الرئيسية | الوطن الثقافي | لونيسي ابراهيم ...... شيخ المؤرخين الجزائريين أبو القاسم سعد الله هل هو حقا كما وصفه المؤرخ الفرنسي جلبيرت مينيي ؟

لونيسي ابراهيم ...... شيخ المؤرخين الجزائريين أبو القاسم سعد الله هل هو حقا كما وصفه المؤرخ الفرنسي جلبيرت مينيي ؟

بواسطة
حجم الخط: Decrease font Enlarge font
image

 

الأستاذ الدكتور لونيسي ابراهيم *

 

تنويه :
كنت من حين لأخر أهاتف الأستاذ الدكتور سعد الله (رحمة الله عليه ) لأساله عن أحواله الصحية و عن أخباره المختلفة، أو لاستشارته في قضية علمية، و لقد كنت استمتع معه بهذه الأحاديث التلفونية رغم قصر مدة المكالمة، و المعروف عن أستاذنا الراحل سعد الله انه عندما تلتقي معه أو تهاتفه فانه لا يستغرق وقتا طويلا في المجاملات ، إذ انه يحبذ أن يسألني مباشرة بعد المجاملات المتعارف عليها عن أخباري العلمية و ما هو الجديد في إنتاجي العلمي و عن مطالعاتي و غيرها من الأسئلة المتعلقة بالشأن العلمي و الثقافي.
و لقد حدث آن هاتفته في منتصف شهر ماي 2005 و سألني خلال المكالمة عن كتاب المؤرخ الفرنسي جلبيرت مينييHistoire Intérieure Du FLN 1954-1962 ، فقلت له انه كتاب ضخم و إنني قمت بالرجوع إليه في بعض البحوث و الدراسات التي أنجزتها فقال لي :" إن بعض الإخوة اخبروني انه قد تحدث عني في بعض صفحات الكتاب و أريد أن أتأكد من ذلك و ماذا قال عني؟ ".فقلت له أن الأمر سهل جدا و سأعاود الاتصال بكم أستاذي العزيز بعد أن أعود إلى الكتاب. هنا انهينا المكالمة، قمت مباشرة بالتوجه إلى مكتبتي المتواضعة و أخذت منها الكتاب متصفحا فهرس الأعلام حيث وجدت أن المؤرخ الفرنسي قد ذكر الأستاذ سعد الله في صفحتين و هما الصفحة 516 و 701 ، فعاودت الاتصال به قائلا :" فعلا لقد ذكركم مرتين الأولى يذكر انه تم إرسال أبو القاسم سعد الله للولايات المتحدة الأمريكية لمواصلة تعليمه و الذي سيصبح مستقبلا مؤرخا أما في الصفحة الأخرى فانه يصفكم بالمؤرخ الرسمي" فرد علي الأستاذ سعد الله :" هذا ما أردت التأكد منه" و واصل حديثه بالسؤال التالي :" و هل فعلا أنا كما وصفني هذا المؤرخ يا سي إبراهيم ؟" فقلت له:" لا يهمكم دكتور لقد فهمت الرسالة" و أجابني:" إذن السلام عليكم و رحمة الله تعالى و بركاته" و انهينا المكالمة على هذه الجملة و التحية . 
و بعدها كانت هذه المقالة التي نشرت يوم الأربعاء 25 ماي 2005 على الصفحة 10 من جريدة الشروق اليومي. و إليكم المقال: 
 
شيخ المؤرخين الجزائريين أبو القاسم سعد الله
هل هو حقا كما وصفه المؤرخ الفرنسي جلبيرت مينيي ؟
 
