الرئيسية | الوطن الثقافي | الدكتور محمد شوقي الزين في حوار ثقافي ممتع مع فائزة مصطفى

الدكتور محمد شوقي الزين في حوار ثقافي ممتع مع فائزة مصطفى

بواسطة
حجم الخط: Decrease font Enlarge font
image

حاورته: فائزة مصطفى

لقد أصدرت كتاباً جديداً تحت العنوان التالي: «الثقاف في الأزمنة العجاف: فلسفة الثقافة عند العرب والغرب» (منشورات الاختلاف، منشورات ضفاف، دار الأمان، 2013، 784 صفحة). يشبه هذا العنوان العناوين السجعية السائدة في العصور العربية العريقة. هل استعملت ذلك لمحاكاة التاريخ الفكري، العربي والإسلامي أم لدافع آخر نجهله؟ وهل حدثتنا عن المحتويات التي تناقشها في كتابك؟

 image

بالفعل كانت معظم العناوين في تاريخنا الفكري والثقافي هي عناوين سجعية، شعرية، منمقة؛ وأيضا عناوين طويلة كالتي أستعملها. لماذا تأتي العناوين التي أستعملها طويلة وسجعية؟ لا أستعمل السجع لغاية فنية فقط، ولكن لغرض نظري وفكري، بمعنى ينبغي التمعّن جيداً في العنوان لاستقراء مكوناته وماذا تريد هذه المكونات قوله عبر الحروف البارزة والكلمات العريضة. لا ألجأ أيضاً إلى السجع لاستدراج عصر ذهبي قد ولّى، خصوصاً أن العديد من العناوين السجعية في الفقه وعلم الكلام كانت فنية محضة (أي لضرورة شعرية) ولم تكن للكلمات حمولة نظرية إلا ما تقتضيه الحاجة السجالية أو الحكمية. العناوين التي أختارها تعبّر عن فلسفة قائمة بذاتها: ما معنى أن يكون العنوان هو أيضاً فكرة يستقطب في ذرّته البارزة شساعة الكون النظري؟ هذه العلاقة بين العنوان والنص، في تبادلهما الدلالي، هي التي أتدبّرها وأحاول فهمها في نطاق الكلي والجزئي، الأصلي والفرعي، إلخ. أخيراً، قراءتي المعمّقة لكتابات ابن عربي طبعتني على هذه الصيغة وإليك هذا العنوان المدهش: «رسالة الإتحاد الكوني في حضرة الإشهاد العيني بمحضر الشجرة الإنسانية والطيور الأربعة الروحانية». فهي رسالة كوسمولوجية وميتافيزيقية حول الاتحاد بين الكوني والإنساني عبر حوار بين  طيور أربعة: الغريبة العنقاء، المطوقة الورقاء، الغراب الحالك، العقاب المالك. وكل طير له رمزية خاصة: الجسد، العقل، النفس، الروح، إلخ. كانت عناوين ابن عربي، هي الأخرى، فلسفة قائمة بذاتها، يماثل فيها بين العالم العلوي والعالم السفلي. لو جاز لنا رسم هذا المشهد في لوحات زيتية، سيكون لنا بلا شك أروع رسوم فنية، وأشجع الرسامين لقراءة ابن عربي ورسم مشاهد مصوّرة بنقل المضامين من النصي المقروء إلى العيني المشهود، لأننا نفتقد إلى أشياء في الفن كالتي تزخر بها الكاتدرائيات ذات المعمار القوطي أو الباروكي في أوروبا.

بشأن المحاور التي يعالجها الكتاب، فهي تنحصر في ثلاثة توجهات رئيسية: أولاً، العلاقة بالذات وتخص فلسفة التكوين والتثقيف واعتمدتُ في ذلك على مفاهيم بارزة في بعض الثقافات وهي "البايديا" الإغريقية (التربية) و"التهذيب" العربي و"البيلدونغ" الألمانية (التكوين/التثقيف). تعكس هذه المصطلحات طريقة تشكيل الذات بالأدوات التربوية والثقافية، وتهذيب القوى والملكات بتوجيهها نحو غايات إبداعية وجمالية؛ ثانياً، العلاقة بالأداة وتخص فكرة الشيئية، وقمتُ بالاشتغال على مصطلح كان شائعاً عند العرب وهو "الصناعة" بإعادة إحيائه وربطه بالمبحث الذي يهمني وهو الفلسفة والثقافة القائمتين على فكرة الصناعة والإبداع والابتكار منذ التحديد المعاصر مع فتغنشتاين ودولوز؛ ثالثاً، العلاقة بالآخر وتخص تشكيل رؤية حول العالم وتصوّر حول الوجود، وربط الذات بما هو خارج عنها سواء تعلق الأمر بأشياء تقوم بفبركتها (منطق الصناعة) أو بكائنات تتواصل معها (منطق التصوّر). الرابط الأساسي بالعالم هو اللغة التي هي ظاهرة ثقافية في تمثّل العالم وتجسيده في خطاب، وفي التواصل بالأشخاص عبر الحوار والنقاش العمومي.

بناءً على هذه التوجهات قمتُ بقراءة أهم النصوص لفلاسفة ومفكرين جعلوا من الثقافة والحضارة مبحثهم المباشر أو مرتبطاً بميادين أخرى كالسياسة والاجتماع والفن والدين وأخص بالذكر في الفكر الغربي: جون جاك روسو، ويليام هومبولت، ألبرت شفيتسر، جيورج زيمل، إرنست كاسيرر، نيتشه، حنه أرندت؛ وفي الفكر العربي الإسلامي: مالك بن نبي، محمد عزيز الحبابي، قسطنطين زريق، سلامة موسى، علي حرب. إذا وردت كلمة "الثقاف" في العنوان، فلأنني قمتُ بوضع الأسس المبدئية لفكرة "الثقاف" والتي أعني بها الأمر (التربوي، السياسي، النظري..) في تسوية الرؤى والطباع. فهو بمثابة قالب تستوي به السلوكيات والتصوّرات بمعقولية حاولتُ التنظير لها، ووجدته أقرب إلى بعض المصطلحات مثل "النموذج" عند روث بنيديكت، "الباراديغم" عند توماس كون، "الهبتوس" (العُرف/الملكة) عند بيير بورديو، إلخ. اخترتُ هذه المفردة في العنوان لهذا الغرض بالذات وأصبو بها إلى المفهوم والاصطلاح عندما أتعمّق في الاشتغال عليها وإبراز مضامينها التاريخية والإبستمولوجية. فهي مفردة عربية عريقة أحاول نفض الغبار عنها وجعلها مصطلحاً فكرياً بوصفه ماركة عربية مسجّلة. وهي مفردة متعذّرة الترجمة intraduisible، فليس لها مقابل في اللغات الأخرى، ماعدا إذا استعملتُ بعض المتقابلات التي أشرتُ إليها سابقاً وهي النموذج، الباراديغم، العُرف، وأيضاً الطراز، المعيار، المرجعية، المحك، المثال، إلخ. يتعلّق الأمر بشيء مقوّم للتصوّرات والسلوكيات والذي يمكنه أن يكون ثقافة سياسية أو دينية أو علمية تشكّلت عبر التاريخ وطبعت الأفراد بخاتم الوثوقية أو اليقينية؛ فهي أدوات في التقويم والتربية بقدر ما هي مجالات هذا التقويم ذاته. لم ألجأ إلى إحياء هذه المفردة عبثاً ومحاولة الاشتغال عليها، لأنها توفّر لنا العُدّة المفهومية لقراءة المجالات الراهنة. هل سأفلح في نفض الغبار عن هذه المفردة والارتقاء بها إلى مصاف المفهوم، كأداة في القراءة، كمصطلح في المقاربة؟ هذا ما أعمل من أجله وآمل الاضطلاع به.

