الرئيسية | الوطن الثقافي | حكيمة صبايحي - ليس دفاعا عن أحد أو لغة،،، هو الدفاع المستميت عن الامتلاء

حكيمة صبايحي - ليس دفاعا عن أحد أو لغة،،، هو الدفاع المستميت عن الامتلاء

بواسطة
حجم الخط: Decrease font Enlarge font
image

حكيمة صبايحي 

كنت ككل الطلبة "المعربزين" أخجل من تخصصي و قلما أصرح أنني طالبة أدب عربي،،، و لاحقا: أستاذة الأدب المعاصر في الجامعة. كنت أكتفي برأسي و هو ينخرط بالتفكير في تواصله مع الآخرين،،، و لا أحد و أنا أتحدث معه،،، يتخيل أنني أستاذة الأدب العربي فقط، الجميع يعتقدني باتساع ثقافتي و قدرتي على إدارة الحوار ـ على المتسع ـ على جميع الزوايا التي تبدو متناقضة، و انفتاحي على الآخر المختلف في لغاته و دينه و تقاليده و أهوائه،،، يقدرون أنني إطار في أية مؤسسة عليا، لكن لا يخطر على بالهم: أستاذة لغة و أدب عربي فقط......

عندما كنت أستاذة في التعليم الثانوي ما بين 1995 ـ 2002، في متقنة ذراع بن خدة، كان طلبة تخصص أشغال عمومية و هندسة ميكانيكية، يغيبون عن كل الحصص الأخرى في اللغات و التاريخ و الجغرافية و الفلسفة، و يأتون جموعا لحضور حصة اللغة العربية، في منطقة يتكلم أهلها بالأمازيغية الفصيحة،، و تفاجأ الجميع في إحدى سنوات الإرهاب أن يحضر تلاميذ المتقنة إكراما لي رحلة مدرسية إلى شواطئ أزفون الجميلة و كنت الضيفة الوحيدة من الأساتذة، كانت الرحلة على شرفي، من تلاميذ مشاغبين جدا يخافهم الجميع، و هددني المسؤولون كي لا أذهب معهم، و خجلتُ أن يكون التلاميذ أكثر شجاعة مني، و خذلتُ كل المسؤولين و أفرحتُ تلاميذ هم الآن منتشرون في كل بقاع العالم، يلتقون بي في شوارع الدنيا مع زوجاتهم و أولادهم، فيقطعون الطريق جريا كمن عثر على جذوره....

عندما انتقلت إلى التعليم الجامعي منذ نهاية 2002 حتى الآن،،، في منطقة لغتها الأولى: الأمازيغية ثم الفرنسية، كواقع على الأرض و في كل المؤسسات،،،كنتُ أعمل كقبيلة من الأساتذة لشعبية جعلت رئيسة القسم تسهر للإيقاع بي،،، ففي كل اجتماع بيداغوجي للإدارة مع الطلبة يتحدثون عني كأستاذة استثنائية تشبه الملائكة و هذا كان مصدر خطر ـ كما فكرت هي ـ يهدد منصبها، الذي فقدته ليس بشهرتي الواسعة، إنما بتزويرها و استغلالها المنصب في النصب.....و أنا لم أكن استثنائية و لا بطيخة، بقيت خمس سنوات مشردة ما بين الفنادق و الأحياء الجامعية و ضيفة ثقيلة على البعض، يبتزونني بالاستضافة لأكون بلا رأي،،، فكنتُ أخرج قلبي مع الطلبة، كأنني سأموت في آخر اليوم، و جعلت كتبي في خدمتهم، و أعتقد أن أكثر الطلبة يملكون كتابا لي لم يعيدوه لي، ففي كل مرة أقول لهم و أنا مشردة كلقيطة: احتفظوا به حتى الأسبوع القادم،،، و أنسى....فحياتي لم أجد لها مسكنا فما بالكم الكتب.....

