الرئيسية | الوطن الثقافي | قحطان جاسم - تصريحات بابا الفاتيكان وإمكانية اصلاح الدين الاسلامي ؟

قحطان جاسم - تصريحات بابا الفاتيكان وإمكانية اصلاح الدين الاسلامي ؟

بواسطة
حجم الخط: Decrease font Enlarge font
image

د.قحطان جاسم 

 

نقلت الصحف العالمية قبل فترة قصيرة تصريحات بابا الفاتيكان الجديد، الكاردينال الارجنتيني خورخي ماريا برغوليو، الذي اطلق عليه بعد تسنمه منصب البابوية، أسم فرانسوا. وجوهر تلك التصريحات يتعلق بتجديد الديانة الكاثوليكية ورفض العقائد التي لا تتناسب مع روح العصر، او التي اصبحت مصدر كراهية وخوف وإثم للمتدينين من أتباع الكاثوليكية . وقد أثارت التصريحات ردود فعل عديدة ومتنوعة على امتداد العالم، بعضها مؤيدة والبعض الآخر رافضة لها. سيكون لهذه التصريحات تأثير كبير ليس في اوساط الكاثوليكيين وحدهم وحسب، بل ستمتد آثارها الى الاديان الاخرى، التي ما تزال تصر على الاستمرار والاحتفاظ بطقوس وممارسات وافكار عقائدية مضى عليها الزمن وتجاوزتها الحياة الحياة والممارسة البشرية، ومن بين تلك الاديان الاسلام.
مما جاء في خطاب البابا: "اننا من خلال التواضع والبحث الروحى والتأمل والصلاة، اكتسبنا فهمًا جديدًا لبعض العقائد. الكنيسة لم تعد تعتقد فى الجحيم حيث يعانى الناس، هذا المذهب يتعارض مع الحب اللّامتناهى للإله. الله ليس قاضيًا ولكنه صديق ومحب للإنسانية. الله لا يسعى إلى الإدانة، وإنما فقط إلى الاحتضان. ونحن ننظر إلى الجحيم (جهنم) كتقنية أدبية، كما فى قصة آدم وحواء. الجحيم (جهنم) مجرد كناية عن الروح المعزولة، والتى ستتحد فى نهاية المطاف، على غرار جميع النفوس، فى محبة الله". وهذا يعني انه انكر وجود جهنم، العنصر الاساسي الذي تقوم عليه الاديان التوحيدية.
كان البابا يقصد من الجحيم، الرمز الذي تُمارس عبره هذه الديانات تخويف الانسان، وعنصر عقاب وسيف مشهور لضمان ولائه لها. فرأى البابا عوضا عن ذلك الخوف والعقاب ، ان الله هو المحبة، وان ما طُرح من قضايا الجحيم وغيرها هي بمثابة رموز وتصورات عن الاحساس الانساني لوضعه البشري ولا علاقة لها بالله.
وقد اضاف البابا أن "الكنيسة فى الماضي، كانت قاسية تجاه الحقائق التى تعتبرها خاطئة من الناحية الأخلاقية أو تدخل فى باب الخطيئة. أما اليوم نحن لم نعد قضاة. نحن بمثابة الأب المحب، لا يمكن أن ندين أطفالنا. إن كنيستنا كبيرة بما يكفى لتسع ذوى الميول الجنسية الغيرية والمثليين جنسيًا، وللمؤيدين للحياة ومؤيدى الإجهاض ! للمحافظين والليبراليين والشيوعيين الذين هم موضع ترحيب والذين انضموا إلينا. نحن جميعا نحب ونعبد نفس الإله." 
