الرئيسية | الوطن الثقافي | فوزي سعد الله ..... بجاية مدينة عالمية مثقلة بجواهر التراث الأندلسي

فوزي سعد الله ..... بجاية مدينة عالمية مثقلة بجواهر التراث الأندلسي

بواسطة
حجم الخط: Decrease font Enlarge font
image

 فوزي سعد الله 

 

 

 

"....اكتسبت بجاية منذ القرن 12م صبغةً اجتماعية – ثقافية أندلسية طغت على مختلف نواحي حياة البحائيين حتى "عُدَّتْ من حواضر الأندلس ولم يماثلْها في ذلك ببلاد المغرب الأوسط سوى تلمسان..." يقول ناصر الدين سعيدوني . 
قبل هذه الفترة ببضعة أجيال، "لم تكن بجاية في منتصف القرن 11م، حسب البكري، سوى ميناء صغير محتشم يسكنه الأندلسيون" ، وذلك منذ ميلادها عام 1067م وحتى قبل أن يُحوِّلها الناصر الحَمّادي إلى عاصمته مُتخلِّيًا عن قلعتِه الشهيرة . 
وقد عمَّرها أهل قلعة بني حمّاد ثم الأندلسيون بشكل رئيسي لاحقا، إضافةً إلى سكان المناطق المحيطة ببجاية والتي يطغى عليها العنصر الأمازيغي . 
البكري يؤكد أن مدينة بجاية كانت قبل انتقال الحمّاديين إليها تتوفر على جالية أندلسية غالبيتها من التُّجَّار والبَحّارة الذين جعلوها تدريجيا مركزا تجاريا متوسطيا هاما، مثلما حدث مع حواضر أخرى آنذاك من بينها عنابة وتنس ووهران. كما كانت محطة للمتنقلين بين المشرق والأندلس وأيضا لأهل العِلم والثقافة الذين كان أحد أشهرهم شيخ الصوفيين، وشيخ "الشيخ الأكبر" محي الدين بن عربي، سيدي أبو مدين شعيْب الإشبيلي في نهاية القرن 12م …

 

بجاية ارتبطت ارتباطا وثيقا بالحياة الأندلسية وبمرافئ شرق الأندلس على وجه الخصوص على غرار بلنسية (Valencia) ودانية (Dénia) وطرطوشة (Tortosa) وألمرية (Almeria) وقرطاجنة (Cartagena)، يقول ناصر الدين سعيدوني في دراسته "التجربة الأندلسية بالجزائر"، مما زادها قدرة على استقطاب الأندلسيين لتَشَابُهِ مناخِها مع مناخ أقاليم شرق الأندلس

الهجرات الكبرى من الأندلس إلى عاصمة بني حمَّاد بدأت خلال فترة انهيار دولة المُرابطين عام 1145م وتكثَّفتْ عندما بدأ النظام الموحِّدي الذي تلاه يتفكك منقسما إلى دويلات عام 1230م.

وترسخت الروح الأندلسية لهذه المدينة الواقعة في شمال شرق الجزائر مبكرا خلال العهد الحفصي حيث تبنَّتْ العادات والتقاليد الأندلسية وأنظمة التعليم وأساليب الحُكم التي كانت سائدة في شبه الجزيرة الإيبيرية حينذاك، بالإضافة إلى ازدياد انتشار اللغة العربية. فقد أقبل البجائيون أكثر على هذه اللغة في تخاطبهم اليومي أكثر من ذي قبل وبلهجة أندلسية التي يصفها ناصر الدين سعيدوني بـ: "الرَّقيقة المَخارج واللطيفة العبارات والغنية بالمفردات" وتبنوا رقتهم ولطف سلوكهم وحتى ميلهم القوي للاستمتاع بالموسيقى وممارستها.

