الرئيسية | الوطن الثقافي | فوزي سعد الله - الوَليّ دَادَه..الجزائريُّ الذي حطَّم أسطول الإمبراطور شارلكــان بِدُعاء القادم من بغداد مدينة السلام

فوزي سعد الله - الوَليّ دَادَه..الجزائريُّ الذي حطَّم أسطول الإمبراطور شارلكــان بِدُعاء القادم من بغداد مدينة السلام

بواسطة
حجم الخط: Decrease font Enlarge font
image

فوزي سعد الله 

 

 

عندما قرر الرحيل عن بغداد مدينة السلام، لم يكن يتصور أن القضاء والقدر سيقودانه إلى قصبة الجزائر أين سيقضي بقية حياته ويصنع المعجزات والأساطير…

في الأسبوع الأخير من شهر أكتوبر 1541م، حاصر الإمبراطور شارل الخامس مدينة الجزائر طمعا في الاستيلاء عليها بعدما جهز لها أسطولا ضخما شاركت فيه أغلب الأمم الأوربية.

لعنة الولي داده أقسى من المدافع

 

شَرَعَ في قصف "البهجة" من ساحل الحراش والحامّة، وفَتَحَ البطّاريات التي أقامها بفسطاطه على ربوة "الثغريين" (Tagarins) بمرتفعات القصبة وهو يحلم باستسلام المدينة... في هذه اللحظات الصعبة، خرج أحد شيوخ مدينة الأولياء والصالحين من باب عزون بِاتِّجاه شاطئ "تافورة" يَجُرُّ نفسه جَرًّا وهو يكاد ينفجر من الغضب والغيظ من الاعتداء الصليبي على بلاده. لقد كان من أكثر أهل المدينة تُقًى ووَرَعًا، يتمتع باحترام وإجلال كل الناس الذين يلقبونه بـ: الولي داده، وإن كان مايزال من بين أهل "المحروسة بالله"، من يُلَقِّبُه يوسف أو سيدي يوسف..، وبمجرد أن غاصت قدماه النحيفتان في مياه الشاطئ ضرب بعصاه البحر الساكن بغضب شديد عدة مرات، ثم رفع رأسه ويديه إلى السماء مبتهلا وطالبا الرحمة بالمسلمين وبمدينتهم الجميلة المجاهدة.. ثم رجع مدبرا نحو القصبة عَبْرَ باب عزون حيث كان الناس في انتظاره في إكبار وإعجاب، خصوصا وأن الابتعاد عن أسوار المدينة وهي تحت الحصار أمر ذو مخاطر كبيرة ويتطلب الشجاعة والإقدام اللذين قد لا يتوفران بسهولة في مثل سِنِّهِ…
تقول الأساطير بأنه ما إن خطا الولي داده خطواته الأولى داخل المدينة، حتى اكفهر الجو وتلبدت السماء بسحب كثيفة داكنة وسالت أمطار غزيرة كالسيول لم تشهد "البهجة" مثلها... فقامت عاصفة هوجاء من أَغْرَبِ العواصف التي عرفتها الجزائر، هبت كالصاعقة وحَرَّكَتْ أمواج البحر العاتية..، فكانت ضربة قاضية ضد الأسطول الصليبي وقواته المرابطة على مشارف القصبة، فتحولت الحملة المسيحية الرهيبة إلى برد وسلام على البلاد، بحيث تحطمت في يوم واحد 140 قطعة بحرية بِمُؤَنِها وعُدَّتِها وجنودها على صخور ورمال شاطئ وادي الحراش والحامة..، ثم استغل السكان والجيش الجزائري هذه الفوضى والارتباك في صفوف العدو لتكثيف الهجمات الحاسمة.

