الرئيسية | الوطن الثقافي | أبو يعرب المرزوقي -- لماذا لا يفهم العرب ما يجري في إيران؟ 1 من 2

أبو يعرب المرزوقي -- لماذا لا يفهم العرب ما يجري في إيران؟ 1 من 2

بواسطة
حجم الخط: Decrease font Enlarge font
image

 

د.أبو يعرب المرزوقي

 

ملاحظة 

هذا النص كتبه الأستاذ أبو يعرب خلال أحداث إيران التي تشبه الربيع العربي منذ ما يقرب من 6 سنوات. وفيه دلالتان :

الأولى تتعلق بدور المحللين العرب في تضخيم الغول الإيراني وإخافة الأنظمة العربية منه في حين أنه نمر من ورق حتى وإن كان البعض منهم الآن قد بدأ يفهم خطة إيران وصار يكتب ضدها (زعيتر مثلا). 
والثانية تتعلق بما يجري حاليا في إيران من ثورة صامتة جنيسة للربيع العربي وتلك هي علة قبول القيادات الإيرانية بالتخلي عن مغامرتها النووية رغم دخان الخطاب المناور. 
لكن الأهم من ذلك هو كيف يبين الأستاذ أن المحللين الاستراتيجيين العرب لعبوا دورا يشبه دور محللي ما يسمى بصف المقاومة حاليا أي الحرب على الشعوب والدفاع عن الأنظمة الدكتاتورية التي تسفك دماءها: فالهجوم على الشعب الإيراني والدفاع عن نظام الملالي جعلهم يعتبرون ثورته مؤامرة غربية وليست ثورة تحررية من أجل الحرية والكرامة من جنس ما يعيشه العرب حاليا من ربيع الحرية والكرامة.

 

 

تمهيد
 
يكاد الكلام في أحداث إيران الأخيرة يكون مستحيلا خاصة إذا أردناه كلاما علميا رصينا. وهو لن يكون ذا فائدة إذا لم يتقدم عليه التخلص من عائقين عنيدين يحولان دون الفكر والنفاذ إلى دلالات هذه الأحداث العميقة:
فأما العائق الأول والأكثر مباشرة فهو خصوصي وذاتي لحال الفكر عندنا نحن العرب. ويمثل هذا الموقف من يتصدر منا التحليل المزعوم إستراتيجيا. فقد صار جل هؤلاء المحللين أكثر إيرانية من الإيراينيين أنفسهم أيا كان صفهم. ولا يكاد كلامهم في أحداث إيران الأخيرة يتجاوز التردد بين تزيين ما يحدث فيها واعتباره كله ناجحا وتبرير ما يمكن أن يعد فشلا بنسبته إلى التآمر الخارجي والتخاذل العربي المزعومين.
وأما العائق الثاني فهو كوني وموضوعي ولا يجهله أحد رغم أن العائق السابق يحول دون العرب والانتباه إليه. إنه العائق الذي ينتج عن تجاهل معايير النجاح والفشل في المعارك الأبدية بين الجماعات البشرية معاركها حول الشروط التي تجعل مجتمعاتها في خدمتها. فالمجتمعات منظومة من الأجهزة المؤسسية تعير بما تحققه من نجاح أو فشل في الوصول إلى غرضي الوجود الإنساني كما حددهما الفكر الإنساني عامة وكما صاغهما ابن خلدون خاصة أعني شروط الحياة الجماعية الأداتية وشروطها الغائية: 
