الرئيسية | الوطن الثقافي | محمد شوقي الزين ...... عندما يكون الخطأ مدعاة لاكتشاف شيء جديد

محمد شوقي الزين ...... عندما يكون الخطأ مدعاة لاكتشاف شيء جديد

بواسطة
حجم الخط: Decrease font Enlarge font
image

د.محمد شوقي الزين

 


لما اطلعت على قراءة الأستاذ صبحي حديدي لكتابي <الثقاف في الأزمنة العجاف> في صحيفة <القدس العربي> قبل أيام، وقع نظري على كلمة كنتُ أقصد بها شيئا، لكن القارئ صبحي حديدي قرأها بصيغة أخرى لم أتوقعها ولم تكن في الحسبان. استعدت على التو فكرة اللاهوتي البروتستانتي والفيلسوف الألماني فريدرش شلايماخر، صاحب نظرية <التكهن> التي انتقدها غادمير، وكان يقصد بها شلايماخر أن يضع القارئ نفسه في جلدة الكاتب ويحيا معيشه، ولربما فهم شيئا أحسن منه، أو اكتشف شيئا لم يخطر على بال الكاتب. يبدو لي أن شلايماخر كان له نصيب من الحق، لأن القارئ يكتشف أحيانا لدى الكاتب أموراً لم تخطر على بال الكاتب، لأن الكاتب لا يرى ذاته بذاته في محض حضوره البديهي، ولكن يرى ذاته دائما بحضور الآخر كمرآة يرى فيها ملامحه وبعض العيوب التي تكشفها المرآة. 
عندما أوردتُ في خاتمة الكتاب عنوان <السُنبلة والرمز>، فكنتُ أقصد السنبلة (بضم السين) وهي النبتة (لأربطها بنظرية يوهان غوته حول النبات وإسقاطه على فكرة تطور الحضارة، والتقارب الألسني مع "السنبلون" اليونانية و"الشبولت" العبرية)؛ لكن صبحي حديدي قرأ <السنبلة> (بفتح السين)، وكان يفكر حتما في تعريب كلمة <الترميز> symbolisation. أعترف أنني لم أكن أقصد ذلك، ولكن فكرة <السَنبلة> التي قرأها صبحي حديدي سهواً أو هكذا بدت له في معرض قراءة الكتاب، أتاحت لي اكتشاف شيء، دائما في سياق نظرية شلايماخر والتي أكد عليها مترجمه الفرنسي وأحد كبار المنظرين للترجمة أنطون برمان (Antoine Berman)، هي أن الترجمة التأصيلية (التي يعتمدها الفرنسيون في ترجماتهم) هي في العُمق ترجمة إثنومركزية (ethnocentriste)، تسحق منطوق الآخر ورؤية العالم التي يحملها، نحو <ترجقلمة> (هكذا أعربها: الترجمة+الأقلمة Tradaptation، من اقتراح منظر آخر للترجمة وهو جون رونيه لادميرال Jean-René Ladmiral) تجعل من منطوق اللغة-الأم في علو تقني وثقافي على لغة الأجنبي المراد ترجمته. 
لهذا السبب هاجم شلايرماخر بعنف، وأيضا أنطون برمان، هذه الترجمة التأصيلية التي تنفي، بشطحة نرجسية، منطوق الآخر بمنطوق ذاتي لا يعبر، في نهاية المطاف، سوى عن ذاته، في الأصالة الوهمية للسانه، والتمتع النرجسي بلغته؛ بينما الغرض من كل ترجمة هو النظر في رؤية الآخر للعالم من خلال لغته ورموزه، وهو أمر أكد عليه فلهلم هومبولت، مقتفيا أثر شلايرماخر، في دراسته المقارنة للغات. وبالتالي، أفادتني قراءة صبحي حديدي في أن نجعل من الترميز هو السَنبلة (بفتح السين)، لنبقى في إطار المرجعية للثقافات والألسنة التي نترجمها إلى اللغة-الأم. تبقى معرفة ما المقصود بالسَنبلة (بفتح السين) من وجهة نظر أن نطبق صورة النبتة السُنبلة على قضايا أدبية أو فكرية، وتؤدي في الوقت نفسه دلالة الترميز بالمعنى الأعجمي، سليل السنبلون (sumbolon) اليوناني، والذي كان يعني في الأصل تقسيم شيء إلى حصتين متساويتين، وبمعنى أعم وجود شيئين متساويين، أحدهما ظاهر، يدل على شيء باطن، يرمز له ويحيل إليه: مثلا الميزان رمز العدالة. فكيف ستكون <السَنبلة> من وجهة نظر تقنية ونظرية؟ هذا ما لم أكن أتوقعه، ورغما عني سأفكر فيه. 
حول دور القارئ الحاسم في صياغة النص، يمكن الرجوع إلى نظرية الأمريكي ستانلي فيش (Stanley Fish)، نظرية راديكالية قال فيها أن النص لا وجود له، والقارئ هو مبتكره وصانعه.

