الرئيسية | الوطن الثقافي | فوزي سعد الله ..... لاَبْوَانْتْ بِيسْكَادْ: من مرسى "الذبَّان" إلى "الرَّايَسْ حَمِّيدُو"

فوزي سعد الله ..... لاَبْوَانْتْ بِيسْكَادْ: من مرسى "الذبَّان" إلى "الرَّايَسْ حَمِّيدُو"

بواسطة
حجم الخط: Decrease font Enlarge font
image

فوزي سعد الله 

 

 

قبل 1830م، كان مركز مراقبة بحرية متقدما مجهزا بالبطاريات والمدافع لرد الاعتداءات المسيحية القادمة من الضفة الأخرى للبحر الأبيض المتوسط، اشتهر آنذاك باسم "مرسى الذبان".. اليوم لم يبق منه في الذاكرة الشعبية سوى ماضيه القريب، لمحات من العهد الاستعماري ومتعة "التّْشَّبِّيكَاتْ" من المرفأ وصخوره إلى البحر...

غداة سقوط مدينة الجزائر بيد الاحتلال سارع الجنود الأهالي المرابطون بمرسى الذبان إلى إلقاء مدافع حصنهم في البحر حتى لا تقع بيد الأعداء والتحق البَاشْ طُبْجِي (قائد المدفعية) والطُّبْجِيَّة ببقايا المقاومة على الأطراف الجنوبية الشرقية للعاصمة. المؤرخ وعالم الآثار المستشرق ألبيرت دوفولكس ذكر في (المجلة الافريقية) أنه شاهد بأمّ عينيه في نهاية القرن 19م عددا من المدافع الملقاة في البحر بمرسى الذبان حينما يكون البحر هادئا. وقد تكون تلك المدافع ذاتها التي فضَّلتْ، أو أُرْغِمتْ على، الانتحار غرقا على الاستسلام للأعداء. في هذه الفترة كان الاسم الأصلي لهذا الكورنيش الصغير، الذي تزينه مجموعة من الصخور الكبيرة العائمة على سطح البحر على بعد حوالي 100متر من الشاطئ، قد بدأ يتلاشى ويغيب من الذاكرة، وعوضته الإدارة الاستعمارية باسم جديد بقي متداولا حتى اليوم وهو: لابْوَاْنْت بِيسْكادْ، والجزائر المستقلة أسمته: شاطئ الجنرال فرانكو الديكتاتور الإسباني الذي أنقذ بلاده من الانشطار خلال الحرب الأهلية ونصب نفسه ملكا عليها من 1939م إلى غاية وفاته عام 1975م ليخلفه الملك الحالي خوان كارلوس.غير أن الصحوة المحتشمة للذاكرة الجزائرية تخلت عن كل هذه الأسماء وأطلقت على مرسى الذبان وضواحيه منذ سنوات اسم أحد أشهر رياس البحر الجزائريين في العهد العثماني: الرايس حميدو بن علي الخيَّاط الذي كان يملك دارا عتيقة في هذه المنطقة من فحص مدينة الجزائر.

حسان طيرو… وبابور "المقروط":

بعد الاستقلال، كل ما كان يعرفه الناس عن هذه البقعة هو أنها تتوفر على أحد أجمل وأشهر الشواطئ العاصمية التي كان يرتادها الكولون من أصحاب الفيلات المحيطة بالشاطئ ومرفأ الصيد والسياحة الصغير الذي كان ممتلئا بالزوارق واليخوت ومراكب الصيد البحري، أما جزائريو المناطق الداخلية فأغلبهم اكتشفوا شاطئ ومرسى "لابوانت بسيكاد" في المشاهد الأخيرة من فيلم "حسان طيرو" أثناء البحث عن "البابور المْعَمَّرْ بالمَقْروطْ".بقيت طقوس الاصطياف على الشاطئ وعلى رصيف المرفأ مستمرة طيلة الستينيات والسنوات الأولى من السبعينيات؛ الشواء على الجمر، لقاء العائلات والأصدقاء تحت المظلات الشمسية على أنغام "المكناسية" و"سبحان الله يا لطيف"، مسابقات العوم حتى الصخرتين الضخمتين في عرض البحر المعروفتين بـ: "الدُّوزِيلُو"'(Les Deux Ilots)، أكواب قازوز "سيليكتو" و"كْروشْ" المنعشة التي تنتقل بتلهف من يد إلى يد لتروي الأفواه العطشى، وكذلك "التَّنْفيسَاتْ" تحت الماء من "الرُّوشي" (الصخرة) الأول إلى "الروشي" الثاني أمام نظرات إعجاب المراهقات الحالمات واندهاش الأطفال المبتهجين. قبالة الشاطئ، على يمينه ويساره، كانت تقاليد اصطيافية جديدة قد بدأت تتبلور في هذه السنوات في أوساط المراهقين والشباب وحتى بعض الكهول "البَلْدَة" من أبناء "القاع والباع" وتتمثل في منافسات "التشَّبيكاتْ" الموريسكية وغيرها والإبداع فيها بحركات بهلوانية من رصيف المرفأ أو من على الدعامات الخرسانية الأربعة المشهورة بـ:"لي كات بلونتون" المتواجدة على يمين شاطئ فرانكو.