فالشروط الأداتية هي المجتمع من حيث هو جهاز التعاون لسد الحاجات المادية. 
والشروط الغائية هي المجتمع من حيث هو جهاز التآنس لسد الحاجات الروحية.
ويمكن أن نمثل للعائق الأول بموقفين. فأما أول الموقفين فيمكن أن نضرب منه مثالا محاضرات الأستاذ هيكل أو مداخلات الأستاذ النقاش. وأما الثاني فيمكن أن نضرب منه مثالا مقالات الأستاذ هويدة أو مداخلات الأستاذ الزعاترة. لكننا سنكتفي بواحد من كلا الضربين. وليكن الأستاذ هيكل ممثلا للموقف الأول والأستاذ الزعاترة للموقف الثاني. فهذان المحللان يعتبران العرب مجبرين على الخيار بين حلين لا ثالث لهما: فعليهم أن يكونوا تابعين لإيران أو يبقوا بيادق في سياسة أمريكا إسرائيل. 
ولا أحد منهما يقبل الجدال في اعتباره الضفدعة فيلا لأنهما يتصوران إيران بحجم الاتحاد السوفياتي فضلا عن تجاهلهما مآله حتى لو سلمنا بقابلية إيران للمقارنة به من حيث الحجم والدور العالمي. كلاهما غسل يديه من كل ما هو عربي باسم غيرة على الريادة العربية في المنطقة وأصبح محور الكلام كله عنتريات نجاد شرقا ونصر الله غربا وتوالت في وهمهما الانتصارات العلمية والعسكرية التي من جنس انتصارات ما يعلم جميعنا مآلها الأخير في أحداث 67.
وبين أن العائق الثاني يغيب تماما في تحليلات هذين الرجلين فيصبح الشأن الإنساني كله خاضعا للتحكم في مجرى حصوله وتحقيقه وفي مجرى محاولات فهمه وتحليله. وبذلك يتبين أن العائق الذاتي رغم كونه من توابع العائق الموضوعي متقدم الدور في الأحداث لكونه غالب التأثير في فكر المحللين العجلين. وهو دون شك جزء من البعد الرمزي للعامل الموضوعي أو من الحرب النفسية والدعائية بين الصفين: لذلك فجل التحليلات العربية لم تتجاوز الظهور السطحي لحصرها الكلام في التحيزات لهذا الصف أو ذلك مما يجري وإهمال ما وراء الصدام بين الصفين. 
إن جل ما نسمعه من الكلام في الفضائيات أو نقرؤه في الصحف ينتسب إلى العامل الذاتي الذي لا هم لأصحابه -بوعي منهم أو بغير وعي- إلا إخفاء العامل الموضوعي بما ينتجه دور الموظفين الإيديولوجيين في هذه المعركة من تزيين لنجاح موهوم وتبرير لفشل محتوم وذلك خلال تبادل التهم بين الصفين الأبرزين في هذه المعركة بحسب الظرفيات المتوالية كما حصل في المرحلة السابقة من تاريخنا الحديث أعني في معركة الرأسمالية والاشتراكية أو معركة الفاشية والديموقراطية أو معركة الأنظمة الدينية والأنظمة العلمانية منذ حقبة الحرب الباردة.
 