 

كبرياء الإمبراطور شارلكان يتحطم على شاطئ "الحرَّاش"

هل هي كرامات الولي داده؟.. الحكايات الشعبية لا تتردد في الجزم بذلك، وسكان المدينة أصبحوا بعد هذه الحادثة العجيبة لا يقسمون إلاّ برأس الولي داده.. أوهذا على الأقل ما حفظه الفلكلور الشعبي عبر التاريخ من دور هذا الشيخ الجليل في الانتصار على حملة شارل الخامس سنة 1541م..، وهو انتصار تاريخي زاد في هيبة الجزائر تحت سلطة العثمانيين ودَعَّم قوتها البحرية بـ: 200 مدفع و1300 أسير واحتياطات هائلة من المؤن والذخيرة، كلها من غنائم المعركة، بالإضافة إلى اكتشاف نقاط الضعف الدفاعية التي تم استدراكها مستقبلا مثل عملية بناء "حصن الإمبراطور" أو"حصن بُوليلة"، نسبة إلى الإمبراطور شارلكان الذي بات فيه ليلة وحيدة، بـ: "التَّاغَارَان"، والذي لازال حتى اليوم ثكنة عسكرية.

عندما توفي الولي داده في سنة 1554م، حزنت عليه كثيرا مدينة الجزائر وتم دفنه بزاويته قرب جامع كتشاوة بشارع الديوان وأصبح ضريحُه مَحلّ تقديس كبير يزوره السكان بانتظام وتُهدى له القرابين وتُقام فيه مختلف الطقوس الروحية التي ورثتها المدينة من تاريخها الثري والعريق.

المغامرون الثلاثة و"بساط الريح"

 

في يوم من أيام السنوات الأخيرة من القرن 15م، قام ثلاثة أصدقاء برحلة من بغداد دار السلام إلى مدينة إزمير بتركيا، أحدهما سبق له أن كان واليا على المدينة العراقية، حسبما يُقال، اشتهر باسم سيدي ابراهيم الغبريني البحري البغدادي السَّلامي.
الثاني هو سيدي محمد بوفالة الذي ساقته الأقدار إلى مدينة المسيلة حيث استقر ومات ودفن هناك، وحيث لازال ضريحه موجودا حتى اليوم وكذلك ذريته.
أما الثالث، فهو سيدي الولي داده الذي رافقهما في رحلتهما إلى إزمير ثم إلى مدينة الجزائر أين سيختار كل واحد وِجْهَتَه الخاصة.

 

تقول المعلومات الضئيلة المتوفرة عن هذا المثقف المتديِّن أنه من أصل تركي. وهي مقولة يدعمها الشيخ عبد الرحمن الجيلالي الذي كتب عنه بأنه "رجل صالح من أهل مدينة إزمير قدم إلى الجزائر مرابطا بثغرها". كما يسندها الجزء الأخير من اسمه "دَادَه" الذي يعني في اللغة التركية-العثمانية الجَدَّة، أوالخادمة السَّوداء التي كانت تقوم بتربية ورعاية الأطفال، وهي كلمة ينطقها الأتراك "دادي". غير أن العلاقة بين الاسم والمُسَمَّى فَلاَ يعلمها إلا الله إلى حدِّ السَّاعة... أمّا مُحِبِّي الولي داده إلى درجة التقديس فقد أضافوا إلى المعلومات الشحيحة المتوفرة عنه أن له قدرات غيبية عجيبة لا نظير لها إلا في عالم "ألف ليلة وليلة" ، بحيث أكدوا أنه قَدِم إلى بلادنا من المشرق عن طريق البحر فوق بساط الرّيح... وهذه معلومات لا أعتقد أنه هو نفسه يُصَدِّقها...

العاصمة الجزائرية تُكَرِّم شيخَها بلا كَرَم

 

في سنة 1864م أثناء التوسع العمراني الذي كانت تعيشه المدينة تحت الاحتلال، قررت الإدارة الاستعمارية تهديم زاوية الولي داده وأقامت مكانها ديرا للرهبان، بعد أن سَلِمَتْ طيلة قرون من قصف الأساطيل المسيحية للمدينة، مثل القصف الإسباني في يوم الجمعة 8 أوت 1783م الذي حطم جزءا من هذه الزاوية العتيقة.
لكن إدارة الاحتلال حرصت على احترام حد أدنى من "قداسة" الولي داده ومشاعر سكان المدينة، ولو أن ذلك لم يكن حُبًّا لهم بقدر ما هدف إلى تكريس تخديرهم بمعتقداتهم الوهمية. فقامت بتحويل رفاته، وسط موكب تقليدي وطقوس كبيرة شارك فيها حتى بعض الجنود الاستعماريين، إلى ضريح سيدي عبد الرحمن الثعالبي خارج أسوار القصبة آنذاك.