يعد جلبيرت مينيي من المؤرخين الفرنسيين الجدد، الذين ظهروا مع الربع الأخير من القرن العشرين تقريبا، و سعوا إلى كتابة التاريخ الجزائري و تاريخ الوجود الفرنسي في الجزائر بنوع من الموضوعية و بعيدا عن ضغوط الإرث الاستعماري الثقيل، الذي كان بارزا بوضوح في العديد من الكتابات التاريخية الفرنسية و مازال يظهر في بعضها إلى يومنا هذا. و نحن من خلال هذه الوقفة لسنا بصدد الحديث عن هذا المؤرخ و هل تمكن فعلا من التخلص من تأثيرات الفكر الاستعماري في كتاباته و خاصة في كتابه الأخير "التاريخ الداخلي لجبهة التحرير الوطني 1954-1962" الذي ظهرت طبعته الأولى في باريس سنة 2002 ثم ظهرت له طبعة أخرى جزائرية سنة 2003. إنما سنحاول الوقوف عند جملة وردت في هذا الكتاب الضخم عن شيخ المؤرخين الجزائريين الأستاذ الدكتور أبو القاسم سعد الله و ذلك في الصفحة 701 و التي جاء فيها:" أن المؤرخ الرسمي بلقاسم سعد الله (كذا) قد نشر مقالا انتقاميا في بداية الثمانينيات في جريدة الشعب و يتهجم فيه على المؤرخين الفرنسيين الذين هم من أصول جزائرية، اندري نوشي و بنجامن سطورة لا لأي سبب إلا لكونهم يهود". 
إن ما ورد في هذه الجملة يعبر بطبيعة الحال عن رأي هذا المؤرخ في الدكتور أبي القاسم سعد الله، و لكن يا حبذا لو أن هذا الرأي كان مبنيا على كل ما كتبه الدكتور سعد الله من دراسات و أبحاث و ليس من خلال مقالة واحدة فقط منشورة في جريدة وطنية، و اغلب الظن أن هذه المقالة ما هي في حقيقة أمرها سوى مقالة رأي عبر فيها الدكتور سعد الله عن رأيه في قضية حدثت في حينها و نقصد بها ملتقى تاريخي انعقد في فرنسا حول بعض قضايا التاريخ الجزائري. و أن كان الدكتور سعد الله حقا قد تهجم على هؤلاء المؤرخين الذين ذكرهم جلبيرت مينيي في كتابه ، فان له أسبابه الخاصة في ذلك ، و بدون ادني شك فانه لم يتهجم عليهم و لم ينتقدهم للسبب الذي يذكره جلبيرت منيي أي بسبب كونهم يهود لان الأخلاق الرفيعة و السامية التي يمتاز بها الأستاذ الدكتور سعد الله و عقيدته الدينية (الإسلام) لا تسمح له بان يقوم بهذا الفعل المشين فالأستاذ الدكتور سعد الله إن كان حقا ما كتبه في تلك المقالة يعتبر تهجما على هؤلاء فبدون شك انه قام بذلك بسبب أفكارهم السياسية و مواقفهم المتحيزة الساعية دائما إلى تشويه الحقائق التاريخية و ليس أبدا لكونهم يهود فالأستاذ الدكتور سعد الله كتب كثيرا عن اليهود و ترجم الكثير من الدراسات و الأبحاث التي كتبها مؤرخين يهود و لكن رغم ذلك فإننا وجدناه موضوعيا و نزيها في كل ما فعل و لم يتحامل أبدا عليهم، و لم يذكر بشأنهم سوى ما فعلوه و ما قاموا به في الجزائر و كل ذلك بدليل و برهان و مما لا شك فيه أن الجميع يعرف ذلك الدور الخطير الذي لعبه يهود الجزائر في عملية الاحتلال الفرنسي للجزائر و كذا استغلالهم للظروف البشعة التي كان يعيشها الجزائريين في ظل الاحتلال من اجل الإثراء الفاحش و كل مواقف الدكتور سعد الله بشان اليهود مبنية أساسا على مواقف هؤلاء اليهود السياسية و آرائهم ، و كذا أعمالهم المنافية للأخلاق و الأعراف و لم يبن أبدا مواقفه وآرائه في هؤلاء اليهود على أساس أنهم ينتمون إلى الديانة اليهودية.

أما قوله (بلقاسم سعد الله المؤرخ الرسمي) فإننا لسنا ندري ماذا يقصد من وراء ذلك؟ لان السيد مييني لم يوضح لنا مقصده من نعت الدكتور سعد الله بالمؤرخ الرسمي و ما هي الخلفية التي اعتمد عليها في إطلاق هذا اللقب على الدكتور؟ هل لان الدكتور سعد الله اهتم كثيرا بالتاريخ الجزائري و ركز عليه جل أبحاثه و دراساته و سعى من وراء ذلك إلى كشف حقائق هذا التاريخ خاصة في الفترة ما بين 1518-1954 و التي عملت المدرسة الفرنسية على طمسها و تشويهها؟ فإذا كان هذا هو السبب الذي جعل جلبيرت مينيي يطلق هذا اللقب على الأستاذ سعد الله فانه ذهب بعيدا عن الحقيقة في هذا الحكم لان الأستاذ الدكتور سعد الله في كل كتاباته انتهج الأسلوب العلمي الأكاديمي المبني أساسا على دراسته للوثائق المختلفة و النصوص و الحكم من خلالها على الأحداث التاريخية.
و لكن هذا لا يعني أن الأستاذ الدكتور سعد الله ضد الكتابة الرسمية للتاريخ، بل نجده يعتبرها شيئا ضروريا لأي دولة. و لقد دعا مرارا إلى ذلك و مازال يدعوا إلى ضرورة إيجاد تاريخ رسمي للدولة الجزائرية يحمل فلسفتها و يظهر مواقفها الإيديولوجية و اتجاهها نحو المستقبل و بهذا الشكل لن يترك هناك فراغ يدخل من خلاله الأجانب، و حتى أبنائها المنحرفون لاستغلاله و تشويه مبادئ الثورة من خلاله. و ما يمكن لنا قوله هنا بكل بساطة إن الدكتور سعد الله لم يخلق ليكون مؤرخا رسميا بل وجد ليكون مؤرخا أكاديميا و كتاباته الكثيرة تشهد له بذلك و ليس هذا فقط بل الكتابات التاريخية عنده تعد هاجسا كثيرا ما اقلق مضجعه و يعبر عن ذلك بقوله:" في كل ركن من أركان الماضي اسمع صوتا يتوعدني، أنت مثقف و لكنك لم تقم بواجب المثقف، و أنت مؤرخ و قد قصرت في أداء رسالة التاريخ، ثم يزداد ذلك الصوت غلضة و تهديدا و هو يعلن: و من اجل إخلالك بواجب المثقف و تقصيرك نحو رسالة التاريخ: حكمت عليك بالإعدام البطيء ... إلا أن تكفر عن ذنبك ما دام في أجلك فسحة، يا لسعادتكم و شقائي إذا كنتم غير خائفين من الإعدام البطيء ، رحماك أيها الصوت المتوعد المخيف ، أنني سأحاول ما دام في الأجل فسحة" ( انظر الجزء الثالث من كتابه: أبحاث وراء في تاريخ الجزائر الصادر عن دار الغرب الإسلامي، بيروت لبنان في طبعته الثانية، سنة 2005) .