لم تتوقف تصريحات البابا عند هذا الحد، بل اعتبر أن الإله في تطور وتغيير، وان الكتاب المقدس كتاب جميل لكن " هناك بعض الاجزاء منه عفى عليها الزمن "، خصوصا تلك التي تدعو الى التعصب ونصب المحاكم ونشر الموت. كما اشار الى ان جميع الاديان صحيحة لانها كذلك في قلوب الذين يؤمنون بها.
لقد اصرت الكاثوليكية، وعلى مدى قرون طويلة، رغم التطورات الحاصلة في العالم وفي علوم الدين، على رفض اي تجديد او تعديل في نظرتها الكنسية وعقائدها الدينية، وبقيت متشددة مقارنة بالفرع البروتستاني من المسيحية الذي خطى، منذ قرون ، خطى كبيرة في الاصلاح الديني ، و تخلص من العديد من المفاهيم والتصورات الدينية التي صارت عائقا امام تطور الانسان وسعادته. ولهذا جاءت تصريحات البابا بمثابة صرخة قوية في عصرنا ضد التزمت العقائدي الديني الذي تخطاه الزمن والمعرفة الانسانية، ومن اجل تجديد الكاثوليكية وبعث المغزى الاخلاقي المحض في الدين. 
وليس هناك من دين ومتدينين في حاجة للنظر في تصريحات البابا وأخذها بنظر الاعتبار اكثر من الاسلام والمسلمين اليوم، لتصاعد وتيرة التعصب العقائدي، الذي حوّل العديد من المسلمين الى قتلة ووحوش عطشة للدم والقتل والتخريب، يشعر الانسان معها بالعار مما يرتكبونه باسم الدين. وتحوّل الايمان على ايديهم الى ممارسة وحشية ضد كل ما هو جميل عند الانسان، حيث يستلهمون، لتبرير ممارساتهم الوحشية والبربرية تلك، العديد من آيات القرآن. 
و القرآن شأنه شأن الكتب السماوية الاخرى يحتوي على الكثير من الآيات التي تشدد، من جهة ، على العدل والاخلاق والقيم الانسانية، لكنه من الجهة الاخرى، يتضمن ايضا العديد من الآيات التي يمكن تأويلها، بما يخدم التحريض على القتل والتخريب والدمار واستعباد الانسان. وهي آيات كانت تتوافق مع الزمن الذي تداولت فيه، اي انها كانت حصيلة حاجة موضوعية تاريخية لتؤدي اغراضا محددة. ولهذا فلم تعد هذه الآيات تلبي عمليا وفكريا حاجات المسلم في حياته اليومية، او تقدم له حلولا ممكنة للاوضاع والعلاقات الاجتماعية الراهنة، بل بالعكس تحولت هذه الآيات الى مصدر تأويلي عقائدي للعديد من الممارسات الاجرامية والشوفينية ودخلت في اطار السياسة وتحولت الى ادوات للتزييف والخداع الجماهيري وتأبيد الظلم الاجتماعي . كما أن بعض هذه الآيات، اضافة الى كل ذلك، تدعو الى التمييز بين الجنسين ، والى العبودية وما ملكت ايمانهم ومقاتلة الكفار من الاديان الاخرى الى درجة مطالبتهم بالجزية، أو تحث على الايمان بالجن والسحر وغيرها، ناهيك عما تتضمنه كتب الفقهاء من خزعبلات ولغو فارغ تساهم بالتشديد على الكراهية والموت.ومن هذه الآيات : 
"وقاتلوهم حتى لا تكون فتنة ويكون الدين لله." - البقرة"193
(قَاتِلُوا الذِينَ لاَ يُؤْمِنُونَ بِاللهِ وَلاَ بِاليَوْمِ الآخِرِ وَلاَ يُحَرِّمُونَ مَا حَرَّمَ اللهُ وَرَسُولُهُ وَلاَ يَدِينُونَ دِينَ الحَقِّ مِنَ الذِينَ أُوتُوا الكِتَابَ حَتَّى يُعْطُوا الجِزْيَةَ عَنْ يَدٍ وَهُمْ صَاغِرُونَ) سورة التوبة-29