 

"...في عهد بني حفص، في القرن 13م، توافدوا (الأندلسيون Ndlr) عليها، فرادى أو مع عائلاتهم، بعدما أجْبَرَتْهُم على ذلك سياسةُ الاسترجاع الإسبانية..." يقول روبيرت برانشفيغ. 
كما لا يجب أن يفوتنا أن سلاطين وأمراء بني حفص الأوائل تلقوا تكوينا ثقافيا وسياسيا أندلسيا حيث عاشوا في الأندلس ونشطوا فيها كإطارات إدارية/سياسية سامية لدى دولة الموحدين قبل انشقاقهم عنها عندما ضعفتْ وترهلتْ. 
ربما كان بعضهم يشعر أنه أقرب إلى الأندلسيين وجدانيا وعاطفيا وثقافيا منه إلى أيِّ فئة أخرى من المسلمين في منطقة المغرب الإسلامي. 
ولعل أبا زكريا الحفصي يُعدُّ أفضل شخصية من الشخصيات السياسية الحفصية التي ارتبطت ارتباطا وثيقا بالأندلسيين منذ أن كان عاملا موحديا يَحكُم إشبيلية، مما شجَّع موجات اللاجئين والمهاجرين الإشبيليين على الرحيل بأعداد غير مسبوقة إلى بجاية في الفترة التي أعقبت سقوط دولتهم.

 

هؤلاء البجائيون الجُدد هم الذين جددوا ووسَّعوا ميناء مدينة بجاية في عهد السلطان أبي العباس أحمد ليتأقلم مع ظروف العصر ويلبي احتياجات هذه المدينة متزايدة النمو. وقدّم الأندلسيون إسهاما رئيسيا في عملية تحديث الأسطول البحري للسلطان فطوَّروا قدراته الدفاعية عن بجاية

وقد لا يكون كل هؤلاء البجائيين "جددا" بالضرورة، لأن التاريخ الإسلامي يشير بوضوح إلى حركة ذهاب وإياب بين الأندلس والمنطقة المغاربية وأحيانا للعائلات أو القبائل ذاتها. وهو ما يشدد عليه أيضا الباحث الفرنسي دومينيك فاليريان (Dominique valérian) بالاعتماد على ما تبقَّى في المنطقة من الذاكرة الأندلسية قائلا: "يُحْكَى لدى إحدى العائلات البجائية العريقة أن أسلافَها غادروا المنطقة للمشاركة إلى جانب الجيوش الإسلامية في فتح إسبانيا، ولمّا تم استردادُ الأندلس من طرف المسيحيين، عاد أحفادُهم (الأسلاف Ndlr) للاستقرار في بجاية. ذاكرة الأصول الأندلسية ما زالت إذن دائما حاضرة" في المنطقة.

 

النجاح الاقتصادي والاجتماعي الذي حققه الأندلسيون رسَّخ أقدامَهم في حاضرة بجاية التي تُسمَّى اليوم بـ: "القصبة"، وحوَّلهم إلى شريحة أرستقراطية قوية نفوذا ومالا وديمغرافيا ضمن سكان هذه المدينة التاريخية العتيقة. 
لقد وُجد حيٌّ بأكمله سكنته أغلبية من الأندلسيين عُرِف بـ: "حَوْمَة الأندلسيين". ومَن يطَّلع على كتاب روبيرت برانشفيغ حول "أرض البربر الشرقية" ، على حد تعبيره، خلال العهد الحفصي سيكتشف أن جالية أندلسية مُستقرَّة ومُهيكَلة كانت راسخةَ الوجود في مدينة بجاية عام 1250م برئاسة زعيم يمثلها يُدعى "رأس الجماعة الأندلسية" .
برانشفيغ الذي يعتقد أن غالبية سكان بجاية كانت أمازيغية لا يتردَّد في التأكيد أن الأمازيغ والأندلسيين شكَّلوا العمود الفقري للثروة الديمغرافية للمدينة. 
وبلغ عدد منازل بجاية في أوج ازدهارها "24 ألف منزل تتوزع على 21 حيًّا ينتشر بها 72 مسجدا، في مقدمتها الجامع الأعظم ومسجد القصبة الأميري" ، فضلا عن فضاءات التربية والتعليم و"الحمامات والخانات والأسواق" والترسانة والمرسى والأسوار التي تحيط بها والأبواب والأرباض والفحوص الخضراء بالجنان والبساتين والمتنزهات حيث قال أبو الحسن علي بن سعيد المغربي بعدما شاهدها كجنة مترامية الأطراف على ضفاف وادي الصومام إن هذا الوادي كان "في نهاية من الحُسن، على شاطئيه البساتين والمتنزهات ويتفرج فيها أصحاب المراكب" ...

