آخر تقول : " إن عبد الوهاب يكره أبي لأنه متباعد عنه ولا يجادله في شئ .. لا إنه لا يكرهه .. إنه يعاني من عدم القدرة على الوصول الى ما وصل اليه أبيه ، وسيعيش هذه المعاناة الى أن يصل، كلنا نعاني هذه العقدة .. حتى أنا .. أنني أحب بابا الى حد أنى أعتبره معجزة بشرية ." و نظيرة هى أصغر أبناء عبد الغفور البرعي ، وقالت هذا الكلام وهى تتحدث مع حسين صديق أخاها عبد الوهاب أو ربما زميله لأن علاقتهما لم تكن قوية في كل وقت ، وقد جمعت المشاعر والحب بين نظيرة و حسين ، فكانت تلقي ما يضيق بصدرها اليه و تفضي بكل الآمها في رحابة وهو الراوي لأحداث هذه القصة، كما أراد إحسان ذلك.
لقد وصلت نظيرة الي الجامعة ، بل إنها اختارت الجامعة الأمريكية ربما لمجرد اثبات شخصيتها كبنت راقية من بنات المجتمع فقد كانت أقدر الأبناء على التحرر من العقدة التي يسببها لهم أبوهم ، أما البنات الثلاثة فقد تزوجن دون أن يستكملن تعليمهن ، و كان أزواجهن من شباب العائلات الراقية ، ولا شك أن اقوى ما دفعهم الى الزواج منهن هو ما يعرفونه عن ثراء أبيهم ، الذى لم يكن هو الآخر يهمه في كل من يتقدم لإحدى بناته الا أن يعرف عنه ماذا يعمل؟ و كم يكسب؟ و من هو أبوه ؟ وماذا يملك؟ وبهذا المنطق لم تستمر هذه الزيجات طويلا فطلقت اثنتان من بناته بعد أن فوجئ زوجيهما بمدى بخل عبدالغفور . الذى كان مقتنعا بتفكيره في أنه لماذا يُعطي بناته بعد أن تزوجن ؟ إن لكل منهن زوجا مسؤولا عنها يتولى أمرها، وكان زوج الابنة الثالثة هو الذي استمر بزواجه ، فقد كان خبيثا صابرا ، استطاع أن يقنع عبد الغفور بأن يعمل معه في شركاته بصفته محاسبا من خريجي التجارة ، والأهم أنه كان قادرًا على انتظار الإرث . 
تلك هي المأساة التي جسدها إحسان عبد القدوس في بنات عبدالغفور ، اما أولاده عبد السلام و عبد الوهاب ، فكانت حيرتهم مضاعفة ،أما الاول فقد دفعته عقدته التي يعاني منها تجاه أبيه الي اختيار الهجرة بديلا وحلا فسافر الى انجلترا و تزوج هناك وابتعد عن الصراع نسبيا".
واما عبدالوهاب الذى يمثل الخط الرئيسي للرواية فهو يحاول من فشل الى فشل أن يُحرر نفسه من العقدة التي حاصرته ولازمته منذ صغره ، فدائما يحاول إخفاء صلته بأنه ابن عبد الغفور البرعي الثري المعروف ، ومن ثَمّ فقد كَثرت محاولاته وزاد فشله ،فمرة يتردد علي بار ومرة يحاول أن يكون لاعبا لكرة القدم ؟و لكنها محاولات باءت جميعها بالفشل ،وكان مضمونها هو الرغبة بالإحساس بأن شيئا مختلفًا ومستقلا عن أبيه ، الا أن السمة التي لازمته و ظلت معه هو الاتجاه للتدين و الالتزام ، وربما كانت هى الأخرى محاولة للهرب من سلطان أبيه و تأثيره عليه.