(إذا لقِيتُمُ الذِينَ كَفَرُوا فَضَرْبَ الرِّقَابِ حَتَّى إِذَا أَثْخَنْتُمُوهُمْ فَشُدُّوا الوَثَاقَ )- سورة محمد: 4 
" وَلَا تَتَمَنَّوْا مَا فَضَّلَ اللَّهُ بِهِ بَعْضَكُمْ عَلَىٰ بَعْضٍ ۚ لِّلرِّجَالِ نَصِيبٌ مِّمَّا اكْتَسَبُوا ۖ وَلِلنِّسَاءِ نَصِيبٌ مِّمَّا اكْتَسَبْنَ ۚ وَاسْأَلُوا اللَّهَ مِن فَضْلِهِ ۗ إِنَّ اللَّهَ كَانَ بِكُلِّ شَيْءٍ عَلِيمًا"- سورة النساء :7
" يوصيكم الله في أولادكم للذكر مثلُ حظّ الأنثيين،فإن كنَّ نساءً فوق أثنين فلهن ثلثا ما ترك، وإن كانت واحدة فلها النّصفُ " -النساء: 11 
"وَلاَ تُطِعِ الكَافِرِينَ وَالمُنَافِقِينَ وَدَعْ أَذَاهُمْ وَتَوَّكَلْ عَلَى اللهِ وَكَفَى بِاللهِ وَكِيلاً"- سورة الأحزاب: 48
والآيات التي نوهنا عنها اعلاه تتناقض مع المواثيق العالمية للحقوق الانسان، التي اقرّتها ووقعت عليها كل الدول العربية والاسلامية، وهي مواثيق تقر بمساواة الناس بغض النظر عن الدين والعرق والجنس، واحترام حقوقهم وحرياتهم. لقد صارت هذه الآيات المصدر العقائدي الرئيسي عبر الفتاوى التي يصدرها شيوخ وملالي وآيات المسلمين، والمدارس الدينية والمساجد والجوامع، التي تساهم بغسل ادمغة الشباب وتجييشهم وحثهم على الموت وقطع رؤوس الاخرين، واكثرهم مسلمين ، والتخريب وكراهية تجاه الآخرالمختلف غير المسلم، كما يحدث في المذابح ضد المسيحيين في اوغندا ومصر ولبنان والعراق، او حتى ضد المسلم الذي لا يدين بنفس الآراء او التصورات التي يحملها فصيلا اسلاميا مختلفا، كما بين الشيعة والسنة، ، او من الطوائف الاسلامية من بابائية واحمدية او دروزية ، كما في السعودية وباقي دول الخليج، مصر، العراق، لبنان، باكستان، اليمن و ايران، الى درجة ارتكاب مذابح ضد بعضها او قمعها تماما عبر السجون والمنع والملاحقة وغيرها. والامثلة كثيرة مما نشاهده من مذابح لا معنى لها طالت النساء والاطفال وكبار السن على ايدي الدولة الاسلامية في العراق ، او بوكو حرام في نيجيريا ، والطالبان في افغانستان، وشباب محمد في الصومال، جماعة ابو سياف في جنوب الفلبين، جبهة النصرة ومجموعات اسلامية اخرى في سوريا، القاعدة وتشكيلاتها في اليمن، الجزائر ، المغرب، تونس، ليبيا ومالي والعديد غيرها. فهل يمتلك المسلمون شجاعة البابا الكاثوليكي لكي يقدموا على تخليص الدين الاسلامي من الافكار والعقائد التي صارت مصدرا للقتل والتخريب والكراهية، واعلان الايمان باعتباره قضية فردية تخص الخالق والانسان- الفرد. ومتى تكون لديهم الشجاعة، كبابا الفاتيكان، فيعلنون ان هذه الآيات لم تعد صالحة للعصر الذي نعيشه، ويعيدون لله والايمان بهائهما ؟؟