ترتكز كتبك على دراسات سوسيولوجية وأنثربولوجية وفلسفية وحتى التنظيرات العلمية في الوقت الذي يهيمن الأدب بنثره وشعره والتراثيات على المنشورات في العالم العربي، فهل هي مسألة تراجع النخبة المتخصصة في النقد الفلسفي والعلمي أم هو أمر متعلق بمقاطعتهم وتعرضهم للإهمال الاعلامي والثقافي في بلدانهم لاسيما وأن هناك أسماء عاشت في المنفى على غرار محمد أركون مثلا؟

لقد اخترتُ وجهة معقدة تتطلب الصبر والتركيز؛ لأن الأمر بالنسبة لي هو بناء رؤية أو نظرة حول الأمور التي تهمنا في السياسة والثقافة والدين والعلم والأدب والأخلاق. كنتُ في فترة من حياتي الفكرية قد تناولتُ مواضيع متنوعة على الطريقة "الصحفية" بمعالجتي لمشكلات الحداثة والمثقف والسياسة والعقلانية. لا شك أنني سأواصل على هذا الدرب، لكن أعير اهتماماً خاصاً للخبرة النظرية بقراءة النصوص والاشتغال على المصطلحات ونحت المفاهيم والتدرّب على الأدوات والمناهج لكي تكون قراءتي مستوفية الشروط، متكاملة الأطراف، متعاضدة العناصر، متماسكة الأواصر، تلج في صُلب المعضلات وتساير الوقائع وتبحث عن الجذور والأصول والفروع وتاريخية التشكّل والتطوّر وإفرازات المراحل وإرهاصات السياق، إلخ. لهذا السبب تخليتُ عن النعت "المثقف" لأتنكر في زيّ الخبير والقارئ والباحث، أي كل الخصال التي تقتضي الوقوف على التفاصيل والتركيز على المعطيات بلغة مفهومية، بلاغية، بحثية، لا تدع مجالاً للتسرّع في الحكم أو الخلط بين الوضعيات. إذا هيمن الأدب اليوم بمجالاته وأجناسه، فلأن ثقافتنا هي بالتعريف "ثقافة نصية" منذ أن كان النص هو مرجعية شبه مطلقة في تراثنا (الشعر قبل الإسلام وبعده، القرآن، القصص السردية كألف ليلة وليلة، إلخ). يبقى المجال الفكري ضئيل لهذا الاعتبار النصي والفني، ولأن اللغة العربية لم تتطوّر مع الزمن، بل شهدت انحساراً منذ القرن الثالث عشر، أي منذ بداية الهبوط الحضاري للثقافة العربية الإسلامية. والفكر يساير اللغة ويغذّيها، لكن الفكر ليس بالعمق والكثافة المرجوّة؛ واللغة تساير الفكر وتمدّه بالقوالب الاصطلاحية، لكن اللغة كما نتداولها اليوم لم ترتق بعدُ إلى درجة الابتكار المفهومي الفاعل والحاسم سوى في نطاقات محصورة من العلوم الإنسانية والاجتماعية. على عاتقنا، نحن المشتغلون في ميدان هذه العلوم الإنسانية، أن نقوم بتثوير اللغة ووهبها الصور اللائقة بها بالحفر في طبقاتها والاقتباس من ذخائرها. ولا يكون ذلك فقط بالعرض الفني والتقني للمصطلحات، ولكن بإبداع مفاهيم ومرتكزات عقلية تمنح للغة علّة وجودها ومسايرتها للواقع الذي تتحدث عنه. أقول ينبغي أن نخرج اللغة العربية من المتحف ومن الإتحاف نحو الصناعة الفعلية للمفاهيم والابتكار النظري والفكري. إنها مهمة شاقة، مضنية، نتاج سنوات أو عقود من العمل المثابر، ولا بد من ذلك في كل الأحوال إذا أردنا انتشالها من الضمور ومن المتحفة. بعض المفكرين والباحثين ممن اشتغلوا على اللغة وحاولوا مواكبة المواضيع والمضامين التي تضطلع بها (على غرار الثنائي محمدأركون/هاشم صالح) لم يكن لهم الأثر المرجوّ على نطاق واسع، سوى في الدوائر الأكاديمية والثقافية. هناك خلفيات وأحكام مسبقة حالت دون أن يكون لهذا الاجتهاد النظري الصيت والشيوع. لكن بدأ دبيب الحركة من خلال أعمال جامعية أو فردية، من قيام أساتذة أو باحثين أو طلبة، وهذا أمر مشجّع يعلّمنا كيف نجد نقاط في الوصل والتمفصل بين اللغة والفكر لكي تكون النتائج مثمرة والأفكار ناجعة.

الثقافة هي المحور الجوهري في كتابك الجديد، وتتناولها من وجهة نظر فلسفية، وهي وجهة نظر لم يسبق أن تناولها المفكرون العرب من قبل. ماهي تداعيات هذا الاختيار؟ وكيف إرجاع الدور التاريخي للثقافة بعد أن قمنا بتهميشها وعزلها عن المكوّنات الأخرى وعنيتُ بذلك السياسة والاجتماع والدين والانسان؟

