الرئيسية | الوطن الثقافي | فوزي سعد الله ..... الشيخ عبد الرحمان القينعي: "بـابـا نـوال" الفـقـراء

فوزي سعد الله ..... الشيخ عبد الرحمان القينعي: "بـابـا نـوال" الفـقـراء

بواسطة
حجم الخط: Decrease font Enlarge font
image

فوزي سعد الله 

 

 

يحفظ كل الناس المثل الشعبي العدواني القائل: "مائة يهودي ولا واحد بليدي.." لكن لا أحد تقريبا يتذكر ذلك البليدي ابن نهج السلوم (شارع دي توناك) الذي أسعف ما لا يحصى ولا يعد من الفقراء والمعوزين والذي ربما لم تلد الجزائر مثله منذ وفاته قبل أكثر من قرن.

كان يمتلك حقولا فسيحة وأراضٍ عقارية شاسعة بسهل المتيجة وضواحي مدينة الجزائر، وعددا كبيرا من الدكاكين والحمامات والمنازل والقصور خاصةً بقصبة الجزائر. طعامه خبز وزيتون طول العام، كما يقول الشيخ عبد الرحمان الجيلالي، وحرفته المفضلة هي التجارة في الحبوب والملابس والدباغة. لقد كان "ملياردير" زمانه بالعاصمة وضواحيها..، وذلك في نفس الفترة تقريبا التي برز فيها جون دافيد روكفيلر بولاية تكساس الأمريكية، بغض النظر عن نمطيْ معيشتهما المختلفين.

الملياردير "البخيل"

 

الحاج عبد الرحمان بن علي القينعي، ترك البليدة مسقط رأسه، وهو شاب صغير ليختار مدينة سيدي عبد الرحمن مقر إقامته حتى وفاته، فسكن بالقصبة بحي يعرف بـ: "خْرَب بن ميمون" بالقصبة السفلى بين حَيِّيْ سوق الجمعة ولاَلاَّهُمْ..
هناك نجح في تجارته ووَسَّع رأسماله وأصبحت ثروته مضربا للمثل وموضوعا للخرافات والأساطير والأعاجيب التي كان يتداولها عنه الناس والتي كانت تسترسل في الخيال عندما يتعلق الأمر بما سيعرف بـ: "كنوز الشيخ القينعي"... كان ذلك في بداية القرن 19م عندما كانت العاصمة لا تزال تحت حكم أواخر الدايات، علي خوجة والداي حسين.
بمرور الزمن، تحول القينعي إلى لغز كبير عند سكان مدينة الجزائر وسهل المتيجة الذين لم يهضموا أبدا التناقض الذي كان يعيش فيه سابحا في الثراء بين أكياس الذهب والفضة وحياة التقشف المُفْرِط التي كان يعيشها معتمدا على الكَسْرَة التقليدية أوالخبز والزيتون. فرموه بالبخل وجعلوا منه رمزا للشح والتقتير على النفس وموضوعا للنكت والتهكم..، لكنه لم يتأثر أبدا بالقيل والقال حتى آخر أيامه، واستمر في مزاولة الدراسة من محلاته التي كانت تقع في الفحص خارج باب عزون حيث المسرح الوطني الجزائري ومقهى طُونْطُونْ فِيلْ حاليا.

 

اللغز العجيب

 

في الوقت نفسه، كان سكان العاصمة والبليدة يتداولون أخبارا عجيبة من حين لآخر عن بعض زملائهم الفقراء الذين كانت تُطْرَقُ أبوابهم في غسق الليل، وحتى تحت الأمطار الغزيرة، ولا يجدون عند فتحها سوى أكياس من المال أو من الألبسة والأطعمة كثيرا ما غيرت أوضاعهم الاقتصادية-الاجتماعية وعالجتها إلى الأبد. 
هل كان الأمر يتعلق بـ: بابا نوال (Papa Noèl)، الذي يعرف العام والخاص أنه مجرد خرافة لم يعد يؤمن بها حتى الأطفال، أم بـ: روبين الغابة (Robin Des bois)...أم بـ: بن زَلْمَاطْ أو بـ: أَرَزْقِي أُولْبَشِيرْ "الصعلوكيْن" الشاوي والجَرْجْري اللذيْن كانا يسرقان الأغنياء من أجل إطعام الفقراء...؟
لا أحد تمكن من حل هذا اللغز الذي بعث الأمل والطمأنينة في نفوس الفقراء في أواسط القرن 19م. وكان على الجميع أن ينتظروا حتى سنة 1868م ليدركوا سِرَّ المساعدات المادية الكبيرة التي كانت تصل سرا إلى بيوت المحتاجين على طريقة حكايات ألف ليلة وليلة دون أن يُعرَف مصدرها...