"التشَّبِّيكَاتْ" الموريسكية

كثيرا ما كان الجمهور المصطاف المسترخي على رمال الشاطئ يجد متعة كبيرة في متابعة مشاهد الأجسام المتطايرة كالحِمم من هذه البقع العالية نحو البحر، الواحد تلو الآخر أو بشكل جماعي، "تشبيكات" على الصدر، على البطن، على الأرجل وحتى على الأنف.. وهناك أيضا "شبيكات" شاقولية كانت تُسَمَّى "بيك" (PIC) وأخرى تدعى "الموريسكاتْ"، لأنها جزائرية أصيلة مشتقة لغويا من كلمة "المورسيكيون" وهم اللاجئون من الأندلس في القرن 16م و17م...ويوجد من أشكال وأنواع الغطس الشعبية التي ابتدعت في "لابوانت بسيكاد" ما يسمح للجنة تنظيم الألعاب الأولمبية بإثراء برامج منافسات السباحة العالمية.. لكن فيها من الشدة والخشونة والعنف ما قد تقشعر له أبدان المتنافسين الأولمبيين الغربيين الحريصين جدا على عدم خدش "حقوق الإنسان"...لكن هذه الأجواء المرحة البريئة لم تستمر طويلا، لأن نهاية السبعينات جلبت لشاطئ فرانكو آفات أتت على جماله ونكهته القديمة، بحيث شاعت سرقة الملابس وحافظات النقود "وحتى كاسكروطات" بأساليب مباشرة وأخرى غير مباشرة بواسطة "السَّنَّارَة" من أعلى الشاطئ، واكتسح المنحرفون المرفأ وحَوَّلُوه إلى "مَحْشَاشَة" لاستهلاك الحشيش و"الزُّومْبْرِيطُو" (خليط من الخمر والمشروبات الغازية) و"الرُّوجْ" (نوع من الخمور الجزائرية) و"لَقْفَالِي" (الأقراص المخدِّرة) بأساليب فوضوية معادية لـ: "الحضارة" الغربية والشرقية، فهربت العائلات والمواطنون "المحترَمون" إلى شواطئ أخرى بحثا عن الراحة والأمن المفقودين.أثناء الثمانينيات والتسعينيات، أصبح هذا الشاطئ وكرا للانحراف أكثر منه بقعة للاصطياف ليزيده التلوث تدهورا حتى تراجعت قيمته في بورصة السياحة إلى الحضيض، رغم جماله الأخّاذ وماضيه العريق وثقله الحضاري، ولم يعد أحسن حالا في هذا المجال من شاطئ قاع السور بباب الوادي وضواحيها، وحُرم من خدماته جيش من الذين لا تسمح لهم إمكانياتهم الضعيفة بالتردد على شواطئ أخرى ذات مستوى أفضل وأتكاليف أعلى.

كَاسْكْرُوطْ "قَرَنْطِيطَة" بالإسمنت

"القَسْوِيلاَت"ْ العاصمية، "التشّْكَاتشَكْ" (جَمْعُ تْشَكْتْشُوكَة)، "الشّْطَاطَحْ" المدعَّمة بالأسماك المتوسطية، ما عدا سمك "البُورِي"، بسبب عدم احترامه لنفسه وللمقاييس الدولية للنظافة لتردده الزائد على حدِّه على مصبات "زِيقُوَّاتْ" العاصمة ليقتات من فضلات البشر،.. هذه المأكولات الخاصة بالنزهة على الشواطئ في فصل الصيف، لم تعد سوى ذكريات جميلة حاليا، ولو أن بعض الصيادين والمخضرمين الذين عايشوا فترتي ازدهار وانحطاط "فرانكو" لا زلوا متمسكين بطقوس هذه "الخرجات" البحرية بحرص شديد ولو كره الكارهون.لقد حلت محلها منذ سنوات كاسكروطات "القَرَنْطِيطَة"، والبيض المغلي، وكذلك كاسكروطات الطماطم وحتى الخبز "حَرْفِي"، أو "الحافي"، بماء"الأُوبِيَّالْ" (مؤسسة توزيع المياه الصالحة للشرب)، وتضاف لها في أحسن الأحوال فلفل "لَحْلُو" وبطيخة أو دلاَّعة، وبعد الانتهاء من التهام هذا الزاد، يسترخي مرتادو الشاطئ والمرفأ الذي هجرته زوارق ويخوت زمان، وأغلبهم من الأطفال الفقراء، ليستنشقوا غبار مصنع الإسمنت الواقع خلفهم على الطريق الوطني مرشحين أنفسهم للحصول على سرير في مستشفيات المدينة للعلاج من دائي الرّبو والسرطان.هذا ما حدث لمرسى الذبان منذ أن فقد طمأنينته وراحته في 5 جويلية 1830م ولم يفده في شيء اقترانه باسم جنرال وملك من طراز الراحل فرانكو ولا باسم أميرال شهير من عِيار الرَّايس حمِّيدو بن علي الخيَّاط...فصبر جميل إلى أن يأتي الفرج، لأن الجزائر كلها أصبحت كشاطئ فرانكو وخلجانه...