ارتأيتُ الاشتغال على الثقافة لغرض معرفي ووجودي. الثقافة هي فلسفة في الحياة وفي الفعل البشري وليست فقط النشاطات الجزئية التي يحتويها الفن كالرسم والنحت والشعر والموسيقى. هذه مظاهر الثقافة فقط لا الظواهر التي تؤسّسها. حددتُ الظواهر في المعالم الثلاثة الكبرى: العلاقة بالذات، العلاقة بالأداة، العلاقة بالعالم. أحاول التقدّم في مسار منسجم يأخذ بعناصر البحث السابقة والآنية ليؤلّف بينها في منظومة مفتوحة. مثلاً، اشتغلتُ في فترة من مساري الأكاديمي على فلسفة التأويل، وعندما تطرّقتُ إلى الثقافة، فإنني قمتُ بمقاربة نقدية وتأويلية، وطرحتُ في الخاتمة إمكانية تشكيل "فينومينولوجيا في الوعي الثقافي" و"هيرمينوطيقا في الثقافة"، فأنتقل من مبحث إلى آخر مع استثمار ما قمتُ بالاشتغال عليه والتوصّل إليه. ولربما عندما أتعمّق في الثقافة وأهبها الأطر النظرية والفكرية، أقوم بالاشتغال بعدها على الأجزاء المكوّنة لها مثل الفن والأدب والعلم والسياسة والدين، تماماً كما فعل إرنست كاسيرر في نظرياته حول فلسفة الثقافة. لقد انطلق من مرجعيته الغربية عموماً والألمانية على وجه الخصوص، وأحاول من جهتي أن أدرج المرجعية العربية الإسلامية رغم أن الحقل النظري ضئيل. لكن هناك مجالات ثرية في ثقافتنا يمكنها أن تكون حظيرة ثرية للمعالجة النظرية وأقصد بذلك الأدب والشعر وغيرها من الابتكارات التي هي مظاهر ثقافية لها ظواهر وجودية في رؤيتنا للعالم. يتطلب الأمر كيفية النظر إلى الأدب والشعر كفلسفات في الثقافة وليس فقط كتعبيرات فنية وسردية. هذا هو الرهان الذي أعوّل عليه وأسعى للتعمّق فيه. نعرف منذ مدّة قصيرة، خصوصاً مع فلسفات الاختلاف، أن بين الأدب والفلسفة روابط دفينة، كما بين الفن والدين علاقات متوارية؛ وهذا الربط بين مجالات الابتكار البشري يساعدنا على تشكيل فلسفة في الثقافة افتقدناها في تاريخنا الفكري. كانت المعالجات جزئية، في الغالب تجزيئية، تنطلق من بداهة وتنتهي إلى بداهة أخرى دون تعميق الفكرة المحايثة أو تثوير المجال الملازم.   

نعم، لقد فصلنا الثقافة عن الميادين الأخرى كالسياسة والعلم والدين والأدب مع أن هذه المجالات تنتمي إلى الظاهرة الثقافية، وتشكّل إحدى فروعها الجوهرية. طرح عليّ أحدهم السؤال التالي: كيف تجعل من الدين ظاهرة ثقافية مع أنه المرجعية الأساسية لدى العرب والمسلمين؟ نبهته إلى خطورة تحديد الدين فقط في المتعاليات المجرّدة التي لا سبيل لنا إليها بالعقل ولكن بالوجدان. وعندما نقترب منها بالوجدان، فهي فردية خاصة، لأنها مسألة ذوق وإدراك؛ وليست جماعية سوى ما يقتضيه الاجتماع الشعائري في أماكن مشهودة وأزمنة معلومة (المسجد، الأعياد، المواسم..). أما الإحساس، ما يشعره الإنسان من تجارب أو أحوال، فهي مسألة فردية. فالدين كما نعرفه اليوم وكما تجلّى في التاريخ تجسّد أيضاً في المؤسسة البشرية من رهبنة وإمامة وفي تقاليد وتصوّرات احتوتها اللغة، واللغة هي الظاهرة الثقافية بامتياز في التاريخ الإنساني، لأنّ باللغة تميّز الإنسان عن الحيوان، وباللغة انتقل من الطبيعة إلى الحضارة، وباللغة يتواصل مع غيره، وباللغة يعبّر عن إحساسه واختلاج ضميره. ففي اللغة تجسّد الوحي وتجلّى الدين، واللغة هي الظاهرة الثقافية بامتياز، لا أنفك عن الإشارة إليها والتوكيد عليها. لهذا السبب تضحى اللغة هي العمود الفقري لكل فلسفة في الثقافة، لأن فيها وبها كانت كل التعبيرات والتشكيلات عبر التاريخ في الفن والسياسة والأدب والدين والأسطورة. يتوجّب إذن إعادة الاشتغال على الثقافة لتكون متنفّس الذهنيات المختنقة بالوثوقيات، لأنها تدفع الذات لأن تخرج من قوقعتها التي تحتجب فيها وتدفعها نحو الارتباط بالعالم، باللغة أولاً كوسيلة في التعبير والتواصل، وبالابتكارات الفنية والأدبية والفلسفية ثانياً كطريقة في التثقيف والتكوين. الثقافة هي إعادة ربط الذات بالـ«لا-ذات» من كائنات وأشخاص وأشياء وأفكار، فهي نافذة في مغادرة الكون المغلق للذات نحو الوُسع العالمي في المشاركة والمساهمة والاحتكاك.

 ظلت الفلسفة الغربية خاصة المتعلقة بعصر النهضة حاضرة في منظومتنا التربوية والجامعية خاصة بعلمائها ومفكريها بينما تكاد تكون الشخصيات الفلسفية العربية والاسلامية على غرار ابن رشد، وصولا الى مالك بن نبي مغيبة عن مناهجنا التعليمية وحتى من محاور الندوات والمحاضرات، لماذا؟