طبيعة الإشكال في الأحداث الإيرانية
وبذلك يتبين أن المشكل في الكلام على أحداث إيران ليس نابعا من الأحداث نفسها ولا من دلالاتها الداخلية أو الخارجية ولا من الإيرانيين ذاتهم أو من خياراتهم التاريخية: فبسبب الغفلة عن العامل الموضوعي لم يكن بوسع محللينا أن يدركوا أن ما يحدث في إيران هو ثمرة حتمية للخيارات الخمينية المنافية للظرف التاريخي وهو في آن باكورة الآثار الناجمة عن زلزال الفوضى الخلاقة التي بدأت في العراق ولن تتوقف حتى تأتي على كل الخارطة التي نتجت عن الاستعمار القديم والحرب الباردة.
إن إستراتيجية التهديم بالتفريغ التي لجأت إليها الإمبراطورية التي ورثت تركة الاستعمار القديم وخاصة بعد أن خرجت منتصرة من الحرب الباردة تثبت هذه الأحداث الإيرانية أنها بدأت تشمل كل الشرق الإسلامي من اندونيسيا إلى المغرب. فهذا هو شرط الخروج من الخارطة الموروثة والتي كان الصراع فيها بين مستعمرتي الفكر الأوروبي الحديث (الولايات المتحدة أعني مستعمرة أوروبا بفكرة الإصلاح المسيحي والاتحاد السوفياتي أعني مستعمرتها بفكرة الماركسية) اللتين صارتا إمبراطوريتين عالميتين تقاسمتا العالم للانتقال إلى الخارطة التي صار فيها الصراع بين الغرب بعد أن توحد للاستعداد لقوى الشرق الأقصى وهذا الشرق غير الإسلامي بعد أن حقق التحديث الناجح فبات قادرا على المنافسة الندية مع الغرب. 
المعركة المحددة والتي يستعد لها هذان الصفان هي معركة تجري بين الغرب ما بعد الحديث بعد الحرب الباردة والشرق الحديث بعد بلوغه مستوى القدرة على التنافس. إنها معركة بين القوتين المضاعفتين الغربية والشرقية (أوروبا والولايات المتحدة غربا والصين والهند شرقا) المحيطتين بأرض الإسلام التي يتنافسان عليها بوصفها الجسر الواصل بين القارات إستراتيجيا والمعين الذي لاينضب من الطاقة والثروات الطبيعية: ما يجري في العالم هو استعداد الغرب بقطبيه الأمريكي والأوروبي للشرق بقطبيه الصيني والهندي. إنها معركة لن يكون العالم الإسلامي فيها إلا الفريسة التي يستعد الجميع لنيل أكبر نصيب منها إذا ظل الفكر الاستراتيجي العربي يتصور إيران بحجم يمكنها من أن يكون لها دور في مثل هذا الرهان. 
والغريب أن نماذجنا الأربعة يجمعون على أن المصلحة العربية ينبغي أن تكون تابعة لسياسة إيران -التي يعتبرونها سياسة ذات أفق بعيد وشديدة الذكاء في حين أنها عند اعتبار العامل الموضوعي تتبين مجرد سعي للحصول على ضمانة لبقاء النظام لا أكثر ولا أقل وهي لا تختلف عن كل ما حصل في الشرق الإسلامي منذ محمد علي إلى الآن: محاولة لعب دور القوة العظمى من دون شروطها الحقيقية- ما دامت معارضة لسياسة إسرائيل. ولست أدري كيف بدا لهم أن مبدأ عدم التناقض قابل للانطباق في حالة علاقة العداوة والصداقة وأن هذه العلاقة متعدية: من أين لهم أن الأمم لا يكون لها إلا عدو واحد في زمن واحد وبأن عدو العدو صديق بإطلاق فلا يمكن عندهم أن يكون هو بدوره عدوا بل وربما أعدى من العدو الظاهر؟ أليس من بين للعيان أن إسرائيل تعادينا على ما يقبل الرجع (الأرض) فتكون الحرب فيه سجالا وأن وإيران تعادينا في ما لا يقبل الرجع (العقيدة) بحيث من يهزم في المعركة تكون هزيمته قاضية؟ 
كما أن كلا النموذجين الممثلين في مزايدتهما على من لا يرى رأيهما من العرب في فهم مصلحة العرب وعلى المعارضين الإيرانيين في الإخلاص لإيران يجعلان الكلام في المسألة من أعسر الأمور لما عرفا به من الصيت والصوت خاصة وكل الفضائيات مفتوحة لهما ليلا نهارا. وما كنت لأختارهما لو لم يكن مدخلهما إلى أحداث إيران هو ما ينبغي دحضه إذا أردنا أن هذه الأحداث بالانطلاق من الدلالات التاريخية للأمرين اللذين يتعلق بهما الشأن:
الأمر الأول هو خاصية النظام السياسي الإيراني الذي هو عينه من الأنظمة السياسية الشاذة عامة (إدعاء السلطان المعصوم في السياسي) في الظرفية المعاصرة (العولمة والاتصالات أعني ما يساعد على تعميم الديموقراطية شبه المباشرة) فضلا عنه على أرضية الإسلام النافي لدور السلط الروحية المتعالية على الأفراد بإطلاق في الأمر السياسي (الحكم من المصالح العامة وليس من العقائد في الكلام السني).
الأمر الثاني هو خاصية النظام العقدي الإيراني الذي هو عينه من الأنظمة الدينية الشاذة في البنية الكونية للتربية الإنسانية بعد الثورة القرآنية التي ختمت الوحي ونفت العصمة في المجال العملي على غير إجماع الأمة وخاصة بعد حصول الإصلاح في الثقافة الروحية الغربية عامة: التربية رهن حرية الضمير والاجتهاد وليست ثمرة أيمة معصومين. 
 