 



شوهد المقال 3125 مرة

التعليقات (0 تعليقات سابقة):

أضف تعليقك comment

  • أرسل إلى صديق أرسل إلى صديق
  • نسخة للطباعة نسخة للطباعة
  • نسخة نصية كاملة نسخة نصية كاملة
طالع أيضا
image

جباب محمد نور الدين ـ السير في الاتجاه المخالف و المسدود

د. جباب محمد نور الدين  قبل سفري إلى الشرق وإقامتي المؤقتة فيه للدراسة ،كنت قد قرأت عن الاستبداد الشرقي كما وصفه "هيغل" وبعده
image

مكتب الأمم المتحدة لحقوق الإنسان يدعو الجزائر إلى إنهاء استخدام العنف ضد المتظاهرين المسالمين

أعرب مكتب الأمم المتحدة لحقوق الإنسان عن القلق البالغ بشأن تدهور وضع حقوق الإنسان في الجزائر واستمرار وتزايد القمع ضد أعضاء الحراك المنادي
image

عثمان لحياني ـ انتزاع حق التظاهر و أحزاب الحراك في سجون الداخلية

عثمان لحياني  الثورات لا تطلب رخصة، حراك انتزع حق التظاهر انتزاعا، تقر به السلطة الآن بعد أن نجح الحَراك في امتحان العودة الى الشارع.الحراك مثّل مدرسة
image

وليد عبد الحي ـ البابا فرانسيس: هل جئت العراق تطلب نارا ام تشعل البيت نارا

أ.د.وليد عبد الحي التغطية الاعلامية التي حفلت بها زيارة البابا فرانسيس الى العراق اليوم بخاصة من قناة تقدم نفسها على أنها قناة "المقاومة" تكشف
image

نجيب بلحيمر ـ على طريق "استحالة الحكم"

نجيب بلحيمر  الشارع لا يقيم وزنا لما تقوله "نخب" العالم الافتراضي، وحملات الدعاية والتضليل بلا أثر عليه، هذه خلاصة واضحة يمكن أن يراها كل من تابع
image

نوري دريس ـ السلطة الجزائرية واستمرار سياسة الإنكار

د. نوري دريس  للاسبوع الثالث علي التوالي, خرج الالاف من الجزائريين الى شوارع المدن للتعبير عن رفضهم لنمط تسيير الدولة الحالي, والمطالبة بببناء دولة القانون.
image

رضوان بوجمعة ـ استمرار الضغط الشعبي وغياب العقل السياسي

د. رضوان بوجمعة  الجزائر الجديدة 197 دخل الحراك الشعبي السلمي، اليوم، جمعته الثانية من عامه الثالث، ورغم كل هذا الوقت الذي مر، لايزال الإصرار الشعبي من
image

خديجة الجمعة ـ الرحيل

خديجة الجمعة  احتاج إلى الرحيل عن العالم؛ والغوص بالأعماق . أعماق الروح، لأن لاأفكر بأحد، لأن أحب ذاتي ، لأن أعشق وجودي في الكون. نعم قرأت
image

عز الدين عناية ـ الكنيسة في العراق

عزالدين عنايةأعادت الأوضاع المتوترة التي تعيشها منطقة الشرق الأوسط في السنوات الأخيرة، لا سيما في العراق وسوريا، تحريك مسألة الأقليات والطوائف في الأوساط الدينية والسياسية
image

بوداود عمير ـ "أبي، ذلك القاتل" من أدب الإعتراف جرائم فرنسا في الجزائر ثييري كروزي

بوداود عمير  هناك بعض الأعمال الأدبية تبدو مرتبطة "بالذاكرة"، تتضمن شهادات إنسانية مؤثرة، تشرح التاريخ في بعده الأخلاقي والإنساني، من عمق الواقع."أبي، ذلك القاتل": كتاب صدر

:

لا توجد مدونات لهذا الموضوع

قيم هذا المقال

0
Free counter and web stats