 

هناك، جاور حتى اليوم أشهر الأولياء والصالحين ووجهاء مدينة الجزائر أمثال الوليّ الصالح/الإسكافي الذي أُعدِم ظلمًا سيدي منصور، وخيدر باشا، وسيدي واضح، ولالَّة عَايْشَة بنت سيدي عبد الرحمن الثعالبي، وأستاذ هذا الأخير سيدي بوجمعة، الذين سوف يلتحق بهم بعد قرون الدايات المعروفين حَسَانْ وابن شقيقته مُصطفى باشا، الذي أُطلق اسمُه على أحد أهم مستشفيات العاصمة الجزائرية، ثم الدَّاي أحمد، ولالَّة رُوزَة بنت مصطفى باشا، ثم الحاج أحمد باي قسنطينة بل آخر باياتها وزعيم المقاومة الشعبية ضد الاستعمار الفرنسي بالشرق الجزائري من 1836م إلى 1847م، ومحمَّد بن قيطون الشاعر الشعبي الكبير صاحب القصيدة/الأغنية الشهيرة "حَيْزِيَّة"، وحتى أوَّل وزير للأوقاف والشؤون الدينية في الجزائر المستقلة المؤرخ أحمد توفيق المدني...

وبطبيعة الحال، لا شك أن الوليّ داده تفاجأ بكل هذا الازدحام في بُقعة روحية على مُنحدر مُغطَّى بالأشجار والنباتات المحاذية للوادي، الذي أعطى اسمه لحيِّ "باب الوادي"، والتي اختيرتْ أصْلاً لجثمان الفقيه والمُرَبِّي الصُّوفي الكبير سيدي عبد الرحمن الثعالبي خارج أسوار بلدة بني مزغنة بعيدا عن ضوضاء سكانها وصخب صنائعها ونداءات الباعة المُزَجَّلة في أسواقها...

في سنة 1998م تذكرت العاصمة الجزائرية شيخَها الجليل الإزميرلي الولي دَادَه بمناسبة ذِكراها الألفية، فقامت محافظة الجزائر الكبرى بترميم قبره العتيق الذي سَخَّرَتْ له حوالي 60 مليون سنتيم وهو مبلغ لم يكن يكفي آنذاك حتى لشراء سيارة "دَايْوُو" الكورية الجنوبية في نُسختها الأكثر بساطةً وتقشفًا...

فهنيئا للشيخ على حُلَّتِه الجديدة، و"البركة في القليلْ" كما يُقال… ! أما الذين يرغبون في زيارته فأبواب ضريحه مفتوحة على يسار الداخل إلى ضريح سيدي عبد الرحمن الثعالبي...الشُّموع والصدقات مُحبَّذة بطبيعة الحال، لا سيَّما أن عاشوراء لم تَمُرّْ عليها سوى أسابيع...

 

 

 
 Vieille illustration de Sidi Ouali Dada arrivant à Alger d'Izmir par mer sur une natte volante
 
 
 L'entrée du mausolée Sidi Abderrahmène Aththaalibi en 1880...Les plus démunis de la ville d'Alger passaient leur journées ici à attendre l'aumone des visiteurs; une pièce de monnaie, un morceau de pain ou meme un couscous...La tombe de Ouali Dada est à l'intérieur juste après l'entrée à gauche en descendant quelques marches d'escaliers.
 
 
 Le mausolée de Sidi Abderaahmène à l'origine était àl'extérieur de la ville d'Alger et son enceinte...Il, ni Ouali Dada son voisin depuis le transfert de ses dépouilles, n'imaginaient que la ville allait les rattraper. Ici, nous sommes en 1860. L'enceinte de la médina d'Al-Djazair était encore là comme on la voit sur cette photo. Les escaliers de la Croix Rouge n'existaient pas encore...On y voit aussi le fameux palmier au centre du mausolée qui était un symbole de la ville très lié à sa spiritualité. On le voyait encore vers les années 1950 sur le logo de la célèbre et pionnière imprimerie Roudouci...
 
 
 
 Cimetière du mausolée Sidi Abderrahmène au début du 20 ème siècle.
 
