الرئيسية | الوطن الثقافي | الثورة الفكرية وقود الثورة التحريرية ..

الثورة الفكرية وقود الثورة التحريرية ..

بواسطة
حجم الخط: Decrease font Enlarge font
image


كشفت لنا الصفحات التاريخية المشرقة للجزائر بأن الثورة التحريرية المظفرة كان قوامها العلم والأخلاق الفاضلة ، حيث غرس بذرتها مشائخ وأقطاب العلم والمعرفة في الجزائر من صناع أمجاد " جمعية العلماء المسلمين الجزائريين " ، أمثال : الشيخ عبد الحميد بن باديس ، الشيخ البشير الإبراهيمي ،الشيخ العربي تبسي ،الشيخ مبارك الميلي ، الشيخ إبراهيم بيوض ، الشيخ الطيب العقبي ، الشيخ أبي اليقضان ، وآخرون صدقوا ما عاهدوا الله عليه ، وأيقنوا يقينا تاما بعد قرن الشيطان الفرنسي (1830-1930) بضرورة تكتل الجهود التربوية والإصلاحية ، لإبطال مفعول الجهل الذي هندسه المحتل ونشره بين أوساط الجزائريين ، علماء أماجد ساهموا بحق في محاربة تيار التنصير الاستدماري من خلال تنسيق الجهود لإعلاء كلمة الله في المساجد والمدارس والزوايا عبر كامل التراب الوطني ، معرضين حياتهم لخطر الاعتقال والتعذيب والإعدام والنفي .
فرنسا كانت تسعى جاهدة بالترغيب وبالترهيب لطمس الهوية الإسلامية والتنوع اللغوي والحضاري المتميزين في الجزائر ، فكانت في إطار سياستها التجويعية ترصد منحا لمن يلتحق بمدارسها التنصيرية مع امتيازات مغرية ، ومن جهة أخرى كانت تقصف المساجد والمعاهد القرآنية مع من فيها من الطلبة والمشائخ أو تعتقل المعلمين وتغلق متاجر من ثبت دعمه للمدارس القرآنية ، وكانت تضطهد الأسر والعائلات التي ترفض تعليم أبنائها في مدارس فرنسا ، وكان الاحتلال يقطع السبيل أمام أي نشاط ممكن أن يكون دعما وسندا للثوار سواء أكان نشاطا إعلاميا وثقافيا أو دينيا أو سياسيا .
فكانت فرنسا تتخذ أسلوب الإرهاب لإخضاع الجزائريين وإقناعهم بالقوة بضرورة تخليهم عن هويتهم الدينية والوطنية .
لقد تأكد لدى الشيخ عبد الحميد بن باديس بأن العلم هو أهم سلاح لمجابهة مخاطر فرنسا ، فبادر رفقة ثلة مباركة من علماء الجزائر المجددين والمصلحين إلى تأسيس " جمعية العلماء المسلمين الجزائريين " ، معلنا بذلك تدشين أولى خطوات التحرر من ظلمات الجهل الاستدماري ، خطوات مباركات كان لها الفضل في بلورة الوعي الجزائري وتهيئته لاستقبال نداءات أبطال الجزائر ( رفقاء السلاح )في ما يعرف بثورة الفاتح من نوفمبر لعام 1954م .
ولعل من أهم الركائز التي أرساها الشيخ بن باديس وأتباعه الفضلاء دعما لمسعى التحرر والمحافظة على الهوية الإسلامية الجزائرية ، القيام بحملات فكرية مضادة في المدارس وبصفة سرية متكتمة ـــــــ في كثير من الأحيان ـــــ كانت تهدف إلى تقوية العقيدة الصحيحة وتهذيب السلوكيات والدعوة لنيل العلوم والمعارف، وتشجيع البعثات الطلابية والتأكيد على وحدة التراب الوطني وأخوة الشعب الجزائري، وتشجيع ثقافة التنوع وأهمية الثراء في الأعراق والمذاهب من خلال صحافتها النشطة وأفواجها الكشفية الشبابية، ومحاربة البدع والخرافات وإنشاء الجمعيات الخيرية لرعاية الفقراء والأرامل واليتامى والمساكين ولمحاربة سياسة التجويع التي أتقنتها فرنسا ، والتشجيع على الكسب الحلال وامتهان الحرف .. ولتحقيق ذلك جندت الجمعية علماءها لتوجيه الناس وإرشادهم في المساجد والنوادي الثقافية والرياضية والكشفية وفي المقاهي التي لعبت دورا إيجابيا إبان الثورة التحريرية المباركة ، زيادة على ذلك مناسبات الأفراح والمآتم .
لقد كانت لجهود جمعية العلماء المسلمين بالجزائر ـــــ اجتماعيا وإعلاميا و ثقافيا ــــ الأثر الكبير في بلورة الوعي الثوري لدى فئات الجمهور الجزائري فكانت بتعبئتها الكبيرة نعم السند لسلاح جيش التحرير الوطني إلى أن تحقق الهدف وهو استقلال الجزائر واسترجاع عزة وكرامة الشعب الجزائري وإعلاء كلمة الله وإذا الحفاظ على الهوية الإسلامية وما أحوجنا اليوم إلى تلك الجهود لاستكمال أهداف الثورة التحريرية في إطار مشروع " الثورة الأخلاقية " التي نحن في أمس الحاجة إليها لتحصين هويتنا الإسلامية والوطنية ولضمان مستقبل العزة والكرامة لأرض الشهداء ، وثورة الأخلاق لن تتحقق بتسابق المصالح الحزبية ولكن تتحقق بتوحيد الهدف وتنسيق جهود العلماء وهذا بعودة الدور الريادي المعتدل والناصح لجمعية العلماء المسلمين الجزائريين ، فنجاح أي ثورة مهما كان مجالها يرتبط بالثورة الفكرية وإلا ففشلها حتمي ومؤكد .
يقول الأستاذ محمد الغسيري رحمه الله : "إن أية ثورة لا يكتب لها النجاح إلا إذا سبقتها ومهدت لها الثورة الفكرية، وكانت مدرسة عبد الحميد ابن باديس بحق في طليعة هذه الثورة الفكرية".