حتى صارت تلك الحركة الاحتجاجية لأساتذة التعليم العالي، في ماي 2006 و يومها كنت ممثلة الأساتذة في نقابة التعليم العالي، التي استطاع أن يرشيها أخ الرئيس بعد سنوات قليلة من ذلك....و كانت شعبيتي سنتها أكبر مما تصوره الجميع،، مثلما حدث في 6 مارس 2014 و ما أدراك.... كان نصيبي في تلك الحركة دعوى قضائية لمرتين من طرف رئيس الجامعة ضدي أنا و سبعة أساتذة على المستوى الوطني،،، يإيعاز من الوزير الأول و وزير التعليم العالي، الذين كانوا يعقدون اجتماعات وزراية، يضحكون علينا و يسخرون من حركتنا،،،، في يوم من أيام هذه الحركة الاحتجاجية، بلغ طلبتي خبر إيقافي عن العمل،، لم يجدوني في الجامعة، أقلبوا الدنيا، و خرجوا عن بكرة أبيهم يبحثون عن الأستاذة صبايحي، التي يومها لم يكن يعرفها أي مسؤول،،، و لما عثروا علي في ندوة صحفية، وقفوا كالجنود الوطنيين أمام العلم الجزائري، ينشدون: تحيا صبايحي على حرف واحد كأنهم في قداس الحب، و كنتٌ أبكي من فرحي أن كل قطرة عرق لم تذهب سدى..... و يومها تراجعت الإدارة عن قرار إيقافنا عن العمل أنا و ثلاثة زملائي.....و بعد يومين، أصبحت مزارا للمسؤولين ليتعرفوا على هذه الأستاذة التي يحبها الطلبة

 

في هذه الحركة، لم أعد أخجل من التصريح: أنا أستاذة الأدب العربي فقط.....
في الميدان رأيت الذين يهرطقون بالآليات و اللغات الأجنبية، مطأطئ الرأس أمام رئيس الجامعة الحالي الذي كان يومها عميدا،،، كان يتعامل معهم كمستعبدين،،، و رأيت الذين يتكبرون على خلق الله بالشهادات الأجنبية، يغلقون المدرجات على الطلبة بالكادنات و السلاسل الخشنة، و يشهدون شهادة الزور في المحاكم، و يسرقون الأطروحات العلمية من جامعات أخرى أو من طلبتهم ليرتقوا المناصب العليا........

 

 

المهم،،، أثبت لي الواقع أن الموقف و الانفتاح و التقدم، لا يقع لا في المنصب و لا في اللغة و لا في المال و القصور،،،،،،و لا في الصلاة و صوم رمضان و إطلاق اللحية أو ارتداء جينز....
الأمر ذاته يخص الكتاب المتمردين في شبابهم، و الذين يرتدون في كهولتهم و شيوخختهم،،، و الأساتذة الذين يريدون الاحتفاظ بكل الامتيازات لهم،،،، و لعل مثال بوجدرة الذي لم يكن يخاف أحدا في تحدي كل المؤسسات الثقافية و الاجتماعية و السياسية و العسكرية، اليوم يدين شاب في الكتابة، مهما كانت آراءه، كان يفترض أن يدافع عنه الكبار قبل الشباب.....مثال فج لهذا اللغط الذي يمكننا أن نقيس به مستوانا الثقافي بحزن

 

المهم،،،،الفرق يصنعه الفكر،،، و ليس اللغة أو الجهة أو الدين. و الفكر يؤكده أو ينسفه الميدان،،،،، أكثر الكتاب بالعربية،،، يكتبون كأنهم فقهاء، مما جعل الأكثرية تهجر كتاباتهم،،، و أكثر كتابات اللغة الفرنسية تحقق فسحة أبعد و أعمق في الإبداع و الفكر، لتخلصها من عقدة المقدس،،، في مجتمعات لا تقرأ إلا ما لا يقلقها،،، لا تريد ان تفكر، تريد الراحة مثل الجنة و ما أدراك........

في الواقع: الصراع بين الفرنسية و العربية في الجزائر، ليس صراعا بين الجزائر و فرنسا، فأتحدى أن يكتب أحد بروح جزائرية مثل: كاتب ياسين، و محمد ديب و مولود معمري و مولود فرعون و آسيا جبار و القائمة طويلة،،،، في الثقافة لا يوجد هذا الحقد الاستعماري، و وحدها الثقافة يمكنها أن تخفف من جرائم الاستعمار و تفتح جسورا للحوار و التواصل،،،،، إنه صراع بين فكر متكلس موجود هنا و هناك، و بين فكر متنور موجود هنا و هناك،،،، و الحق الحق: لم يجن على العربية إلا الذين يدعون الدفاع عنها باسم الدين،،، و للحديث بقية/ حكيمة صبايحي

 

بجاية/ الاثنين 22/12/2014

 

شوهد المقال 4105 مرة

التعليقات (3 تعليقات سابقة):