لم يتم عبدالوهاب تعليمه الثانوي ، وقد أراد أن يسافر الى الخارج لاستكماله هناك وربما أراد ان يضاهي أخاه عبد السلام الذي هاجر وتزوج من انجليزية ،وكان له هو الآخر ما أراد من السفر و لكنه عاد بفشل جديد صفر اليدين لم يحقق شيئا"، ثم بدأ تجربة أخرى وهى رغبته في الزواج ، لم تكن المرأة تُمثل قيمة كبيرة في حياته ولكن كانت نظرته للمرأة الغربية أقرب للمثالية وخاصة المرأة الامريكية والأوروبية بشكل عام ، فعبد الوهاب خلال حياته كلها لم يكن له أى علاقة نسائية ،لا عاطفية مع فتاة ولا جنسية مع امرأة ، بل إن سيرة البنات لم تكن تأتي في كلامه ، ولكنه كان يعتبر المرأة الاوروبية كاملة الشخصية ، استطاعت أن تصل إلى الثورة التي تصون بها نفسها و تفرض إرادتها على الرجل المتجني عليها ، فكان زواجه من روزلين التي أعلنت إسلامها فأصبحت أمينة ، هى رغبة منه في الابتعاد عن تأثير والده ، فزوجته في تصوره لم تكن تعرف شئ عن أبية ولاعن ثروته ، و لكنه اكتشف في النهاية أنه يُستغل من قبلها و أنها طمعت فيما بعد في ثروة أبيه وبدا مقتنعا أنها تزوجته من أجل ذلك الهدف.
وروزلين او أمينة هى الأخرى شاذة التفكير والمنطق فهى كاثوليكية متزمتة قبل إسلامها ، عاشت في جو من التدين والالتزامات القاتلة والخوف المرعب وكان الخوف هو السمة الرئيسية لشخصيتها ليس فقط في أمريكا و لكن أيضا عندما جاءت الى مصر فهى دائمة البحث عن الامان ، ولا تجده ، ربما لأنها لم تحدد هدفها في حياتها ، فعقدة الخوف تؤرقها فتعمل في تجارة الاحذية مع أبيها في امريكا ثم تدرس الطب ثم تأتي لمصر بحثا عن الامان فتعلن إسلامها وتتزوج من عبدالوهاب ثم تطلب الطلاق لأنه لم يشعرها بما تمنت من أمان ، فهو لا يعمل ولا يريد ذلك ، ويرفض العمل مع أبيه ،و رغبت هي بالعمل مع عبد الغفور وسعت في ذلك واجتهدت ولكنها فشلت فطلبت الطلاق. فتقيحت جراحه كأنها إمتلأت ملحًا ومرارة وكانت صدمة اخرى في مسلسل فشله الذريع بعد أن اكتشف انها تزوجته لمجرد الرغبة في العمل والتجارة مع أبيه واستغلاله ، وبدا وكأنه يقول لنفسه حتى زوجته الامريكية التي اقتنع بها استغلته لأنه ابن عبد الغفور البرعي.
ولكن الوحيد من أبناء عبد الغفور الذي كاد أن ينجو من هذا الصراع النفسي الرهيب وهذه العقدة هى نظيرة الابنة الصغرى لعبد الغفور ،فقد تزوجت من صديق عبد الوهاب حسين و( الراوي للأحداث ) الذي يقرر أن يكون بعيدًا عن عبد الغفور لكى ينجح زواجه منها ،حيث كانت هى الاخرى تعاني من مشكلات نفسية بسبب أبيها و لكن حبها لحسين جعلها تتغلب علي عقدتها و تتزوج منه ، وبقيت سنية ونفيسة مطلقتان بعد فشل زواجهن وبهيرة وزوجها أسيران و عبدان لعقدتهما وان كان زوجها خبيثا صابرا حتي يحقق مأربه ، أما عبد السلام فقد هرب بعيدا بعقدته ،و عبدالوهاب يكابد الالم و ينتظر الفرصة التي تأتيه ليثبت ذاته.
إن كل عناصر الرواية و أبطالها تجسد المحنة النفسية التي يمر بها البطل عبدالوهاب لأنه أكثرهم إحساسا بمشكلته ولأنه الولد ، وإن كانت نظيرة تخلصت من عقدتها نسبيا، فمشكلته هو أنه لايزال مغموسا في براثن تلك العقدة .
إن إحسان عبد القدوس عبر عن الاشكالية وجسد لها كل العناصر حتي بدت واضحة المعالم تثير الإحساس و تُلهب المشاعر وتطرح سؤالاً مُهما ، لماذا يرفض كل منا جلباب ابيه؟!