 

في يوم 14 رمضان 1284هـ الموافق لـ 9جانفي 1868م، توفي الحاج عبدالرحمن بن علي القينعي في منزله بنهج السَّلُّومْ بالبليدة، ودُفن في مقبرة ضريح الولي الصالح سيدي احمد الكبير الأندلسي بوادي الرُمان، بنفس المدينة، على مقربة من قبر هذا الأخير. هنالك عرف الناس مِن مُقَرَّبي المرحوم بأن "بابا نويل" أو "روبين الغابة" العجيب لم يكن سوى الحاج القينعي لا غير...

ماذا بقي من ذكرى القينعي

 

قبل ذلك بسبع سنوات، قام هذا الابن البار لعشيرة بني قينع البُليدية، التي يتوزع أفرادها حاليا عبر سهل المتيجة بين دائرة بوينان ونواحي تابلاط، بالتنازل عن جميع أملاكه بعد وفاته للفقراء المسلمين بعاصمة الجزائر أمام رجال قضاء "المحاكمة" المالكية بالعاصمة، وذلك بتاريخ 17 رمضان 1277هـ الموافق لـ: 29 مارس 1861م. 
كما خصص نصيبا من هذا الميراث الذي قَدَّرَتْهُ السلطات الاستعمارية آنذاك بـ: 1 مليون فرنك فرنسي، "حوالي 15 مليار أو أكثر بالقيم الجارية" لقراء القرآن الكريم بضريح سيدي عبد الرحمان الثعالبي في كل ليلة جمعة وكذلك لقراء مسجد مدينة البليدة. وحسب الشيخ عبد الرحمان الجيلالي: "لا يزال هذا الوقف نافذ المفعول إلى يومنا هذا".
أما أبناؤه، فلم يترك لهما الشيخ القينعي سوى شيء قليل يحفظهما من الفاقة ويحفظ كرامتهما، فخصص لابنه الحاج محمود 150 فرنك كل شهر والدار التي كان يقطنها بالقصبة، وقد توفي في حياة والده… وجعل لابنته عائشة ولزوجته عائشة بنت اسماعيل 75 فرنك شهريا لكل واحدة منهما مع احتفاظهما بمسكنيهما.. فقط.
تحولت أموال الشيخ إلى رصيد إسلامي بـ: "دار الصَدَقة"، التي أسسها الاستعمار قرب ساحة الشهداء في سنة 1857م لمساعدة الفقراء والمعوزين، وكان وسط دار هذه المؤسسة مزينا حتى بدايات الاستقلال بلوحة كبيرة تحمل صورة الشيخ القينعي.

 

لم يبق من ذكرى هذا البليدي الكريم اليوم سوى اسمه الذي اطلق على شارع صغير يقع بين حَمَام سيدْنا ومديرية الشؤون الدينية (قصر الشتاء أو قصر الداي حسان) قرب جامع كتشاوة ودائرة باب الوادي في القصبة السفلى على بُعد عشرات الامتار فقذ من ساحة الشهداء. 

هكذا كان أثرياء المدينة قبل أكثر من قرن...وقد كانوا فعليا أثرياء في مالهم ونفوسهم...ماذا عن أثرياء اليوم؟ "عين على المقلية...وعين على المشوية"....!!!