شوهد المقال 2314 مرة

التعليقات (0 تعليقات سابقة):

أضف تعليقك comment

  • أرسل إلى صديق أرسل إلى صديق
  • نسخة للطباعة نسخة للطباعة
  • نسخة نصية كاملة نسخة نصية كاملة
طالع أيضا
image

علي سيف الرعيني ـ الجابري الشاعر اليمني شاعرالارض والانسان

علي سيف الرعيني   الشاعرالجابري هوالأكثرتميزا شنف اذاننا بقصائده بمختلف اللهجات اليمنية نحن نتكلم عن الانسان المغرم بحب الارض والانسان ، لديه كتاب في علم العروض طريقة
image

ناصر جابي ـ هل صحيح أن الجزائر مقبلة على دخول اجتماعي وسياسي مضطرب؟

د. ناصر جابي  هذا ما توقعته مؤسسات دولية مختصة في دراسة الأزمات (كريزيس قروب) crisis group- ووكالة بلمبيرغ التي عادت للاهتمام بالوضع في الجزائر
image

نجيب بلحيمر ـ حديث المؤامرة

نجيب بلحيمر   في الصفحة الرسمية لرئاسة الجمهورية على فيسبوك نقرأ بيانا جاء فيه: "أمر اليوم رئيس الجمهورية السيد عبد المجيد تبون، الوزير الأول بفتح تحقيق
image

طارق السكري ـ اليمن خارج التعاطف

  طارق السكري  " نحن في نظر الدولة : خارجون على القانون . محل ريبة وعرضة للملاحقة أو النفي أو السبي . أو قبيلة من
image

خديجة الجمعة ـ عالم آخر

خديجة الجمعة   أنا وحدي عالم آخر لاأعرف نفسي، أينما ذهبت. فقد أكون موسيقى تعزف على وتر؛مرهفة الحس. وقد أكون في لحظة ما  تلك الصلبة التي لاتهزها
image

عادل السرحان ـ ماذا أُهديكِ يا بيروت

عادل السرحان                ماذا أهديكِ يابيروت سوى الكلمات ماذا أهديك وقد شُرِعَتْأبواب  الوطنِ  للسراق وللراياتهم ذبحوا كل الثورات هم كسروا كل الناياتْواغتالوا ألقَ الماضي وزهوَ  الحاضرِ والآتْماذا أهديكِ سوى الدمعاتفالدمعُ  كثير في وطني والجُرحُ
image

حميد بوحبيب ـ سيد الحماقات

د. حميد بوحبيب         للطبيعة حماقاتها... غديرٌ يتهادى رقراقا بين السهول ثم يغورُ فجأة في رحم الأرض ولا يعود إلى الظهور !
image

عثمان لحياني ـ موت السياسة في الجزائر

عثمان لحياني  مستوى السلطة السياسية كان أرقى بكثير في العقود السابقة، على الأقل كانت تعتمد نظرية المؤامرة عندما يتعلق باحداث أكثر جسامة ،كانتفاضة كأكتوبر
image

عبد الجليل بن سليم ـ فيروس COVID 19 علاقته مع الأصحاء، قلق الخوف

 د. عبد الجليل بن سليم  الان الكل و دون اسثناء يعرف مادا يفعل الفيروس بالذي أصابه لكن ماذا يفعل الفيروس بابالاضافة إلى العزلة و الحجر
image

مروان الوناس ـ الإشهار وسيلة ابتزاز النظام للصحافة الجزائرية

 مروان الوناس  منذ ربع قرن على الأقل كل المشتغلين في حقل الصحافة والاعلام يعرفون أن الاعلانات الحكومية التي توزعها شركة النشر والاشهار

:

لا توجد مدونات لهذا الموضوع

قيم هذا المقال

0
Free counter and web stats