لقد انحصر حضور ابن رشد ومالك بن نبي وغيرهم في النطاق الأكاديمي الذي تحدثتُ عنه عبر الندوات والملتقيات. وعندما تحضر هذه الشخصيات في هذا النوع من اللقاءات، فهي محط إعجاب وإتحاف، بقراءات تتناول المباحث نفسها التي تعوّدنا على قراءتها (العقل والنقل، مكوّنات الحضارة والثقافة.. )، ولا تضيف شيئاً إلى معارفنا إلا نادراً. يتطلب الأمر إعادة قراءة هذه الشخصيات بالعُدة النقدية والتأويلية الصارمة تتجاوز الحفاوة المملّة أو الجفاء المجحف. فالذي يجعل من ابن رشد أو مالك بن نبي المرجعية المطلقة كمن يتهمهما بالرجعية. في كلتا الحالتين لا نحسن قراءة المادّة الفكرية بالحياد المطلوب وبالحكم الحصيف الموعود. لإعادة بعث هذا الاهتمام يتوجب لقاءات وقراءات على المستوى الأكاديمي؛ وأيضاً تأسيس متاحف للذاكرة تمنح للتلاميذ والطلبة الرغبة البيداغوجية لمعرفة الأعلام والشخصيات والتعمق في دراستها. مثلاً لدى زيارتي إلى مدن فرانكفورت أو بروكسل أو أمستردام وجدتُ هناك متاحف تخلّد ذاكرة الكُتاب بعرض أعمالهم المخطوطة وأشيائهم، وفي الغالب بيوتهم التي سكنوا فيها هي متاحف تستقطب الباحثين والسواح الذين لهم فضول معرفي وتاريخي، كما توقفتُ على ذلك في منزل الأديب العالمي يوهان غوته في فرانكفورت أو منزل الرسام الشهير رامبرانت Rembrandt في أمستردام أو منزل رائد النهضة الأوروبية إيراسموس Erasme في بروكسل، إلخ. لم لا يكون هنالك مثلاً متحف في تبسة مخصص للمفكر مالك بن نبي بعرض مخطوطاته وأعماله بالتوافق مع أسرته؟ وأيضاً متحف حول القديس أغسطين في مدينة مولده سوق اهراس أو مدينة اعتكافه الروحي عنابة؟ وأيضاً متحف أبو مدين في بجاية وتلمسان؟ وأيضاً الطاهر وطار، جاك دريدا، ألبير كامو، مولود قاسم نايت بلقاسم، إلخ؟ أعتقد أن تشكيل "شيئية" ملموسة في شكل متحف يعرض حياة مفكر وأعماله المخطوطة والمطبوعة وسفرياته ولقاءاته بالشخصيات الفكرية في شكل صور فوتوغرافية والأعمال المخصّصة له كفيل لبعث روح الفضول والرغبة في البحث والمعرفة. لنسافر في أي مدينة من العالم، فهي تجعل من رائدها الفكري أو الأدبي أيقونة تخصص له الميزانية لبناء متحف أو أكثر حول حياته وأعماله، وهذا الأمر عاينته مع رسامين مشهورين اعتنت الدولة بالتعريف بهم لمواطنيها أولاً، ثم للسواح ثانياً، كما هو الحال مع متحف فان غوغ في أمستردام Van Gogh Museum ومتحف السريالي رنيه ماغريت Musée René Magritte في بروكسل، بنايات ضخمة بكل الخدمات المتاحة تُعرض فيها لوحاتهم الزيتية التي رسموها خلال حياتهم. ما المانع أن نفعل الشيء نفسه مع مفكرينا وأدبائنا وفنانينا؟ هنا مكمن العلة الذي يجعل من حياتنا الفكرية كسولة، خاوية الحيوية والنشاط، هزيلة العتاد والقوّة، تتلخص في لقاءات روتينية بلا الروح الكامنة فيها وأعني بذلك الذاكرة الحيّة عبر الأشياء والأدوات والصور التي تُجسّد حياة تلك الشخصيات الفكرية أو الأدبية عندنا. عندما قرأتُ كتاب فرناند دومون عنوانه «مكان الإنسان: الثقافة بوصفها مسافة وذاكرة»، تيقنتُ عندها أن الثقافة والذاكرة شيء واحد، لأنه لا يمكن تأسيس ثقافة بفقدان الذاكرة أي بطمس المعالم البارزة لروح سارية؛ والشيئية التي تُعبّر عن حياة المفكرين والأدباء هي إحدى هذه المعالم الحاملة لذاكرة حيّة تحتويها منازلهم أو المتاحف المخصّصة لهم. من مزيّة هذه الذاكرة أنها مزدوجة الوظيفة: تتوجّه إلى الباحثين من ذوي النزوع الأكاديمي (ما نسميهم "النخبة") وتتوجّه أيضاً إلى الإنسان العادي من بين عامة الناس. فهي ذاكرة حيّة تهب للمجتمع مقوّمات الثقافة الذاتية، وللباحثين أدوات الاستطلاع والقراءة. نعم، الثقافة الغربية بفلسفاتها وآدابها وفنونها حاضرة بقوّة عندنا ولأنها فرضت نفسها ببداهة الفرادة والأصالة والعالمية؛ ولم نحسن نحن فعل الشيء نفسه سوى مع بعض الأسماء ممن تُعدّ على أصابع اليد الواحدة كابن رشد. أضحت الثقافة عبارة عن فولكلور لملأ الشقوق والفجوات ولم ترتقِ بعدُ إلى الحسّ والشعور والذوق بحيث تكون ضرورة حياتية تصاحب الشخص وليس فقط نافلة يملأ بها وقت الفراغ؛ لأن الثقافة ليست فقط مظاهر الاستجمام والترويح عن النفس كالفن والموسيقى والقصيدة والرسم، بل هي ما يمكن أن يتعلّمه الإنسان من هذه المظاهر ليغذّي بها الظواهر وأقصد بها وجوده بالذات ورؤيته إلى الحياة.

لقد شاع لقب "المثقف" بكثافة في العالم العربي، وأصبح اسماً على غير مسمّى، بعزوف المشتغلين بالحقل الثقافي عن الحوار والتواصل والبناء.  كيف يمكننا أن نحدد أو نتفق على تحديد صورة المثقف الحقيقي؟ ما أسباب تغييب دور المثقف في بلادنا، وحصر الثقافة في الطابع الرسمي وما السبيل لتحريرها من قبضة السلطة؟

هناك من اجتهد في تحديد صورة المثقف وقدّم لها بعض الخصائص والوظائف وأذكر على سبيل المثال لا الحصر إدوارد سعيد. يبدو لي لقب "المثقف" لاحق على الأعمال الفكرية والنظرية الكبرى وليس سابقاً عليها. هناك شخصيات عالمية قضت حياتها في التنظير للسياسة والثقافة والاجتماع والأدب والسلطة على غرار جون بول سارتر وميشال فوكو وجاك دريدا. بعد ذلك راحت هذه الشخصيات، وعن قناعة ذاتية لها علاقة بفحوى التنظير للشرط الإنساني، تناضل من أجل الحقوق البشرية (المرأة، الطفل، المهاجرون الأجانب، السود الأفارقة، المثليون، سجناء الرأي، الفقراء والمهمّشون، إلخ). اكتسبت هذه الشخصيات الفكرية لقب المثقف من جراء هذا الانتقال من الوظيفة النظرية في سماء التجريد إلى النضال العملي على أرض الواقع؛ ولأن فكرة المثقف هي سليلة التاريخ السياسي والفكري الفرنسي منذ حادثة دريفوس في نهاية القرن التاسع عشر، حتى وإن كانت عريقة في الزمن وتعود إلى عصر الأنوار مع جيل فولتير والأنسيكلوبيديا (دالمبير وديدرو) الذي ناضل ضدّ آخر ما تبقى من السلطة الدينية وضدّ أشكال الخرافة والتسلّط السياسي في ظل ملكية مطلقة قبل اندلاع الثورة الفرنسية. فكرة المثقف كما نتداولها اليوم لها تاريخ ومسار وهي نتيجة تراكمات معرفية وظروف سياسية واجتماعية. وبمرور الزمن أصبحت تدل على كل شخص له علاقة معيّنة بالمعرفة وبالمعلومة (أديب، شاعر، صحافي، روائي.. ) وينافح من أجل ما يراه الحق. المشكلة أن صورة المثقف أصبحت مبتذلة، لأنها تعمّمت بشكل مفرط إلى درجة أن كاتب قصّة أو قصيدة أو مقال في مجلة أو جريدة أصبح يطلق على نفسه لقب "المثقف" وليس في رصيده مكتوبية ذات عُمق وكثافة أو رؤية خاصة تدبّر نمط كتابته وأسلوبه. كذلك، كان كبار "المثقفين" على غرار سارتر وفوكو يدافعون عن حقوق الأقليات، فيما نرى المثقفين عندنا يدافعون عن الأغلبية التي تتسلّط بطبعها الكمّي ولا تحتاج إلى من يدافع عنها؛ وفيما كان نضال سارتر وفوكو لخلخلة البداهات وزحزحة اليقينيات بمراجعة نقدية للذات وللأسس التي بُنيت عليها الحضارة الغربية، نجد أن المثقفين عندنا يفعلون العكس، من أجل تخدير العوام لا إيقاظهم، الدفاع عن البداهات والوثوقيات، اللجوء إلى القراءات السطحية والأحكام التقريبية والخاطئة، الانفعال والتوتّر، التراشق بالتُهم والشتائم، إلخ. بمعنى من المعاني، أصبح "المثقف" لقب خالٍ من الروح، تتويج مضحك على رأس عنيد. أمامنا الكثير نتعلّمه من الثقافة وخصوصاً الورع والتواضع، بأن نضع الأمور في ميزان اللسان والبرهان، ونمتنع قدر الإمكان عن الحميّة والاندفاع والكبرياء. مهما كانت آراؤنا صحيحة فهي فقط زاوية في النظر يتوجّب عليها أخذ زوايا النظر الأخرى بعين الاعتبار، لأن رؤيتنا هي بشرية محدودة وليست إلهية مطلقة. فلا يمكننا أن ندّعي الحقيقة ولم نرَ الأشياء سوى من زاوية محصورة في الزمان والمكان.