 

شوهد المقال 1562 مرة

التعليقات (0 تعليقات سابقة):

أضف تعليقك comment

  • أرسل إلى صديق أرسل إلى صديق
  • نسخة للطباعة نسخة للطباعة
  • نسخة نصية كاملة نسخة نصية كاملة
طالع أيضا
image

محمد زاوي ـ فريد علي بلقاضي وابراهيم سنوسي الباحثان الجزائريان ودورهما في استرجاع جماجم القادة شهداء الجزائر ..الجماجم عار فرنسا

زاوي محمد   يرجع الفضل في اكتشاف جماجم القادة الأولين للمقاومة الجزائرية لمواطنين جزائريين ليس لهما أي إنتماء حزبي في الجزائر ولا أي متدادا
image

عثمان لحياني ـ يأتي الشهداء..يصمت الجميع

 عثمان لحياني  عندما ذهب الزعيم نلسون مانديلا في أول زيارة له الى باريس عام 1994 ، كان أول مطلب قدمه هناك ، استرجاع رفاة سارتجي
image

عبد الباقي صلاي ـ للاستطاعة ... حدود !

عبد الباقي صلاي في تجربة أجرتها نخبة من العلماء الباحثين حول قدرة النملة التي ضحك سيدنا سليمان عليه السلام لجرأتها، وصبرها ،وحرصها الشديد على
image

فارس شرف الدين شكري ـ بسكرة ليست العاصمة ..الناس تموت مشتاقة شربة ماء

د. فارس شرف الدين شكري  الرجاء تعميم النشر لو سمحتم، لأن الأمر يتعلق بحياة أفراد بسكرة ليست هي العاصمة يا الربّ العالي :  استلمنا نتائج تحليل
image

طارق السكري ـ ما الذي يدفعنا لأن نتأمل نصاً جمالياً وآخر ؟

 طارق السكريإنها حاجة النفس إلى التعبير عن مكنوناتها ، وتلمس أعماقها ، والكشف عن أبعادها ، والتلذذ بما يضفيه النص من جمال يثير فيها
image

أحمد عبد الحسين ـ رسالة في انطباق الشفتين

 أحمد عبد الحسين    قبل ثلاثين سنة قال لي شيخي في قمّ إن الميم هو حرفُ الحقيقة الآدمية، قال: انظرْ إلى تأخّره في آدم ثم
image

طيبي غماري ـ في محاولة الرد على دعوى دراسة تمرد الجزائريين على إجراءات الحجر الصحي سوسيولوجيا

 د. طيبي غماري يضع هذا المطلب علماء الاجتماع أمام المحك، حيث سنجد أنفسنا اذا ما اردنا استجابة صادقة مضطرين إلى إبراز علم اجتماع حقيقي لدراسة
image

ناصر جابي ـ الجنازة كلحظة سياسية مركّزة في الجزائر

د. ناصر جابي  علاقة السياسة بالجنازة والمقبرة والدفن، وبالتالي بالموت في الجزائر من أغرب العلاقات. هذا ما يخبرنا به تاريخنا السياسي في عديد مراحله،
image

رشيد زياني شريف ـ عودة حمالات الحطب لتحقيق ما فشلوا فيه أثناء الحراك

د. رشيد زياني شريف   كلكم لاحظوا عودة حرب الأيديولوجية، من نفس منابر الكراهية، التي عشناها وذقنا علقم صنيعها في التسعينات، وتقوم هذه الوكالات
image

سعيد لوصيف ـ لديّ حلم... (عن نصّ مارتن لوثر كينغ بتصرّف) I HAVE A DREAM ، في الذكرى 28 من اغتيال سي الطيّب الوطني أعيد نشر حلمه وحلم الجزائريين والجزائريات

د. سعيد لوصيف   قبل ثمانية وخمسين عاما، أعلن الجزائريون والجزائريات بالبندقية والشهادة بيان التحرير من ويلات الكولونيالية والاستعمار. كان ذلك اليوم التاريخي

:

لا توجد مدونات لهذا الموضوع

قيم هذا المقال

0
Free counter and web stats