منهجية العلاج وغاياتها
وليس قصدي من الاستناد إلى هذين المبدئين التحليليين:
1-مبدأ الظرفية التاريخية للأنظمة السياسية الشاذة في عصر الديموقراطية شبه المباشرة.
2- ومبدأ البنية الكونية للتربية الإنسانية بعد الثورة القرآنية ليس القصد هو التعالم أو التفلسف في ثقافة أرجعها مثل هؤلاء المحللين الديماغوجيين إلى مجرد تعبير عامي عن مواقف لا تستمد قيمتها من ذاتها لخلوها من التعليل العلمي بل هي تقتصر على استمداد القيمة من حماسة الانحياز لما تسميه مقاومة أو تصد للعدو خلطا بين الدفاع عن الأنظمة الشاذة والفاشلة ومصالح الشعوب. 
ليس قصدي التعالم بما قد لا يكون مناسبا للتحليلات الصحفية في المسائل الإستراتيجية بل هدفي أن أبين أن فكر الأمة الاستراتيجي سيبقى متخلفا ما ظل التحليل مقصورا على مجرد الإعلان عن المواقف ومقابلة الموقف بالموقف دون تعليل علمي (كما تفعل نماذجنا) ولم يذهب إلى الغاية في تعليل التصورات التي تحلل الحاصل لتتوقع الممكن بالاستناد إلى قوانين تحكم الشأن الإنساني بصورة كونية تخلو من التحكم. وبذلك فسيكون كلامي دائرا حول مسألتين:
ما الذي يحول العائقان دوننا وفهمه من أحداث إيران الأخيرة؟
كيف تبرز دلالات هذه الأحداث لمن تحرر من العائقين ؟
ورغم أني لا أخالف النموذجين اللذين اخترتهما تمثيلا للعامل الذاتي لا أخالفهما في كون الفكر السياسي لا بد فيه من اعتبار المصلحة الوطنية عند تحديد الخيارات التي تتعلق بالصداقة والعداوة فإني أخالفهما في ما يؤول إليه هذا الهم من إهمال العامل الثاني المتمثل في النظر إلى الأمور بمقتضى مبادئ عامة تمكن من إدراك حقائق ما يجري ولا تكتفي بالاعتناء بما يفيد عمرو أو زيد أو لا يفيده ظرفيا. اعتبار المصلحة الوطنية مهم عندي لكن فهم الأمور على حقيقتها أهم فضلا عن كون الثاني شرط التحديد السوي للأول. 
المسألة الأولى
منع العائقين لنا من فهم الأحداث الحاصلة في إيران
يمكن رد العائق الذاتي الخاص إلى تصورين خاطئين كلاهما مضاعف. فأما الأول فيخص الأخطاء المتعلقة بصورة إيران. ويكفي لفهمه تفكيك تحليلات الأستاذ هيكل. وأما الثاني فيخص الأخطاء المتعلقة بصورة العرب ويكفي لفهمه تفكيك تحليلات الأستاذ الزعاترة. وكان يمكن أن نعكس لأن كلا النموذجين يخطئان فادح الخطأ في رسمهما الصورة التي يقدمانها عن إيران والعرب على حد سواء.
ولنبدأ بتصور الأستاذ هيكل لإيران. فهل يمكن تصور إيران في المعترك الجغرافي السياسي لفهم الأحداث الجارية فيها من دون اعتبار صلة الأمر بصراع النماذج المجتمعية والسياسية في التطور التاريخي الخلقي الإنساني بحيث يحيد عامل الشذوذ في الحالة الإيرانية التي يريد نظامها الحكم في القرن الحادي والعشرين بنظام البابوات الوسيط ؟ وهل يمكن أن نعجب ممن يكتفي بمظاهر العنتريات فيتجاهل الحقائق البنيوية التي تحدد ما يجري في مجتمع متعدد الأعراق والطوائف والثقافات فيزعم له وحدة صماء هي في الإعلام الرسمي لا غير؟ وكيف يمكن لمحلل إستراتيجي ألا يرى في ما جرى في إيران إلا مجرد "شرشحة" للنظام الذي يعتبره ما يزال متماسكا لظنه إيران حائزة على أسباب القوة الحقيقية ؟ 
كيف يغفل عن العفريت الذي خرج من قمقمه ولن يعود إليه بعد زعزعة العراق وتحريك الطائفيات والعرقيات في الشرق الإسلامي بعد أن خرجت من قنديل علاء الدين ؟ فإيران لا تختلف عن بلدان الشرق الأوسط من حيث البنية الإثنية المتعددة بل هي ربما أكثرها هشاشة خاصة إذا قيست بمصر أو بالسعودية وهما المستهدفتان مثلها. وإيران ليست في أفضل الأحوال من حيث القوة الاقتصادية إذا ناسبنا بين ثرواتها وأعبائها. ولعل إيران في أسوأ الأحوال من حيث العدالة الاجتماعية ومن حيث توازن الحال الثقافية ومن حيث شذود النظام السياسي حتى عند المقارنة مع أقل الإمارات العربية وزنا: فلا تكون العنتريات من علامات القوة بل هي من فنيات التستر على الضعف الحقيقي.