جاء تغييب المثقف في تاريخنا لأغراض سياسية لم نفلح بعدُ في تحديد بنياتها ومضامينها. لكنني أرفض الثنائيات السهلة والمتخشّبة التي شاعت في فترة من الزمن في العالم العربي، وأخص بالذكر ثنائية "المثقف والسلطة" التي كانت تشتغل بشكل شبه آلي حيث "المثقف" هو الملائكي، الهادئ، المفكّر، الملتزم؛ و"السلطة" هي الشيطاني، المراوغ، المتعفّن، المستبدّ. هذا اختزال فاحش لميكانيزمات العمل الثقافي والسياسي على حد سواء، لأنّه لم يكن بين المجال الثقافي والمجال السياسي من "توازي" أحدهما أبيض والآخر أسود، ولكن أيضاً "تقاطع"، وأحياناً "تداخُل"؛ علاقة ملتبسة، صراع خفي أو بارز، تواطؤ متواري. كانت العلاقة راديكالية في النبذ المتبادل أو الاستعمال الذرائعي، ولم يطرح أيّ مجال (الثقافي والسياسي) إمكانية أن يكون على خطأ وأنه اختار الاستراتيجيات العقيمة والإقصائية. نعم، قامت السلطة باسترجاع الثقافة إلى مجالها، تارة على سبيل الاحتكار، وتارة أخرى على سبيل التوزيع والإفادة، لكنها استرجعت فقط "مظاهر" الثقافة، أي الواجهة التي تتزيّن بها. أما الظواهر العميقة للثقافة، الأساسيات الجوهرية التي تنبني عليها الثقافة، وخصوصاً سؤال تكوين الذات والتمفصل بالعالم، هي الغائب الأكبر في كلا المجالين، المجال الثقافي بفنانيه وأدبائه وعلمائه؛ والمجال السياسي بنخبه وخبرائه. طرحتُ في كتابي «إزاحات فكرية: مقاربات في الحداثة والمثقف» (منشورات الاختلاف، 2008) مشكلة التغييب والغياب عند المثقف. أن يكون المثقف مغيّباً، فهذا بديهي، أو يتم استحضاره لكن بخلفية انتقاء خطاباته ومواقفه. لكنني طرحتُ أيضاً معضلة غياب المثقف. فهو غائب بمشروع ثقافي يركز فيه على الظواهر من تأسيسات نظرية وتشكيلات خطابية، لا على المظاهر من بروتوكولات ومسامرات وملتقيات وصالونات. وعندما يحضر لأجل التفكير في الظواهر المؤسّسة للذات ولعلاقة الذات بالآخر، فإنه عُرضة لسهام الاتهام، أحياناً بل غالباً، من أنداده "المثقفين" لاعتبارات شخصية مثل حب الظهور على الملأ ومتابعة الأضواء والضوضاء. أقول ينبغي إنقاذ "الثقافة" من المثقف ومن السلطة على حدّ سواء. لأن الثقافة التي على عاتقنا تأسيسها هي بالمعنى الذي طرحته: ثقافة بوصفها فلسفة في الحياة، أي التنوّع والاختلاف؛ ثقافة بوصفها تشكيل الذات وتهذيب الطباع بالتواضع والقراءة الصبورة والمعمّقة للتاريخ الفكري والثقافي والسياسي؛ ثقافة بوصفها رؤية في العالم، رؤية مستقلة وحيادية، بنائية ودينامية.     

تراجع الانتاج المعرفي في الأمة الإسلامية منذ عشرة قرون، بل تقدر نسبة ما تنتجه الدول الاسلامية المقدرة بـ57 دولة في البحث العلمي هي واحد بالمائة في العالم، ما هو السبيل لإحداث نهضة فكرية وما السبب الرئيسي في تعطيل الفكر عندنا بعيدا عن التفسيرات السياسية والايدلوجية السائدة؟