شوهد المقال 2027 مرة

التعليقات (0 تعليقات سابقة):

أضف تعليقك comment

  • أرسل إلى صديق أرسل إلى صديق
  • نسخة للطباعة نسخة للطباعة
  • نسخة نصية كاملة نسخة نصية كاملة
طالع أيضا
image

نجيب بلحيمر ـ الحوار الخطيئة في التوقيت الخطأ

نجيب بلحيمر  إلى من توجه عبد المجيد تبون بحديثه في فرانس 24؟ السؤال تفرضه المناسبة. من الناحية الرمزية يعتبر ما أقدم عليه تبون أمرا غير مسبوق في
image

رشيد زياني شريف ـ حراك الشعب وحراك القصر

د. رشيد زياني شريف  لا شك لاحظتم شراسة الهجوم على الحراك في الآونة الأخيرة، وخاصة أثناء "الهدنة الصحية" ولم يفتكم تعدد التهم وتنوعها، من كل
image

العربي فرحاتي ـ حراك الجالية الجزائرية ..رسالة للعالم

 د.العربي فرحاتي  بشعارات الوحدة ونبذ التفرقة بين العرب الأمازيغ وبين أحرار الداخل والخارج ..وبالاناشيد الوطنية وزغاريد الحراير.. وفي مناخ أخوي نضالي..انتفضت الجالية الجزائرية في
image

خديجة الجمعة ـ الفارس الملثم

خديجة الجمعة    وفي ليلة ظلماء أسهبت بنظري للسماء محلقة بفكري . علني أجد شيئا ما بداخلي. وإذ بي أراه حقيقة لاخيال وتلعثمت حينها . وفركت عيني
image

عادل السرحان ـ شهداء الجزائر يعودون

عادل السرحان                   أهلاً بمَنْ فدّى الجزائربالدمِإذ عاد مزهواً بأجمل مقدمِأرواحهم قد حلّقت فوق  العُلاورفاتهم مسك يضوع بمعصمِ مُذْ في فرنسا والجماجم عندهاشطر الجزائر تستديرُ لتُحرمِسبعون عاماً بعد
image

علاء الأديبالنصر للذباب والبعوض... من قصص الحرب

علاء الأديب المكان موضع تحت الأرض بثلاثة أمتار مغطى بالصفيح وكومة من التراب في إحدى جبهات القتال والساعة تقترب من الثامنة مساء.ودرجة الحرارة اكثر من 54.درجة
image

محمد محمد علي جنيدي ـ على حرفي

محمد محمد علي جنيدي                    على حَرْفٍ من الفُصْحَىأُهَادِي الحَيْرَى والجَرْحَىيُسَامِرُ ودُّكُم قلبيولا يَغْفُو إذا أَضْحَىعلى حَرْفٍ بإفْصَاحِونُورٍ مِلءَ مِصْباحيتُسَافرُ دَمْعَتي دَوْمالِبُلْدانٍ وأرْوَاحِأيَا حَرْفِي بلا مَأْوَىتَسِيحُ وأَحْمِلُ
image

نجيب بن خيرة ـ من بعيد .... جماجم.... وجماجم

د. نجيب بن خيرة   رجوع رفات الشهداء إلى أرض الوطن ليس مَزيةً من فرنسا ( البغي ) تتفضل به علينا ... إنه حق شعب في
image

وليد عبد الحي ـ حماس وفتح: تمويه الاستراتيجي بالأخلاقي

 أ.د.وليد عبد الحي  الاعلان الاخير عن لقاء قيادات من حماس وفتح لبحث " تحقيق وحدة وطنية" للرد على القرار الاسرائيلي بضم اجزاء من الضفة
image

عبد الجليل بن سليم ـ مناورة النظام الجزائري اطلاق معتقلي الرأي وهو في la crise و كل قرد و بنانتو the red herring gambit

د. عبد الجليل بن سليم  أولا الحمد لله على أنه هناك مجموعة من معتقلي الحراك من أبناء الشعب أطلق سراحهم (الحمد لله على السلامة كريم

:

لا توجد مدونات لهذا الموضوع

قيم هذا المقال

5.00
Free counter and web stats