ولنأت الآن إلى الأستاذ الزعاترة. فمن عجائب فكر هذا الرجل أنه لا ينظر إلى المسألة في ذاتها قبل البحث في ما يريده منها بل هو يحصرها في ما يدعي أنه يريده منها: المصلحة العربية كما يراها هو حتى ولو أدى ذلك إلى أن يتولى هو وأمثاله من المحللين اختيار حكام إيران بدلا من شعبها. وهو يشارك هيكل في الدعوة إلى الوقوف مع إيران حصرا إياها في الملالي الحاكمين وحصر المصلحة العربية مع إيران في التحالف مع حكامها الحاليين دون أن يقنعنا بأنهم حقا أكثر شرعية من الثائرين عليهم.
والغريب أن هيكل لا يرى تناقضا بين وقوف مصر الناصرية ضد الشاه بحيث إنه لم يكن من دعاة الوقوف مع الواقف الحالي بل مع ما كان يتصوره من سيكون الواقف في المستقبل وبين الدعوة إلى الوقوف إلى جانب نجاد ضد موسوي رغم كون كبار أعلام النظام مالوا إليه فصار هيكل أدرى بمصلحة إيران من خاتمي وحتى رفسنجاني الذي أشار إلى مؤامرة دون أن يحدد حائكها من الصفين المتصارعين ما يعني بوضوح أنه يتهم نجاد لا موسوي. ومثل هيكل يرى الأستاذ الزعاترة. لم يدر بخلده أنه يمكن لمن يرفض رأيه أن يعلل الوقوف مع إيران بترجيح تمثيلها الحقيقي من قبل الصف الثاني في الأحداث الجارية فلا يبقى الخلاف حول من منا مع مصلحة إيران من أجل المصلحة العربية في المطلق بل حول كيفية تصور من يمثلها ومن يمثل الحلف معه خدمة لصالح العلاقات العربية الإيرانية ذات المدى الطويل.
ولو تابعنا منطق الرجل لاستنتجنا أن مصلحة الشعوب هي من آخر همومه بمنطق الريال بوليتيك ولا أظنني مغاليا إذا قلت نفس الأمر عن موقفه من المصلحة العربية. فالمهم علاقته هو مع الحاكمين الحاليين (ولعل هذا يصح على الكثير وربما بصورة أكبر على المطبلين للملالي من بين العرب المستفيدين من مالهم "الطاهر" في كل أقطار الوطن العربي). ولا يهم إذا كان من يريدنا أن نتحالف معهم لا يمثلون الشعب الإيراني. إنها نفس الحجة التي كان هو وأمثاله يدافعون بها على كل المستبدين من العرب بزعم مقاومتهم للعدو وهلم جرا من الكلام الذي لا يتصور المقاومة إلا سلبا وينسى أن تحقيق التحديث الاقتصادي والسياسي هو أهم وسائل المقاومة والتصدي. 
لم تعلمهم التجربة التاريخية أن الأنظمة العربية التي خدعت الشعوب بالثورية كانت أوهى من بيوت العنكبوت بدليل ما فعلته فيها هبة نسيم جوان 67 وبدليل كونها كلما جد الجد لجأت إلى من تتهمهم بالخيانة لتطلب منهم الضغط على من بيده الحل والعقد في سلوك العدو حتى يبقيهم على كراسيهم يلجأون متباكين على المصلحة العربية التي أساءوا التصرف فيها برهن بلدانهم إلى جانب الصف الخاسر في المعترك الدولي الذي لا ناقة لنا فيه ولا جمل: وهم يريدون الآن منا أن نكون إلى جانب الصف الخاسر سنة الله في خلقه الذين لا يتعظون. وإليك استدلال الأستاذ الزعاترة العجيب صاغه صائحا في إحدى حصص "حوار مفتوح": 
المقدمة المضاعفة: حكام إيران الحاليين يعادون إسرائيل وأمريكا وهم لا ينفكون يعلنون عن ذلك بصوت مرتفع (الصياح كاف). 
النتيجة المضاعفة: ومن ثم فهم أصدقاء العرب وأن معارضيهم يسعون إلى صداقة أمريكا وإسرائيل ومن ثم فهو أعداء العرب. 
وعجبي أنه لا يفهم أن عداء الملالي الظاهر ليس إلا دعوة للنجدة: فتأويله البين بوصفه موجها إلى يهود العالم هو: إذا لم تتوسطوا لنا عند أمريكا لتعترف بنظامنا ومن ثم لتتركنا وشأننا سنفسد على إسرائيلكم كل شيء. إن الأستاذ الزعاترة ممثل لكل الذين يخلطون بين السياسة ومنهاج المساومة عند الأنظمة التي تحتضر. ذلك أن من يحلل المعطيات الموضوعية لا يمكن أن يستنتج-مهما كان ساذجا- أن مصلحة إيران وإسرائيل البعيدة يمكن أن تكون متناقضة حتى لو عدنا إلى بداية التاريخ أو ذهبنا إلى نهاية التاريخ. فكلاهما يطمع في التهام بعض الأجزاء الرخوة من الوطن العربي خاصة بعد أن اكتشفت إسرائيل ما آمنت به إيران أعني أن الغزو الدائم هو الذي يبدأ بالروح وليس بالأرض.