 

 

وكانت حينها في بجاية الفنون الموسيقية من مقومات الحياة اليومية في الوسط السكاني الأندلسي الذي جلب معه عاداته وفلكلوره حيث كان "البجائيون ميالين إلى المرح والموسيقى والرقص، لا سيما منهم الأمراء الذين لم يُشهِروا الحرب قط على أحد" حسب حسن الوزّان، الملقب في أوروبا بـ: ليون الإفريقي، في كتابه "وصف إفريقيا" الذي ألَّفه في بداية القرن 16م . بل يذهب إلى حد القول: "لا يوجد فرد واحد في بجاية لا يُحسن العزف على الأقل على آلة موسيقية واحدة".
"هوس الموسيقى الملاحَظ لدى السلطان الحفصي في ذلك العصر، وهو أبوعبد الله بن الحسن" ، على حدِّ قول برانشفيغ نقلا عن ليون الإفريقي، كانت له ارتدادات في بجاية. ويوضح برانشفيغ بالاعتماد على "نفح الطيب" لأحمد المقري قائلا: "لقد كانت الموسيقى الرائجة في البلاط والمدينة هي الموسيقى "الأندلسية" التي جلبها أبو الصلت أمية بن عبد العزيز إلى إفريقية في العهد الصنهاجي، قبيل الغزوة الموحّدية. وهي موسيقى راقية ومهذبة، ما زالت آثارها باقية إلى يومنا هذا في البلاد التونسية، تحت اسم "المالوف"، (...)، ومما لا شك فيه أن السكان الريفيين قد احتفظوا بموسيقى أبسط من الموسيقى الأندلسية، وهي ذات اصل عربي أو بربري أو عربي بربري، لم تنقرض تماما آنذاك" .

 

 

ولمَّا خفّ وهج بجاية الحضاري وتراجع إشعاعها الثقافي واضمحل عمرانها مع دخول المحتلين الإسبان مطلع القرن 16م، إليها "فإن الشجرة الأندلسية المباركة التي احتضنتها البيئة البجائية وعملت على تنميتها، ظلت عروقُها حيَّةً وطاقتُها كامنةً في ريف بلاد القبائل، الذي هاجر إليه أغلب علماء بجاية الأندلسيين هروبا من الإسبان؛ فقد نجح هؤلاء العلماء في تأسيس الزوايا والمعاهد العلمية بوادي الصُّومام وجَرْجْرَة وبني يَعْلَى وتَامُقْرَة وفي مقدمتها زوايا سيدي عبد الرَّحمن اليَلُّولِي وسيدي علي بن الشريف وسيدي أحمد بن إدريس وسيدي منصور والشيخ أعراب وأولاد مصباح وغيرها"، يقول سعيدوني، نضيف لهم أل أُولَحُضَيَّرْ (أو أُولَحْضِيرْ) الذين ما زالت زاويتهم في منطقة آقْبُو في بجاية تُزار إلى اليوم، مما عزز "المناعة الحضارية" للجزائر في مواجهتها المخططات التغريبية الاستعمارية الفرنسية وعبَّد "الأرضية لظهور الحركة الوطنية الجزائرية في القرن 20م" على حد تعبير ناصر الدين سعيدوني. 
ومن بين العائلات البجائية المنحدرة من هذا الرعيل الأندلسي/الموريسكي، وبما لا يدع مجالا للشك، نذكر عائلة سعيدوني التي ينحدر منها المؤرخ ناصر الدين سعيدوني، وعائلة بُوزُوزُو التي اشتهرتْ أجيال كاملة منها في مختلف علوم الشريعة الإسلامية والقضاء وغيرها من العلوم، فضلا عن المهندسين المعماريين الذين ساهموا في بناء مدينة الجزائر في القرن 17م. ومن أشهر أفراد آل بوزوزو في القرن 20م الشيخ محمود بوزوزو المثقف الكبير، الصحفي، المترجم، المجاهد في ثورة التحرير، وعالم الدِّين، والأستاذ المُحاضِر في جامعة جنيف في سويسرا، وعاشِق الشِّعر والموسيقى العربية الأندلسية الذي توفي قبل أعوام في مهجره السويسري...