 
 
 Par le peintre Jules Van BIESBROECK: Algériennes en visite au cimetière Sidi Abderrahmène...Début du 20 ème siècle.
 
 
 
 Cimetière du mausolée Sidi Abderrahmène en 1904
 
 
 
 
 

شوهد المقال 4647 مرة

التعليقات (0 تعليقات سابقة):

أضف تعليقك comment

  • أرسل إلى صديق أرسل إلى صديق
  • نسخة للطباعة نسخة للطباعة
  • نسخة نصية كاملة نسخة نصية كاملة
طالع أيضا
image

العربي فرحاتي ـ لنتعامل مع الحقيقة التاريخية لا مع تجار الحقيقة التاريخية

د. العربي فرحاتي  فسر لجوء بومدين بعد انقلابه على بن بلة ١٩٦٥ إلى تجميع رفاة قادة الثورة وإعادة دفنهم تكريما لهم..بأنه بحث عن شرعية ثورية
image

طيبي غماري ـ الذاكرة والتاريخ ..والسيدة التي ساعدتنا في مركز ارشيف ماوراء البحار بفرنسا

 د. طيبي غماري   بمناسبة النقاش حول الذاكرة والتاريخ والأرشيف ومراكزه، ساقص عليكم هذه القصة التي أتذكرها دائما وارغب في روايتها كلما أتيحت لي الفرصة. في
image

محمد زاوي ـ فريد علي بلقاضي وابراهيم سنوسي الباحثان الجزائريان ودورهما في استرجاع جماجم القادة شهداء الجزائر ..الجماجم عار فرنسا

زاوي محمد   يرجع الفضل في اكتشاف جماجم القادة الأولين للمقاومة الجزائرية لمواطنين جزائريين ليس لهما أي إنتماء حزبي في الجزائر ولا أي متدادا
image

عثمان لحياني ـ يأتي الشهداء..يصمت الجميع

 عثمان لحياني  عندما ذهب الزعيم نلسون مانديلا في أول زيارة له الى باريس عام 1994 ، كان أول مطلب قدمه هناك ، استرجاع رفاة سارتجي
image

عبد الباقي صلاي ـ للاستطاعة ... حدود !

عبد الباقي صلاي في تجربة أجرتها نخبة من العلماء الباحثين حول قدرة النملة التي ضحك سيدنا سليمان عليه السلام لجرأتها، وصبرها ،وحرصها الشديد على
image

فارس شرف الدين شكري ـ بسكرة ليست العاصمة ..الناس تموت مشتاقة شربة ماء

د. فارس شرف الدين شكري  الرجاء تعميم النشر لو سمحتم، لأن الأمر يتعلق بحياة أفراد بسكرة ليست هي العاصمة يا الربّ العالي :  استلمنا نتائج تحليل
image

طارق السكري ـ ما الذي يدفعنا لأن نتأمل نصاً جمالياً وآخر ؟

 طارق السكريإنها حاجة النفس إلى التعبير عن مكنوناتها ، وتلمس أعماقها ، والكشف عن أبعادها ، والتلذذ بما يضفيه النص من جمال يثير فيها
image

أحمد عبد الحسين ـ رسالة في انطباق الشفتين

 أحمد عبد الحسين    قبل ثلاثين سنة قال لي شيخي في قمّ إن الميم هو حرفُ الحقيقة الآدمية، قال: انظرْ إلى تأخّره في آدم ثم
image

طيبي غماري ـ في محاولة الرد على دعوى دراسة تمرد الجزائريين على إجراءات الحجر الصحي سوسيولوجيا

 د. طيبي غماري يضع هذا المطلب علماء الاجتماع أمام المحك، حيث سنجد أنفسنا اذا ما اردنا استجابة صادقة مضطرين إلى إبراز علم اجتماع حقيقي لدراسة
image

ناصر جابي ـ الجنازة كلحظة سياسية مركّزة في الجزائر

د. ناصر جابي  علاقة السياسة بالجنازة والمقبرة والدفن، وبالتالي بالموت في الجزائر من أغرب العلاقات. هذا ما يخبرنا به تاريخنا السياسي في عديد مراحله،

:

لا توجد مدونات لهذا الموضوع

قيم هذا المقال

0
Free counter and web stats