 

 تونس في 2014.11.04

 

 

شوهد المقال 1165 مرة

التعليقات (0 تعليقات سابقة):

أضف تعليقك comment

  • أرسل إلى صديق أرسل إلى صديق
  • نسخة للطباعة نسخة للطباعة
  • نسخة نصية كاملة نسخة نصية كاملة
طالع أيضا
image

بوداود عمير ـ مارادونا ..شي غيفارا الرياضة

معظم صحف العالم اليوم، تحدثت عن رحيل مارادونا، الظاهرة الكروية العالمية؛ صحيفة "ليمانيتي"، أفردت غلاف صفحتها للاعب الارجنتيني، ونشرت عددا من المقالات عنه موثقة بالصور.
image

نجيب بلحيمر ـ وهم الحل الدستوري

نجيب بلحيمر  ما الذي يجعل كثيرا من الناس مطمئنين إلى عواقب تطبيق المادة 102 وإعلان حالة الشغور في منصب الرئيس؟لقد كان "المسار الدستوري" الذي فرضته السلطة
image

محمد هناد ـ تطبيق المادة 102 من الدستور أضحى أمرا ضروريا

د. محمد هناد  في هذه الفترة العصيبة من جميع النواحي، تجد الجزائر نفسها من دون رئيس دولة منذ أكثر من شهر. المعالجة الإعلامية المتصلة بمرض الرئيس
image

العربي فرحاتي ـ أبناء العمومة يلتقون ..في نيوم

د. العربي فرحاتي  قبل أزيد من أربعين سنة خاطب السادات الإسرائيليين ب "أبناء عمومتي" عند زيارته التطبيعية الأولى من نوعها في العلاقات العربية الاسرائيلية.. اليوم أعلن
image

عبد الجليل بن سليم ـ رسالة كريم طابو في ميزان السياسة

عبد الجليل بن سليم  أولا اتفهم الدافع الوطني الذي دفع كريم طابو لكتابة رسالة تنديد لم صرح به رئيس فرنسا حول الجزائر و تبون و دعهمه
image

عثمان لحياني ـ في ما يجب أن يقال لماكرون

عثمان لحياني  لا حكم على النوايا ، ولا حق لأحد مصادرة حق الغير في ما يراه فعلا سياسيا ، يبقى أن المضمون الوحيد الذي يجب أن
image

جيجيڨة براهيمي ـ بين الكونغرس الأمازيغي والجامعة العربية / الفصام الجغرافي والنكوص التاريخي العابر للكركرات بالصحراء الغربية.

د. جيجيڨة براهيمي بين هذا وذاك يعيش بعض الجزائريين أوهامهم بالاحتماء وبالانتماء . فريق باسم الأمازيغية يوالي المغرب بحجة احتضانه للكونغرس العالمي الامازيغي بالرباط؛
image

شكري الهزَّيل ـ جيش التنسيق الفلسطيني الى اين؟!

د.شكري الهزَّيل الغابة الفلسطينية تتسع ووراء كل شجرة تختبئ غابة أخرى من الاحاديث والاقاويل والمجموعات والملتقيات والنقاشات الى حد أصبحت فيه الخيانة الوطنية العلنية مجرد وجهة
image

محمد بونيلرسالة مفتوحة إلى السيد وزير المجاهدين..."في الجزائر الجديدة"!

محمد بونيل في صبيحة هذا اليوم الأحد 22 نوفمبر 2020، أفتح قوس (لهذا الشهر رمزية عظيمة، ففي الفاتح من شهر نوفمبر من عام 1954،
image

خديجة الجمعة ـ طال الغياب

خديجة الجمعة   هناك أعاصير في القلب فجرتها في لحظة انهيار. وتاهت مني الكلمات، فلم أجد أمامي إلا لوحة وألوان وأصبحت حينها كالمجنونة ارسم لكن ، هذه

:

لا توجد مدونات لهذا الموضوع

قيم هذا المقال

0
Free counter and web stats