 

بجاية هي كل هذ العمق والجمال وكل هذه العظمة التاريخية التي تجعلها مدينة من أكثر المدن الجزائرية بل والعالمية المُثقلة بجواهر التراث الأندلسي البشري والثقافي بعدما دمَّر المحتلون الإسبان في القرن 16م غالبية إرث هذا التراث العمراني...ولو أنها اليوم ضحية لعُمَى الذاكرة..."....

 

 

 
 
 

شوهد المقال 2213 مرة

التعليقات (0 تعليقات سابقة):

أضف تعليقك comment

  • أرسل إلى صديق أرسل إلى صديق
  • نسخة للطباعة نسخة للطباعة
  • نسخة نصية كاملة نسخة نصية كاملة
طالع أيضا
image

وليد عبد الحي ـ مشروع سمو الأمير حسن للشرق الاوسط

أ.د .وليد عبد الحي نشرت صحيفة يديعوت أحرنوت مع نهايات شهر شباط/ فبراير الماضي نص رسالة او مقال منسوب لسمو الامير الحسن حول رؤيته لمشكلات
image

عبد الجليل بن سليم ـ الحراك بين.le peuple و l'individu

د . عبد الجليل بن سليم  قبل ما نبدا. مستحيل تفهم السياسة و الانسان ما قراش التاريخ، شخصيا من أهم الفترات اللي أفادتني ياسر في فهم
image

بوداود عمير ـ الاشعاعات النووية من الصحراء الجزائرية لجبال فرنسا

بوداود عمير   تظهر الصورة منظرا من السلسة الجبلية "جورا" الفرنسية على الحدود السويسرية، وهي منطقة معروفة بكثافة ثلوجها وسُمكها، وقد تحوّلت من اللون الأبيض إلى اللون
image

نصر الدين قاسم ـ عور التحليل وبؤس التدليل

نصرالدين قاسم أعاب بعض الإخوة بعض الشعارات التي رفعها بعض المحتجين، وهتفت بها حناجر بعض الغاضبين في مسيرات الجمعة السادسة بعد المائة، ووجدوا فيها صهوة للتحامل
image

نجيب بلحيمر ـ مجازفة التأويل " شعارات الحراك الجزائري "

نجيب بلحيمر  الاستغراق في التحليل قد يحجب عنا التفاصيل البسيطة التي نراها على الأرض، والاجتهاد في البحث عن قراءات تؤكد ما نفكر فيه يؤدي في بعض
image

رشيد زياني شريف ـ اسئلة للقانوني رضا دغبار حول الحراك الجزائري

د. رشيد زياني شريف  لا نخوّن أحد، لكن، لن تكمموا أفواهنا، نحن أحرار ولا نساوم فيما نعتقده حقاأوجه جملة من الأسئلة إلى السيد رضا دغبار، هي
image

أبوطالب شيبوب ـ كلمتين بالدارجة الجزائرية لمن يحاول التحريض على الحراك الجزائري

أبوطالب شيبوب  كلمتين بالدارجة راهم في خاطري وبغيت نقولهم قبل ما نرقد.. بالاك غدوة نموت ومازالوا حاصلين ليا في الڨرجومة: راه كاين واحد الفرق ااواضح -
image

العربي فرحاتي ـ نقد النقد ضروري..أيضا ..المتنمرون على الحراك الجزائري

د. العربي فرحاتي  كنا ننتظر من نخبنا الحراكية بعد هذه الهبة الاستئنافية للحراك أن تقرأ المشهد الاستئنافي بروية وبصيرة وتوجه انتقاداتها إلى السلطة .وتحثها على
image

خديجة الجمعة ـ امرأة ثلاثينية

خديجة الجمعة وقفت امرأة ثلاثينية، تخاطب نفسها!! اهو الزمان قدعصف بي أم أنا عصفت بهذا الزمان؟! وهل هم الأصدقاء مابرحوا ينتظرون الزهور التي أعددتها لهم؟ أم
image

مريم الشكيلية ـ على مائدة الكلمات

مريم الشكيلية ـ سلطنة عماندعاني ذات فصل لوجبه عشاء على أظرفة شتاء...قال لي :جميل لون الوشاح الذي يطوق عنقك..قلت :يا سيدي أنا أنثى ترتدي الفصول

:

لا توجد مدونات لهذا الموضوع

قيم هذا المقال

0
Free counter and web stats