 

 

 

الجزائر في القرن بداية القرن العشرين 
 
باب عزون ونباتات سيدي منصور في الاسفل  
 
 
 
 قاعدة القصبة ساحة الشهداء 
 
قاعدة القصبة ويظهر جامع الجديد الحنفي بداية القرن العشرين  
 

شوهد المقال 3291 مرة

التعليقات (0 تعليقات سابقة):

أضف تعليقك comment

  • أرسل إلى صديق أرسل إلى صديق
  • نسخة للطباعة نسخة للطباعة
  • نسخة نصية كاملة نسخة نصية كاملة
طالع أيضا
image

الثمن الباهظ

الثمن الباهظ شباب في سجن وكلاء الاستعمار دولة مدنية ماشي عسكرية جزائر جزائرية حب من حب وكره من كره 
image

جلال خَشِّيبْ ـ "النهاية الجديدة للتاريخ" بَرَاغ خانا

إعداد وترجمة: جلال خَشِّيبْ، باحث مشارك أول بمركز دراسات الإسلام والشؤون العالمية (CIGA) مجلّة المصلحة القومية، 06 مارس 2021، الولايات المتحدّةالكلمات المفتاحيّة: الجيوبولتيك، العلوم السياسية، نهاية
image

حكيمة صبايحي ـ جلالة "الهايشر"

حكيمة صبايحي  من أطلق لفظة "الهايشر" على الشعب الجزائري؟ ماذا تعني لفظة "الهايشر"؟ طبعا لا يمكن أن تعني إلا لفظة سوقية تحط من شأن الشعب الجزائري،
image

جمال الدين طالب ـ لماذا يزعجهم "التاجديتيون"؟ بعض الأفكار لمحاولة الفهم ...

بقلم: حسني قيطونيترجمة: جمال الدين طالب تحليل ممتاز للباحث والمخرج الأستاذ حسني قيطوني نشره اليوم على صفحته على فيسبوك ولم أستطع الانتظار لترجمته بسرعة للعربية ومستقبلا
image

Kitouni Hosni ـ Pourquoi les Tadjadit dérangent ?

Kitouni HosniQuelques idées pour tenter de comprendre...Le cas Mohamed Tadjadit a provoqué une controverse au sein du Hirak et bien au-delà. Pour la première
image

نصرالدين قاسم ـ الجمعة 112 الحراك راسخ في السلمية ولكل حدث حديث..

نصرالدين قاسممثل أحرار السلمية في توادهم وتعاضدهم وتضامنهم كمثل الجسد الواحد إذا اشتكى منه عضو تداعى له سائر الجسد بالسهر والحمى.. في الجمعة الثانية عشرة
image

حماد صبح ـ قراءة في كتاب " السهم المرتد " رفيف دروكر

 حماد صبح يتناول هذا الكتاب أحداث الانتفاضة الفلسطينية الثانية التي انفجرت في 28 سبتمبر 2000 احتجاجا على زيارة شارون إلى المسجد الأقصى ، وتعبيرا عن غضب
image

"أُريد ابنا واثقا في نفسه" أول إصدار للكاتبة " مريم عبد الحميد شريبط" عن دار قيرطا للنشر والتوزيع.

الوطن الثقافي ـ ح . و  يصدر عن دار قيرطا للنشروالتوزيع بقسنطينة أول مُؤلف للكاتبة والأُستاذة "مريم عبد الحميد شريبط"، بعُنوان " أُريد ابنا واثقا
image

يسين بوغازي ـ الفٌلول ضد شباب الرئيس ؟!

  يسين بوغازي   رٌفع لثامٌ  زمن تشريعي جزائري ، رفع بمقاسات  جزائر  جديدة  فبدا  غريبا عجيبا يحتاج قراءة وتأمل ؟! 
image

سعيد لوصيف ـ في مسألة الوحدة والمجتمع المفتوح

د. سعيد لوصيف   في مسألة الوحدة والمجتمع المفتوح : أو كيف ينبغي أن يتجه التفكير في مأسسة الصراعية في ديناميكية التحول.. شرعنة معيار عام يحتكم إليه

:

لا توجد مدونات لهذا الموضوع

قيم هذا المقال

0
Free counter and web stats