الرئيسية | الوطن الثقافي | أحمد شعبان ..... لا أستطيع نسيان مالينا

أحمد شعبان ..... لا أستطيع نسيان مالينا

بواسطة
حجم الخط: Decrease font Enlarge font
image
 أحمد شعبان 
 
 
عندما كنت في ضيافة الشاعر عبد الخالق كيطان في مثل هذه الأيام قبل سنوات في عمان كنت أستيقظ في ساعة مبكرة في الصباح وأتجه لمكتبته بعد إشعال السخان ، كانت عمان باردة جدا تلك الأوقات وتعصف بشدة لكن لحظات الصبح المبكر قد تعلن هدنة بين العناصر وتسمح لبعض الأشعة بالتماس الشوارع وصالون شاعر هو الآن قصيدة صامتة على الطرف الآخر من الأرض، أتناول كتاب فولتير(رسالة في التسامح) حيث هو من الكتب المفضلة إليه وأبدأ في قلب صفحات تتناول في بدايتها لحادثة أججت مشاعر بين البروستانت والكاثوليك، لا أذكر أسماء أبطالها ولا مفرداتها فسرعان ما استيقظ الشاعر وطويت الصفحات وألقيت تحية الصباح فنحن في حضرة الشعر، كنت أنتظر منذ ذلك الصباح الفرصة لإنهاء الكتاب حيث أحاول رفد القلب بأي منبع للتسامح وفلسفته حيث لا أخلو من حقد وكراهية أسعى لتطهير النفس منه، المشكلة في مجيئي لبيروت تصاعدت فيّ كل مشاعر البغض للعنصرية التي تتعاطى معي كسوري لاجئ في كل يوميات مدينة تتوق للدم...لم تروها دماء أبنائها ولا حرب أهلية، يلزمني في وطني الجديد نقل لترات من الدم بعد كميات مصتها مني مصاصة الدماء تلك، ويأتي يوم لأضع (مالينا) في جهاز الDVD الخاص بالمحل وتلفاز سيتفكك في أي لحظة ويحسم سعره من راتبي الذي لم أستلم للحظة محصول شهر ونصف منه، كنت أسمع الكثير عن الفيلم وهيام الرجال العرب بمونيكا بيلوتشي، بالطبع كمثلي لدي مناعة وحصانة من تقييم آدائها من جهة جمالها...الجريمة التي تقوم بارتكابها طوال الفيلم، لا رحمة حين تتحول لأرملة وتدفن أول قصة حب وتحاكم، تلقي نفسها في حضن محامي لتسديد أتعابه محتملة رائحة عرق كريهة تفوح منه، لا يستطيع الزواج منها لأن والدته ترفض أن تحمل إسم العائلة عاهرة كمالينا، التي تجبر على التعهر مع الضباط النازيين لتأكل بعد مقتل والدها الأصم تحت قصف، وبعد التحرير تأتي البشاعة بهجوم الكل عليها، مشهد لا ينسى وتتناسى فيه نهديها المترنحان تحت قسوة الضرب، سترحل في قطار كما سأرحل في طائرة عما قريب تحت عيني سواد من آيام تخلو من الحب عوضتها باستمناء على ذكريات وأفلام أتوسل لأبطالها مشاركتي أسرتهم وأجسادهم، لن أعود لكن مالينا ستعود برفقة زوجها الطالع من آتون الحرب بذراع واحدة(مصادفة، أتمنى أن يكون حبي الأبدي ذو إعاقة)، تأتي مشهدية خلابة في رغبة المدينة كلها الإعتذار وتوسل غفران مالينا، إحدى النساء تنادي عليها في السوق .....بونجورنو سينيورا سكورديا.....وصمت ........يخيل لوهلة ومالينا تتأمل في الحشد أنه نهاية الفيلم لنتساءل إن كنا سنمضي بقية سنوات العمر في التساؤل إن كانت مالينا سامحت المدينة البحر الفجر مع سيجاره(مقدونيا إكسترا)......وتنطلق الشفاه ببطء:.....بونجورنو.....
بونجورنوا سنيورا مالينا ...بونجورنو سينيورا سكورديا ...تودين شراء البندورة هي هناك أرخص، بضاعة جميلة يعجبك هذا الجاكيت سينيورا مالينا خذيه سنتناقش في سعره لاحقا.....بونجورنو سينيورا مالينا ...سينيورا سكورديا بنجورنو....من وقتها وأنا أطالع الفيلم كل صباح وأحلم بأشياء كثيرة، أن تعتذر مني مدينة بأكملها لدى المرور في أسواقها بعد سنوات...أصبح لديه تجاعيد تحت عينيه..وزنه ازداد أيضاً، لا يزال جميلا...بونجور أستاذ أحمد، وألتفت وأنال شرف صمت مدينة تنتظر قبول اعتذاري لها، لا أعرف إن كنت سأرد التحية، أفكر بمالينا وأنسى فولتير وكتابه ...أنسى مس بيغي ونصير غدير وطارق العربي وعشيق كردي في وادي المشاريع ومن أخفاني كخطيئة ولم يراني أحد وأنا معه ومن قَبل أصابعي وحممني كطفل وكان على وشك أن يقول بأنه يحبني، أنسى غبريال وعبد الخالق كيطان، أنسى كل الرجال الذين أحببتهم ولم يحبوني، لكني لا أستطيع نسيان مالينا......