هناك تفسيران لهذا التعثّر: التفسير الذاتي والتفسير والموضوعي. أما التفسير الذاتي، فإن الثقافة الإسلامية وضعت في فلسفتها الميتافيزيقية قطيعة مروّعة بين أشياء الدنيا وأشياء الآخرة، فنرى الذهن في الثقافة الإسلامية مشدوه إلى الاهتمام بآخرته وإهمال دنياه؛ وأصبح بالتالي ذهناً كسولاً، متواكلاً، منزوياً، يخشى الأنوار، يهوى العتمة والسرّ، يكره المغامرة والبحث والسؤال والنقاش. تبيّن لي أن "الكائن" في الثقافة الإسلامية يميل بطبعه نحو الانحجاب والاحتجاب (الستر، السرّ، الانزواء..) فيما يميل "الكائن" في الثقافة الغربية (منذ جذورها الإغريقية/الرومانية) نحو الانكشاف والاكتشاف بالبحث في أسرار الكون والطبيعة. انتقل هذا الفضول المعرفي إلى الثقافة الإسلامية، لكن كان مستعاراً ولم يكن في حقيقة هذه الثقافة التي تهوى بطبعها الفرار من الحياة. لا أتحدث عن المرجعية النصية التي تشجّع على البحث والتأمل في الطبيعة، ولكن عن الذهنية لدى الكائن في الثقافة العربية الإسلامية الذي يميل بطبعه، وتبعاً للثقاف التاريخي والجغرافي الذي قولبه، نحو ملازمة الجحور للمراقبة عن بُعد وليس الانخراط في العالم لتفسيره وفهمه وتغييره. أقول أن البحث والاستطلاع كان في الغالب "الإستعارة" ولم يكن "الحقيقة"، أي في نظام تصوّره للوجود ورؤيته للحياة. أما التفسير الموضوعي فهو أن العلم الذي أخذ به العرب والمسلمون هو نفسه العلم الوضعي الذي اكتسح الحياة الغربية؛ لكن لم يستطيعوا الحفاظ عليه لغلبة التفسير الخرافي للعالم يمتزج برؤية غير واقعية وأقل ما نقول عنها أنها سحرية. كان الاهتمام بالطبيعة والكيمياء محط تشكيك ومراقبة من طرف السلطة الدينية في تاريخنا، لأن البحث في قوانين الطبيعة والفيزياء هو في نظرها إخلال بالإيمان في القدرة الإلهية؛ والبحث في خواص الكيمياء وعلم الموازين والمقادير هو تشبّه بالإله في تحويل المعادن إلى ذهب. فكانت النظرة ضيّقة جداً، كهنوتية، حكمت بالإعدام على تاريخنا العلمي فالتقطه الغرب مع فرانسيس بيكون وديكارت. حكمنا على أنفسنا بالإعدام ولم يبقَ لنا سوى البكاء على الأطلال، وأعتقد أنه ينبغي أن نبحث، تاريخياً وجغرافياً وطبعياً، لماذا العناد والبلادة منغرسان في ذواتنا ويشكّلان العائق النظري والسلوكي في الانخراط في العالم؛ ولماذا ارتدّ العقل في تاريخنا الثقافي إلى حيلة في ترتيب أشياء العالم وترتيب علاقتنا بذواتنا وبالعالم. لم تكن منظومتنا في السياسة قائمة على العقل ولكن على الحيلة والحميّة في الاستأثار بالسلطة ونعرف مآل ذلك في تاريخنا الأركيولوجي منذ حادثة السقيفة وحتى العقل السياسي المعاصر في الرقعة الجغرافية العربية. العقل هو غير الحيلة: العقل يرتّب ويصنّف ويتدبّر، أما الحيلة فهي دائرية البنية، ملتوية الوظيفة، تختصر المسافات لتفتك بموضوعها، وغالباً ما تفعل ذلك بلا ضابط عقلي أو وازع قيمي. علاقتنا بالوجود "حيلية" (نحتال ونتحايل) والحيلة لا تبني حتى وإن احتفى بها المفكر الفرنسي ميشال دو سارتو في كتاباته، لأنه كان يبحث عن شيء لطيف ليقحمه في كثافة العقل ووجده في الحيلة عند العرب، والميتيس (البصيرة النافذة) عند الإغريق. أن يكون "الكائن" في الثقافة الإسلامية مبني على الانحجاب أو الاحتحاب، فهو يتّخذ من الشيء السرّي أداة اشتغاله وسلوكه، كالحرباء التي تستعمل الحيلة في الاختفاء باتّخاذ تلوينات الأشياء التي تتردّد عليها. فالحيلة هي "دهليزية" البنية والطبيعة، تهوى الأرضيات السفلى والمتاهات لتفرّ نحو أمكنة آمنة؛ فيما العقل هو مفتوح ومكشوف على الوجود، ولا عجب إذا كان عصر الأنوار يستعمل كلمة "التنوير" كرديف للعقل مع دالمبير أو كانط أو فولتير. فالعقل يميل بطبعه إلى المغامرة والاكتشاف، فهو منكشف الكينونة. هذا ما نحتاج إليه، أي إعادة إخراج كائننا التاريخي وكما طبعنا بثقافه من الجحور والكهوف ليرى الوجود برؤية أرحب ونظر أوسع. ولا يكون ذلك سوى بمغادرة العتمة أي الأدوات التي تستحبّ الانزواء والاختفاء كالحيلة المطوّقة (بكسر الواو) والقراءة الخرافية والكهنوتية والسحرية، وتبنّي القراءة العلمية، الموضوعية، الكونية، البنائية.     

عاد الصراع في قلب ثورات الربيع العربي بين الاسلاميين والعلمانيين بالدرجة الأولى كل يحمّل الآخر مسؤولية ما يحدث، هل ستتكرر في بلداننا تجربة أوروبا في العصور الوسطى بحذافيرها، وما تقييمك للمشروع العلمي والفلسفي لكلا الفريقين وما موقع الطوائف والأقليات العرقية والدينية والاثنية ومستقبلها في ظل كلا من المجموعتين؟

الصراع في العالم العربي الإسلامي هو صراع بين قوى المحافظة وقوى التجديد مع بعض التقاطعات؛ حيث بعض المحافظين ينادون أيضاً بتجديد التراث الذي ينتمون إليه وبعض المجدّدين يميلون إلى التصلّب والتعصّب لأفكارهم. في اعتقادي الكل مسؤول عن الأوضاع المتردّية لأن التحزّبات الضيّقة أضحت أولى من مصالح المجتمع في رمّته. إن ما نحياه اليوم عاينته أوروبا أيضاً. لقد بدا لي أن الذهن لدى الكائن في الثقافة العربية الإسلامية لم يتطوّر بنفس التطوّر الذي شهدته الحضارة. لا زالت هذه الذهنية في نفس الدرجة الإدراكية كالتي شهدها الذهن لدى الكائن في الثقافة الغربية في نهاية العصر الوسيط وقبيل النهضة، أي في ظل هيمنة التفسير اللاهوتي والمؤسسة الدينية. ولذلك علامات بارزة: الاحتكام إلى النص بدل العقل؛ شيوع القلق والنظرة التشاؤمية للحياة؛ اكتساح الخرافة والتفسير السحري والكهنوتي للأشياء أمام تفسير علمي وموضوعي يجد صعوبة كبيرة في شق طريقه. لقد وضعنا اليوم الانفعال في صُلب علاقتنا بالوجود وبالعالم وليس الفعل والإنتاج؛ وضعنا الأهواء والحساسيات والنزوات بدلاً من العقل والحصافة والتمييز. كان هيغل يعتبر أن الانفعالات هي محرّك التاريخ ولا شيء اكتمل في العالم بدون انفعالات، وهذا صحيح بالمقارنة مع العصر الذي عاينه بالتهاب حمّى الصراع (معركة يينا سنة 1806 بانتصار نابليون بونابارت على جيوش بروسيا). أن تكون الانفعالات هي القاعدة والعقل هو الاستثناء، هذا ما لا يساعدنا في الاشتغال على ذواتنا وعلى تاريخنا وتراثنا. الصراع بين الإسلاميين والعلمانيين هو صراع بين فئتين تفتقران إلى الأفكار. فالإسلاميون يستندون إلى العصر الذهبي للنبوة وبداية الإسلام (أركيولوجيا دينية في الاضطلاع بحقيقة الرسالة) ويبحثون عن الفردوس المفقود في الانتصارات التاريخية للحضارة الإسلامية. ما يقومون به هو جرّ "جثة الماضي" إلى الحاضر لا غير؛ يحرّكون ماضياً ذهب إلى غير رجعة فيقومون باستنساخه في أبشع الصور والتطبيقات. كذلك يستند العلمانيون إلى نظام في الرؤية لا يعبّر عن عميق انتمائهم إلى ثقافة وتاريخ وجغرافيا، فيقومون باستنساخ نماذج ناجحة في موطنها وربما فاشلة في المواطن الأخرى، لأن الأمر الذي نعتدّ به ليس هو "القوالب" (النماذج المستعارة) ولكن "القوابل" (الفردانيات المتلقية)، ليس هو الدواء ولكن قابلية الجسم العليل أو لا في هضم هذا الدواء. نعم، الديمقراطية والعلمانية والحرية تشكّل كلها أدوية للعلل الحضارية التي نحياها كالعنف والتعصّب والإرهاب والاستبداد، لكن ينبغي أن نعرف مواطن العلاج والجرعات الواجب إدارتها، أي حصص المقادير والأوزان حتى لا تختل القوى فتعتل. أستعمل قاموساً طبياً أستعيره من نيتشه الذي جعل معيار الحضارة في الصحة/السقم وليس في الحقيقة/الوهم؛ وكان يردّد بأنه في انتظار الفيلسوف-الطبيب الذي يضطلع بهذه المهمّة في المعالجة المفهومية للأسقام الحضارية. ولا يمكن معالجة أسقامنا إذا لم نقم سلفاً بتشخيص أحوالنا وفحص عطبنا وخرابنا. نقل القيم بفظاظتها من مجال إلى آخر دون مراعاة الموازين والقوابل ينجرّ عنه عُسر في الهضم والاستيعاب وبالتالي التخمة أو القرحة. وأقول ذلك بالمقارنة مع العلمانيين في رغبتهم الملحّة (غير الصبورة والعلاجية) في تحرير المجتمعات ودمقرطة الأنظمة السياسية، وأيضاً بالمقارنة مع الإسلاميين في هوسهم بالنماذج العريقة ومحاولة تطبيقها بفظاظتها على أذهان تحيا زمانها ولم تعد تعيش في العصور الغابرة للنبوة أو الخلافة. في كلتا الحالتين لدينا أخطاء منهجية وتعامي عن الوضعية المراد علاجها؛ ونرى بالتالي ما يؤول إليه التسرّع في الأحكام والقراءة المغلوطة للوقائع.      

