الرئيسية | الوطن الثقافي | عبد الزهرة زكي .... مواساة وعقدة ذنب

عبد الزهرة زكي .... مواساة وعقدة ذنب

بواسطة
حجم الخط: Decrease font Enlarge font
image

 

 عبد الزهرة زكي 
 
ينسحب الشعر من زمن العالم، فينحسر في يوم سنوي على تقويم الحضارة الأرضية بطورها الأخير، بينما يستمر الشعر حاضراً وفاعلاً في كل لحظة من الزمن اللا نهائي لحضارة الروح الإنساني.
في واحد من مبررات تكريس العالم يوماً للاحتفاء بالشعرتمتزج المواساة، مواساة الشعر والشعراء والمفتونين بسحرهما، بعقدة الذنب، ذنب العالم وهو ينأى عن الشعر أو يتخلف عنه، لا فرق في ذلك، وفي هذه المسافة الآخذة بالاتساع ما بين الإثنين، الشعر والعالم.
امتزاج مشاعر المواساة التي يبديها العالم بعقدة الذنب التي يعانيها، لا يمكن معه نكران أهمية الإجراء الأممي بتكريس يوم للشعر يحيّي العالم من خلاله حيوية إصرار شعراء الأمم والشعوب المختلفة من أجل الحفاظ على الشعر، وعلى دوام وجوده في جوهر تاريخ الروح الإنساني في هذا المناخ العاصف الذي تندفع فيه الحضارة ويتغير معه كل شيء في كل حين.
خلال التاريخ كان الشعر يشكل حاجات مختلفة للمجتمعات باختلاف الأمم والثقافات والظروف، ولكنه بوجه أساس وقبل احتياج المجتمعات إليه كان حاجةً حقيقية لمؤلفيه الشعراء، حاجتهم لرؤية العالم والوجود روحياً عبر الشعر.
حاجات العالم للشعر هي احتياجات تالية لحاجة الشعراء إليه.
صحيح أن كثيراً من شعر الشعراء تلوّن وانطبع بحاجات الناس إليه، وانصاع شعراء إلى متطلبات وإغراءات حاجة الآخرين، وهو ما جعل حاجة الآخرين تتقدم على حاجة الشاعر الداخلية للشعر، إلا أن التاريخ الحي للشعر، بأرفع نماذجه، ظل هو التاريخ الذي صنعته إلإرادات الفردية الحرة للشعراء النادرين، الذين ظلوا على مدار التاريخ غرباء عن العالم والحياة والمجتمعات، ماكثين في الأعماق السحيقة لدواخلهم، حتى وهم في ذروة اندماجهم بهذا العالم.
كان يمكن للشعر أن يظل محدوداً في تداوله، كما هو الحال الآن، وكما هو شأن الشعر الاستثنائي في كل العصور، الذي هو نتاج للحاجات الداخلية لمؤلفيه، وما كان ليضير الشعر أن يظل محدوداً، فواحد من دواعي شيوعه، هو هذه الاستجابات التي قدمها الشعر للطلبات، وانشغل بها بما يرضي الطالبين ويشبع حاجاتهم، وبما أسهم في توريط الشعر بتفاهات كثيرة كسب في المقابل منها انتشاراً أوسع.
شعر عصرنا بات محدوداً في تداوله وفي مدى الحاجة إليه، لكن هذه المحدودية لا تعزى إلى كونه استثنائياً في قيمته، وحتى حين نؤشر أن الرفيع والوضيع من شعر مختلف العصور، هو أيضاً لم يعد يشكل حاجة أساسية للقراء والناس بشكل عام، فإن هذا التأشير لا ينزّه الكثير من الشعر المعاصر من الاستغراق في مشكلات مستحدثة، لا تقل فداحةً عن الاستخدام الاستهلاكي للشعر حين يكتب بناءً على المتطلبات.في الشعر المعاصر سيكون العبث الهزيل بالشعر من خلال ألعاب أدعياء الشعر ونزق المتهورين أو المخدوعين بدعاوى التجريب الفارغ، هو شكل مستحدث من أشكال سوء الشعر، ولكنه سوء لم يدفع إلى تعميق غربة الشعر واغتراب الشعراء، وإنما إلى ضعف الثقة به حتى في الداخل من الصفوة الأكثر قرباً من الشعر.
لا ينبغي من الشعراء الاكتراث بأزمات تسويق الشعر وترويجه، هذه  مشكلات لا تعني الشاعر، وإنما هي أزمات حضارات معاصرة، باتت تنأى وتعمّق المسافة بينها وبين حضارة روح الانسان.
ليست مسؤوليات الشعر في أن يلتفت إلى الوراء من أجل نيل رضا العالم، لكن مسؤوليته الحقة هي في التطلع إلى أمام وقد تنظّف من آفات كثيرة ألحقتها به فوضى التفكير من خارجه والعبث بقداسته وتدمير جوهره الأساس كصانع للمعاني كما تقدمها روح الشعر لا كما تبتذلها الحياة.
مهمة الشاعر أن ينتج الشعر.