 

  * جامعة سيدي بلعباس - الجزائر 

 

شوهد المقال 2764 مرة

التعليقات (0 تعليقات سابقة):

أضف تعليقك comment

  • أرسل إلى صديق أرسل إلى صديق
  • نسخة للطباعة نسخة للطباعة
  • نسخة نصية كاملة نسخة نصية كاملة
طالع أيضا
image

جيهان أبواليزيد - أحمد خالد توفيق .. تركتك تغزو عقلى فكيف تكون قصاصاتك قابلة للحرق ؟

 د.جيهان أبواليزيد  هل فهمت الآن الحكمة من كون عمر الإنسان لا يتجاوز الثمانين على الأغلب؟. لو عاش الإنسان مائتي عام لجن من فرط الحنين إلى أشياء
image

رشيدة زروقي - وضع عبد الله بن نعوم عينة من واقع حقوق الإنسان في الجزائر محكمة غليزان تدين الناشط بن نعوم بالسجن سنتين نافذة

 رشيدة زروقي  وضع عبد الله بن نعوم عينة من واقع حقوق الإنسان في الجزائرمحكمة غليزان تدين الناشط بن نعوم بالسجن سنتين نافذة      
image

شكوى من مظلوم تعرض للظلم والتعسف من محكمة حجوط إلى وزير العدل الجزائري

 السيد زقاوة محمدرقم القيد 13382 مؤسسة إعادة التربية و التأهيل القليعةبسم الله الذي ليس مع عدله عدل لا في الارض و لا في السماء و
image

ناهد زيان - مدرسة إلهام ذهني التاريخية

 د. ناهد زيان إن كنت من المهتمين بالتاريخ عموما أو من الدارسين له والباحثين فيه ولاسيما التاريخ الحديث فإنك حتما تعرف من هي الدكتورة "إلهام محمد
image

بوفاتح سبقاق - الكاذب الرسمي

بوفاتح  سبقاق الزعيم منزعج و متشائم بخصوص إستمرارية حكمه ، إشاعات كثيرة هذه
image

حميد عقبي -جوع

حميد عقبي             هذه الأرصفة الجائعة تبدو وحيدة ترتجف تلك خطواتنا لا أثر لها الآن مصباح الشارع يلتزم الصمت كانت هنالك حافلات مزركشة كانت
image

وليد بوعديلة - قصة حيزية عند الشاعر الفلسطيني عز الدين المناصرة

 د. وليد بوعديلة (حيزية) هو اسم امرأة جزائرية، سجلت الذاكرة الشعبية قصتها التي وقعت في القرن التاسع عشر، وهي حسب قصة رواها
image

شكري الهزَّيل - خُذ غصنك وارحَّل!!

د.شكري الهزَّيل لا ادري متى ضبطا بدات علاقتي او ملاحظتى ووعيي بتلك الشجرة الضخمة الوحيدة وسط ارض شاسعه وواسعة وشبة قاحلة,
image

جيهان أبواليزيد - من سيذهب ليقول " يُتبــــع " ومن سيذهب ليقول " تــــم " ؟

   د. جيهان أبواليزيد  كأس العالم ...أعتبرها فرصة لتصفية خلافات وأحقاد سنين فمن لم يأتى بالسياسة يأتى بالرياضة ، فخريطة المجموعات الغريبة إلى حد
image

جيهان أبواليزيد - الهند ليست سيف على خان وكاترينا كييف

 د. جيهان أبواليزيد ذهبت مع صديقتى رافينا وريشما وهما من المسلمات الجديدات بمكتب الدعوة والارشاد بالأحساء  شرقى المملكة العربية السعودية وذلك للتعرف على كومار عامل نظافة ببلدية الإحساء وسابقا عامل صرف صحى بالهند، أردت أن استنطقه لما دفعه لاعتناق الإسلام وعن

:

لا توجد مدونات لهذا الموضوع

قيم هذا المقال

0
Free counter and web stats