في الأخير أريد أن أعرف مدى حضور الفلسفة العربية والإسلامية الراهنة في العالم الغربي، وصدى فلاسفتنا ومفكرينا هناك، من خلال الترجمة والتناول الإعلامي، وما السبيل لتفعيلها في أوطاننا؟

هناك حضور ضئيل ومحتشم للفلسفة العربية الإسلامية في الغرب، وهي قبل كل شيء مسألة تخصص تنفرد بها معاهد في جامعات أو مراكز بحث مع بعض الملتقيات، بين الفينة والأخرى، مفتوحة لعموم الناس كما نجد ذلك، على سبيل المثال، في معهد العالم العربي أو المعاهد المتخصّصة المرتبطة بالتعليم العالي. لا يمكن أن نكذب على أنفسنا ونترجى الحصول على صيت وذيع في رقعة جغرافية أخرى مثل الغرب، بينما ما ننتجه لا يرتقي إلى مصاف الاحتراف والاعتراف على الصعيد العالمي. كذلك الأزمات التي نحياها على المستوى السياسي والتصوّر الديني وانكماش الثقافي والفنّي تعبّر كلها عن هذا الغياب الصارخ في المشهد العالمي. العلاقة التي نربطها بالآخر هي علاقة احتراس وشك ونعقد في الذهن عُقد نظرية ونفسية لا ننفك عنها حول نمط إدراكنا للآخر؛ ونقدّمه في الغالب على أنه الاستعماري، الإمبريالي، المهيمن؛ فننزوي على ذواتنا ونفرّ من العالم. والابتكار يتناقض مع هذا الفرار من العالم لأنه يتطلّب التواصل والمنافسة والمزاحمة وعرض إبداعات الذات على سوق التداول والاشتراك. إننا نقرأ الغرب كثيراً، أقصد نقرأ ما ينتجه من أفكار ونظريات ومفاهيم، لكن العكس ليس صحيحاً. لربما اكتفى الغرب بنفسه، فهذا ممكن؛ أو يتربّع على عرش المركزية الفكرية والتمركز الحضاري، فهذا وارد؛ غير أننا لم نعطي للغرب فرصة الاهتمام بما ننتجه، لأننا لا ننتج أصلاً، أو ليس بالقدر الكافي بالمقارنة مع الجغرافيات والثقافات الأخرى. نحن أيضاً نكتفي بذواتنا وننعزل بكبريائنا، فلا ننتج. علاقتنا بالحياة هي "عضوية" أو بيولوجية في سياسة الأجساد (النسل والديمغرافيا، الاقتصاد والريع..) ولم تنتقل إلى علاقة "روحية" في سياسة الضمائر والنفوس بالاهتمام بالآداب والفنون والمعارف. لا ننتج لأننا لا نبحث، ولا نبحث لأننا لا ننتج. ويقتضي البحث والإنتاج الاهتمام، الفضول، حرقة الاستفهام، لوعة السؤال، المغامرة، التجربة. بَيْد أن هذه القيم منكمشة في ذواتنا، لأننا نبحث عن اليقيني، البديهي، ما يدعّم قناعاتنا ويزيد من عميق سباتنا ونومنا. فلا نسأل أو نتساءل، لا نطرح الإشكاليات، لا نضع الارتياب والشك في صُلب المعرفة. حالتنا تجاه العالم هي رأس النعامة المتواري تحت التراب. فلا نواجه الواقع كما هو، بل نطمح إلى الواقع كما ينبغي أن يكون... دون عمل أو إنتاج، ولكن فقط بالترجي والأمنية، أي السلبي من إرادتنا وليس الإيجابي والفاعل. فكيف نطمح إذن إلى تقديم جانب من حضارتنا إذا لم يكن هنالك شيء نقدّمه للعالم، سوى ما أنتجه أسلافنا من أدباء وعلماء وفلاسفة وفنانين في القرون الخالية؟ هناك فلاسفة عرب حاولوا منذ عقود إعادة إحياء المطموس من تراثنا والانخراط في التفكير الجدّي والنقدي لهذا التراث وأخص بالذكر حسن حنفي، محمد عابد الجابري، جورج طرابيشي، محمد أركون. مشاريعهم الفكرية هي دعوة إلى مغادرة السبات والاحتجاب الكائني الذي طبع عقليتنا وسلوكنا، وبدأت محاولتهم تثمر بعض النتائج بظهور فئة من الباحثين يقرأون التفكير الديني قراءة نقدية واستطلاعية ويحاولون إنتاج أفكار ومفاهيم يقرأون بها تاريخنا الفكري والثقافي. ينبغي إذن المواصلة على هذا الدأب وسلوك هذا الدرب لنتمكن من تجديد وتحديث أدوات ومضامين تاريخنا الفكري والثقافي من جهة؛ والمشاركة بنتائج هذه القراءة والتجديد في الراهن العالمي من جهة أخرى.      