 

 

 

 

 

 

 

 

 

Lorsque la pointe Pescade était Marsa Eddebbane comme on l'appelait avant la colonisation en 1830... Remarquons le fort ottoman en haut à droite

 

 

 Début du 20 ème siècle: Marsa Eddebbane s'européanise, et perd son authenticité, il devient la pointe Pescade, et plus tard la plage Franco

 

 

 

 La mer se défoule et gronde à la pointe Pescade contemporaine

 

 

 

  La pointe Pescade et son por

 

 

 Pointe Pescade, le port; setting de scènes du film Omar Gatlato Errodjla de Merzaq Allouache

 

 

 

 A deux ou trois kilomètres avant d'arriver à la pointe Pescade. Ces cabanons Allah yarham....

 

 

 

  LEs deux ilots de la pointe Pescade au début du 20 ème siècle

 

 

شوهد المقال 3362 مرة

التعليقات (1 تعليقات سابقة):

mourad tadj في 12:04 20.01.2018
avatar
السلام عليكم أستاذ و تحية خالصة / إستفدت من قارءة تعريفك لمدينة الرhيس حميدو / و جدت مرسى الذباب في كتاب المسالك و الممالك للبكري(المتوفى: 487هـ/ 1092م ) فمن خلال موضوعك عرفت أن مرسى الذباب ه الرايس خميدو خاليا. فضلا هل لك معلومات عن مرسى هور، غرب رايس حميدو و مرسى جنابية وله جزيرة شرقها ؟

أضف تعليقك comment

  • أرسل إلى صديق أرسل إلى صديق
  • نسخة للطباعة نسخة للطباعة
  • نسخة نصية كاملة نسخة نصية كاملة
طالع أيضا
image

مريم الشكيلية - رسالة إلى لا أحد

مريم الشكيلية - سلطنة عُمان  هناك أشخاص يسكنون فراغك وآخرين يزاحمون تفاصيلك...لا أعلم إلى أي مدى سوف ندرك إننا واقعين في منتصف طريق بين جبهتين....ولا
image

علاء الأديب - الشعر الملمّع ..النشاة والهوية والمزايا

لم يسبق لأحد غير العراقيين بنظم هذا اللون من الشعر الذي مزج بين العاميّة والفصحى . حيث يكون صدر الببت فيه من اللغة العربية
image

شكري الهزَّيل - صادها وما صادها : السامج ومشتقاته!!

د.شكري الهزَّيل كان الحديث صاخبا وغاضبا حين اقسَّم " الاسلاموجي" بان هذا هو ليس " الاسلام" وان هذا الشخص لا يمت لنا باي صلة
image

أحمد جَلال - شبّبْ جِهازَك

 أحمد جَلال             شَبِّبْ جِهـازَكَ حَيْثُ كُنتَ وَكَيْفَمَـا
image

زاهدة العسافي - عنواني ... أمي

د . زاهدة العسافي  صغيرة كنت غير واعية على الحياة علمت أن أمي ماتت وهي تلدني تركتني واخوتي الثلاثة دون أن أراها أو احتفظ بصورة
image

خديجة الجمعة - ثورة

خديجة الجمعة  إنها ثورة القراءة ،حين كان أبي وأنا صغيرة يذهب بي إلى المكتبة الكبيرة ، والتي كنت أراها كساحة فضاء واسعة ، لأدور في رحاها
image

عادل السرحان - راع كردي

 عادل السرحان               أغنية راعٍ كُرديگوله باغ سأورِدُ أغنامي الماءَ و أعودُ إليكِأورد قلبي عينيكِنجمع أغصان الجوزنبني كوخاً من لوزوألملم غيم الوديان كي يمطر بين ذراعيك
image

خديجة الجمعة - الحضور و الغياب

 خديجة الجمعة  مابين الحضور والغياب اشتياق، ومابين الزهرة والأخرى رائحة فواحة، لكن حينما يتعلق الشعور بمحبوب إليك . وهو بتلك النظرة المتساقطة كأوراق خريف متناثرة
image

شكري الهزَّيل - الدم ما بصير مَّي :النظام صهيوني والشعب عربي؟!

د.شكري الهزَّيل تعيش الشعوب العربية منذ عقود من الزمن حالة قسرية حياتية ووطنية سقفها ومرجعيتها انفصام خطير بينها وبين من يحكمها من حكام انتهازيون وفاسدون
image

حميد بوحبيب - « موحا وممادو...»

د.حميد بوحبيب             »«»«يجلس موحا كل صباح على صقيع الرصيف...عين على حفنة النقود في قاع الإناءوعين على المارّة...على اليمين مقهى للشاي والقهوةوعلى الشمال مطعم قذرللأكلات السريعة الحارّةولكن

:

لا توجد مدونات لهذا الموضوع

قيم هذا المقال

0
Free counter and web stats