الجزائري في 02:04 24.12.2014
avatar
صدقت، وأصدقت.. لا فُضَّ فوك- بارك الله فيك .. رسالة بليغة إلى من بقي لديه ذرة عقل وذرة نخوة ومروءة وشهامة ووطنية ودين.. بارك الله فيك سيدتي، زآجرك في عنائك، ووفقك زسدد خطاك .. وجعل النصر حليفك في مهمتك ورسالتك وفي حياتك كلها. واصلي كفاحك ولا تخشي شيئاز
منير براهيمي في 05:47 21.09.2015
avatar
يا أختي تحية إجلال و إكبار من كل قلبي ...برافو..........
Hadjira amrouche في 10:37 27.02.2019
avatar
شكرا لا بعد المسافات تركني أنساكم أستاذة ألف تحية لكم هكذا قلمكم صادق صدق قلبكم و قوتكم من الداخل تللك القوة الفكرية

أضف تعليقك comment

  • أرسل إلى صديق أرسل إلى صديق
  • نسخة للطباعة نسخة للطباعة
  • نسخة نصية كاملة نسخة نصية كاملة
طالع أيضا
image

خديجة الجمعة ـ معصمي

خديجة الجمعة  آه يامعصمي ،كم قلت لك :توقف ؟!ولم تتوقف لماذا؟حيرت فؤادي هل شكواي لك كثرت؟،أم المشاعر هي التي سرقتني لأكتب لك رسائل كثيرة؟. لماذا لاترد؟؟
image

العربي فرحاتي ـ عالم ما بعد كورونا ..هو للكراهية أيضا !!!

د. العربي فرحاتي  "اذا كانت الحرب تولد في عقول الناس.. فإن السلم هو الآخر يولد في عقول الناس ". مقولة تنسب ل "فرويد" تؤكد
image

نجيب بلحيمر ـ فكوا قيد الجزائر ..رحيل السيدة فاطمة كريم زوجة المجاهد عمارة العسكري المدعو بوڨلاز

نجيب بلحيمر  رحلت السيدة فاطمة كريم زوجة المجاهد عمارة العسكري المدعو بوڨلاز، عقيد جيش التحرير الوطني، وعضو المجلس الوطني للثورة وأحد مؤسسي القاعدة الشرقية،
image

نوري دريس ـ الشعب تصرف وفق تصريحات الحكومة الجزائرية التي صدقت كذبتها

 د. نوري دريس    طوال الاربعة اشهر الماضية, صدقت الحكومة كذبتها بتراجع عدد الاصابات كدليل علي نجاح الاجراءات التي اتخذتها..., وصدق الشعب ارقام الحكومة المتأتية
image

الدكتور فارس شرف الدين شكري يوجه رسالة الشكر للأحرار والنطق بالحكم بتاريخ 12|07|2020 بسكرة

 د. فارس شكري  شكرا لكل الطيبين..شكرا لكل الأحرار..شكرا لكلّ الأموات في قبورهم، الذين ذهبوا ضحية الإهمال..شكرا للشرطي الطيب الذي كان يشتري لي السجائر وفطور
image

عبد الجليل بن سليم ـ أخبار سيئة... لكن لازم تعرفوها ، الوضع أخطر مما تتصورن

د. عبد الجليل بن سليم ـ السويد يوم 30 أفريل 2020 نشرت على صفحتي نص إسمه : إلتهاب.......اكتئاب..........موجة ثانية و شرحت فيه بعض الاشياء المهم
image

عثمان لحياني ـ الجزائر... الوجه الآخر لـ"الجماجم"

عثمان لحياني  دولةٌ مثل فرنسا لا تعطي بالمجان، ولم تكن لتفعل ذلك، لولا الكثير من الحسابات السياسية، واستعادة الجزائر لجماجم الشهداء والمقاومين بعد 170
image

اضربوا يعرف مضربو .. والي سطيف وعقلية الإسطبل

 د. جباب محمد نور الدين    ربي يجيب الخير هذا النظام : عارضناه، لم يتغير، نظمنا المسيرات لم يتغير، وقعنا العرائض لم يتغير،سبيناه بكل الألفاظ الغليظة حتى الخادشة
image

عبد الخالق كيطان ـ هاشم الهاشمي ...ماذا فعلت لكي تشرب كأس دمك على عتبة دارك

عبد الخالق كيطان            لنكفر بالعراق الآن ذلك انه لم يعد أبانا الذي نبكي تحت عباءته السميكة ..بل المرأة السمينة التي يتبختر الأنذال بعد اغتصابها .لنكفر بالعراق ذلك أنه
image

عوابد سارة ـ جزائري...

 عوابد سارة هي رقعةٌ محدودة تتخللها كيانات ضخمة من جبال وتضاريس بكل شكل من الأشكال...آلاف الحبيبات الذهبية المتناثرة على أراضي واسعة تأوي الجميع دون مقابل...كريات بلورية

:

لا توجد مدونات لهذا الموضوع

قيم هذا المقال

0
Free counter and web stats