كلمة أخيرة: ماذا عن مشاريعك القادمة ومشاركاتك؟

ليست الأمور بالهيّنة في الاضطلاع بهذا التجديد والتحديث، لأن المهمة شاقة والدروب وعرة وشائكة. لكن لنجعلها شيّقة، لأن فقط في المغامرة والبحث والمعرفة نستطيع تشكيل رأسمال نظري وحضاري نصرفه في سوق التداول العالمي إلى صفقات مثمرة ورابحة. المبادرة جماعية ويمكنها أيضاً أن تكون فردية كطريقة في الاشتغال على الذات، وهذا ما سأحاول إبرازه في الجزء الثاني من «الثقاف في الأزمنة العجاف» بعنوان يعيد طرح فكرة التشكيل الذاتي بالفنون والآداب والروائع فيكون بهذه الصيغة «سِفر التكوين: نظرية "البيلدونغ" وتأسيس فكرة الثقافة»؛ و"البيلدونغ" في الألمانية (Bildung) هي التكوين والتثقيف والتشكيل الذاتي وغيرها من المصطلحات الواجب نحتها في هذا المضمار. اخترتُ كلمة "التبرية" وسأضع لها بعض الأطر الفكرية، وهي تفيد الإبراء، البرء (بالمعنى الصحي في الشفاء من أسقام الحضارة)، إلخ. قرأت جملة رائعة على الأنترنت ولا أدري من هو صاحبها، فهي تقول بعُمق الفكرة التي أشتغل عليها: «ظل الإنسان في هذه الحياة مثل قلم الرصاص تبريه العثرات ليكتب بخط أجمل. ويظل هكذا حتى يفنى القلم ولا يبقى له إلا جميل ما كتب». فالتجارب والمحن تنحتنا أو تبرينا بهذه الصيغة، وهي طريقة في البرء من الأحقاد والفراغ والتيه بالاشتغال على الذات وملأ الحياة بالأشياء الجميلة والتشكيلات الفنية والنظرية. فالإنسان ذات فاعلة بجميل ما يكتب وعزيز ما يخلّف من علوم ومعارف وفنون وآداب وصنائع وروائع. لا تكمن حقيقته في الهويات التي يتحصّن بها أو الوثوقيات التي يستريح إليها أو النماذج التي ينافح عنها، ولكن في الأفعال البناءة والممارسات الخلاقة التي تترك أثراً أو بصمة، فنية وجمالية، حضارية وأخلاقية، في هذا الوجود. هناك مشاريع موازية أحاول التقدّم فيها وتتعلّق كلها بالمشكلات الفلسفية المرتبطة بالثقافة والسياسة والحقيقة. أذكر على سبيل المثال، محاولة لا أزال أشتغل عليها وتتعلّق بصراع الحق والحقيقة في التاريخ الفكري والسياسي. فهي تشكّل الجزء الثالث من المشروع المسمى «تأويلات وتفكيكات»، حيث كان الجزء الأول حول قضايا في الفكر الغربي المعاصر، والجزء الثاني حول علاقة التأويلية والتفكيكية والتداولية تحت مسمى «الإزاحة والاحتمال».        

 

شوهد المقال 66323 مرة

التعليقات (0 تعليقات سابقة):

أضف تعليقك comment

  • أرسل إلى صديق أرسل إلى صديق
  • نسخة للطباعة نسخة للطباعة
  • نسخة نصية كاملة نسخة نصية كاملة
طالع أيضا
image

خديجة الجمعة ـ معصمي

خديجة الجمعة  آه يامعصمي ،كم قلت لك :توقف ؟!ولم تتوقف لماذا؟حيرت فؤادي هل شكواي لك كثرت؟،أم المشاعر هي التي سرقتني لأكتب لك رسائل كثيرة؟. لماذا لاترد؟؟
image

العربي فرحاتي ـ عالم ما بعد كورونا ..هو للكراهية أيضا !!!

د. العربي فرحاتي  "اذا كانت الحرب تولد في عقول الناس.. فإن السلم هو الآخر يولد في عقول الناس ". مقولة تنسب ل "فرويد" تؤكد
image

نجيب بلحيمر ـ فكوا قيد الجزائر ..رحيل السيدة فاطمة كريم زوجة المجاهد عمارة العسكري المدعو بوڨلاز

نجيب بلحيمر  رحلت السيدة فاطمة كريم زوجة المجاهد عمارة العسكري المدعو بوڨلاز، عقيد جيش التحرير الوطني، وعضو المجلس الوطني للثورة وأحد مؤسسي القاعدة الشرقية،
image

نوري دريس ـ الشعب تصرف وفق تصريحات الحكومة الجزائرية التي صدقت كذبتها

 د. نوري دريس    طوال الاربعة اشهر الماضية, صدقت الحكومة كذبتها بتراجع عدد الاصابات كدليل علي نجاح الاجراءات التي اتخذتها..., وصدق الشعب ارقام الحكومة المتأتية
image

الدكتور فارس شرف الدين شكري يوجه رسالة الشكر للأحرار والنطق بالحكم بتاريخ 12|07|2020 بسكرة

 د. فارس شكري  شكرا لكل الطيبين..شكرا لكل الأحرار..شكرا لكلّ الأموات في قبورهم، الذين ذهبوا ضحية الإهمال..شكرا للشرطي الطيب الذي كان يشتري لي السجائر وفطور
image

عبد الجليل بن سليم ـ أخبار سيئة... لكن لازم تعرفوها ، الوضع أخطر مما تتصورن

د. عبد الجليل بن سليم ـ السويد يوم 30 أفريل 2020 نشرت على صفحتي نص إسمه : إلتهاب.......اكتئاب..........موجة ثانية و شرحت فيه بعض الاشياء المهم
image

عثمان لحياني ـ الجزائر... الوجه الآخر لـ"الجماجم"

عثمان لحياني  دولةٌ مثل فرنسا لا تعطي بالمجان، ولم تكن لتفعل ذلك، لولا الكثير من الحسابات السياسية، واستعادة الجزائر لجماجم الشهداء والمقاومين بعد 170
image

اضربوا يعرف مضربو .. والي سطيف وعقلية الإسطبل

 د. جباب محمد نور الدين    ربي يجيب الخير هذا النظام : عارضناه، لم يتغير، نظمنا المسيرات لم يتغير، وقعنا العرائض لم يتغير،سبيناه بكل الألفاظ الغليظة حتى الخادشة
image

عبد الخالق كيطان ـ هاشم الهاشمي ...ماذا فعلت لكي تشرب كأس دمك على عتبة دارك

عبد الخالق كيطان            لنكفر بالعراق الآن ذلك انه لم يعد أبانا الذي نبكي تحت عباءته السميكة ..بل المرأة السمينة التي يتبختر الأنذال بعد اغتصابها .لنكفر بالعراق ذلك أنه
image

عوابد سارة ـ جزائري...

 عوابد سارة هي رقعةٌ محدودة تتخللها كيانات ضخمة من جبال وتضاريس بكل شكل من الأشكال...آلاف الحبيبات الذهبية المتناثرة على أراضي واسعة تأوي الجميع دون مقابل...كريات بلورية

:

لا توجد مدونات لهذا الموضوع

قيم هذا المقال

0
Free counter and web stats