شوهد المقال 1419 مرة

التعليقات (0 تعليقات سابقة):

أضف تعليقك comment

  • أرسل إلى صديق أرسل إلى صديق
  • نسخة للطباعة نسخة للطباعة
  • نسخة نصية كاملة نسخة نصية كاملة
طالع أيضا
image

حمزة حداد ـ الجمهورية لا تحتاج إلى وسطاء !

حمزة حداد   إذا كان الدعاء هو الواسطة بين العبد وربه فان الحق في حرية الاختيار هو الواسطة الحقيقة والوحيدة بين المواطن ومؤسسات الجمهورية. بها يزكي
image

عثمان لحياني ـ رسالة الى متملق (سقاية لكل من دافع عن نظام الخراب)

عثمان لحياني              تُنسى كأنك لم تكنتنسى كأنك لحظة مرت..ونافذة لريحتُنسى كتفاح عَفِنْ  كنا نرتب قش عش حمامةفي الصيف.. ونحفر مجرى ماءوكنت تسرق من وطن  لا وجه لكالا ملامح
image

وليد عبد الحي ـ مستقبل الصراع العربي الصهيوني : 2028

 أ.د. وليد عبد الحي  هل يمكن النظر لصراع تاريخي وشمولي من خلال " اللحظة؟ ام لا بد من تتبع المسار التاريخي وتحقيبه للاستدلال على المنطق
image

بن ساعد نصر الدين ـ شيزوفرينا الشرطة

بن ساعد نصر الدين  شيزوفرينا الشرطة او انفصام الانسان بين حياته العادية و حياته العملية داخل المسالك الأمنية !!_ لا زال السؤال الاخلاقي يضرب عقل كل
image

ناصر جابي ـ الجزائر: هل سيحكمها الستيني أخيرا؟

د . ناصر جابي  كنت دائما مقتنعا بأهمية القراءة الجيلية ـ الديمغرافية للحياة السياسية في الجزائر. لما تملكه من قوة تفسير تاريخي. عندما يتعلق
image

نوري دريس ـ الحرية السياسية

 نوري دريس    الحرية السياسية هي أن تعيش تحت دولة القانون. الذين يعيشون في مناطق (انسحبت بشكل نسبي) منها سلطة الدولة لحسابات سياسية, لا يعيشون الحرية,
image

حميد بوحبيب ـ دائرة الطباشير الابتدائية : أبجد،هوز،حطي، كلمن... A.b.c.d.e.f.g...

د. حميد بوحبيب طلاسم اللغة ومفاتيحها ، منذ فجر ظهور المدرسة نتلقاها على أيديهم الهشة الناعمة ...هم ...هم المعلمون ، شيوخا تاع ليكول...les instituteurs...تصادفهم كل صباح
image

نجيب بلحيمر ـ الأسبوع الأخير من سنة أولى ثورة سلمية:

 نجيب بلحيمر  - منع ندوة صحفية للإعلان عن تنظيم لقاء لناشطين- قمع مظاهرة للمعلمين - تعيين كريم يونس في منصب وسيط الجمهورية الرسائل: - النظام يمنع المجتمع من تنظيم
image

عمار جيدل ـ الحراك الجزائري في ذكراه الأولى

د. عمار جيدل  حال حول حراكنا المبارك، وبقي وفيا لمبادئه المنشئة ثابتا غير مبدّل، متشبّثًا بسلميته، هذه السلمية التي أبهرت العالم وبيّنت بوضوح
image

عبد الجليل بن سليم ـ الحراك.....الوعي الشعبي .....أو هناك بناء جديد لضمير الخلقي الجماعي

 عبد الجليل بن سليم  منذ بداية الحراك و في كل التدخلات الصحفية لاشخاص سواء كانوا مع حراك الشعب أو كانوا مع النظام يتكلمون على الوعي

:

لا توجد مدونات لهذا الموضوع

قيم هذا المقال

0
Free counter and web stats