 

الصباح العراقية  

شوهد المقال 1260 مرة

التعليقات (0 تعليقات سابقة):

أضف تعليقك comment

  • أرسل إلى صديق أرسل إلى صديق
  • نسخة للطباعة نسخة للطباعة
  • نسخة نصية كاملة نسخة نصية كاملة
طالع أيضا
image

علاء الأديبالنصر للذباب والبعوض... من قصص الحرب

علاء الأديب المكان موضع تحت الأرض بثلاثة أمتار مغطى بالصفيح وكومة من التراب في إحدى جبهات القتال والساعة تقترب من الثامنة مساء.ودرجة الحرارة اكثر من 54.درجة
image

محمد محمد علي جنيدي ـ على حرفي

محمد محمد علي جنيدي                    على حَرْفٍ من الفُصْحَىأُهَادِي الحَيْرَى والجَرْحَىيُسَامِرُ ودُّكُم قلبيولا يَغْفُو إذا أَضْحَىعلى حَرْفٍ بإفْصَاحِونُورٍ مِلءَ مِصْباحيتُسَافرُ دَمْعَتي دَوْمالِبُلْدانٍ وأرْوَاحِأيَا حَرْفِي بلا مَأْوَىتَسِيحُ وأَحْمِلُ
image

نجيب بن خيرة ـ من بعيد .... جماجم.... وجماجم

د. نجيب بن خيرة   رجوع رفات الشهداء إلى أرض الوطن ليس مَزيةً من فرنسا ( البغي ) تتفضل به علينا ... إنه حق شعب في
image

وليد عبد الحي ـ حماس وفتح: تمويه الاستراتيجي بالأخلاقي

 أ.د.وليد عبد الحي  الاعلان الاخير عن لقاء قيادات من حماس وفتح لبحث " تحقيق وحدة وطنية" للرد على القرار الاسرائيلي بضم اجزاء من الضفة
image

عبد الجليل بن سليم ـ مناورة النظام الجزائري اطلاق معتقلي الرأي وهو في la crise و كل قرد و بنانتو the red herring gambit

د. عبد الجليل بن سليم  أولا الحمد لله على أنه هناك مجموعة من معتقلي الحراك من أبناء الشعب أطلق سراحهم (الحمد لله على السلامة كريم
image

العربي فرحاتي ـ لنتعامل مع الحقيقة التاريخية لا مع تجار الحقيقة التاريخية

د. العربي فرحاتي  فسر لجوء بومدين بعد انقلابه على بن بلة ١٩٦٥ إلى تجميع رفاة قادة الثورة وإعادة دفنهم تكريما لهم..بأنه بحث عن شرعية ثورية
image

طيبي غماري ـ الذاكرة والتاريخ ..والسيدة التي ساعدتنا في مركز ارشيف ماوراء البحار بفرنسا

 د. طيبي غماري   بمناسبة النقاش حول الذاكرة والتاريخ والأرشيف ومراكزه، ساقص عليكم هذه القصة التي أتذكرها دائما وارغب في روايتها كلما أتيحت لي الفرصة. في
image

محمد زاوي ـ فريد علي بلقاضي وابراهيم سنوسي الباحثان الجزائريان ودورهما في استرجاع جماجم القادة شهداء الجزائر ..الجماجم عار فرنسا

زاوي محمد   يرجع الفضل في اكتشاف جماجم القادة الأولين للمقاومة الجزائرية لمواطنين جزائريين ليس لهما أي إنتماء حزبي في الجزائر ولا أي متدادا
image

عثمان لحياني ـ يأتي الشهداء..يصمت الجميع

 عثمان لحياني  عندما ذهب الزعيم نلسون مانديلا في أول زيارة له الى باريس عام 1994 ، كان أول مطلب قدمه هناك ، استرجاع رفاة سارتجي
image

عبد الباقي صلاي ـ للاستطاعة ... حدود !

عبد الباقي صلاي في تجربة أجرتها نخبة من العلماء الباحثين حول قدرة النملة التي ضحك سيدنا سليمان عليه السلام لجرأتها، وصبرها ،وحرصها الشديد على

:

لا توجد مدونات لهذا الموضوع

قيم هذا المقال

0
Free counter and web stats