الرئيسية | الوطن الثقافي | فاروق عبد الجبار البياتي ...... حكايات عراقية / 7 الإمرأة التي تقاسمها الشقيقان ( صبحي وسعدي )

فاروق عبد الجبار البياتي ...... حكايات عراقية / 7 الإمرأة التي تقاسمها الشقيقان ( صبحي وسعدي )

بواسطة
حجم الخط: Decrease font Enlarge font
image

فاروق عبد الجبار البياتي

 

نحن في رمضان الستينيات وبداية السبعينيات ... قبل ان يكفّر أحدنا الآخر .... البارات تفتح ابوابها مع الافطار .... الزبائن يحومون عند بواباتها يسكنهم الظمأ  وشيءٌ من الصبر بلا ضجر، ... وفي لحظة بذاتها يسود الصمت الأمكنة إلا من همس بسيط، ليس لأن الحكايا أوقفت حكاياها بل لأن الأسماع متلهفة الآن لسماع دوي مدفع الأفطار !.

في كورنيش أبي نؤاس ببغداد حيث تطل على دجلة الخمارات الملونة التي حملت الأسماء (الخضراء والحمراء والبيضاء والصفراء)، فيما يقابلها على الضفة الثانية من النهر بناية مجلس الوزراء ..... ، هناك.. في حديقة ذلك المبنى المطلة على النهر ينتصب مدفع الافطار ... كان على اصحاب البارات الرضوخ للجاجة الزبائن فيفتحوا الابواب في ربع الساعة الاخير قبل الموعد ....... فيهمّون بالدخول عُجالة، ويحتلون مقاعدهم حول الموائد في عجالة، ومن ثمْ، يرضخ النادل هو الآخر لنداءات زبائنه فيوزع على مراحل متعددة ومنفصلة عن بعضها بدقيقة أو أثنتين ، (جكات) الماء .... ومن ثمْ (اسطل) الثلج ..... ومن ثمْ الكؤوس الفارغة، ..... ومن ثمْ صحون (المزّة) .... في الدقائق الخمس الأخيرة تكون قناني (العرق) قد وصلت وأخذت اماكنها تحت الطاولة !!....... وإذا أنت ارتفعتَ ونظرتَ الى المكان من علوٍ ستجد ان كل الرؤوس الآن متجهة ناحية الغرب، وكل العيون مصوبة الى الضفة الاخرى، الى الجندي الذي يقف بجوار المدفع.

وإذ ينحني الجندي ليمسك بطرف حبل مقدحة المدفع يعم الصمت المكان .... ستسمع من هنا وهناك عبارات تردّد يوميا في مثل هذا الثواني .. (يلة يا أبني فـُضها) ... (جر حبلك يرحم والديك) ..... (يلة عاد مو طلعت رواحنا) ........ ولحظة يهمُّ الجندي بسحب الحبل تكون الايادي كلها قد رفعت قناني الخمرة من فوق الحشائش قبل ان يصلهم صوت الاطلاقة !! ...... لا أحد يكفّر أحد.

في مكان ليس ببعيد عن هذا المكان يكون آخرون قد ملأوا باحة المسجد وأفطروا على تمر ولبن وهموا للصلاة ... لا أحد يكفر أحد ... ولا من أمام مسجد يصعد منبره لـ (يكسر) خواطر المُفطرين أو يمس مشاعر شاربي الخمرة في هذا الشهر الفضيل ... لا أحد ... فأكثر من نصف هؤلاء (جماعة التمر واللبن) كانوا قبل حين من الزمن مع أولئك (جماعة القناني) قبل ان يختاروا الانتقال الى هنا بمحض ارادتهم بعد أن إستنفذوا ملذات الحياة .... لا أحد يكفر أحد .... ففي خزين موروثاتهم (مرة لقلبي ومرة لربي) !!.

في مشهد نادر وفريد – ربما لن يتكرر - ستجد ان الحدّاد صبحي وشقيقه سعدي يخرجان سوية من محلة (المربعة) بشارع الرشيد قبل آذان الأفطار بدقائق، يتبادلان الحديث عما ينتظرهم من عمل في صباح اليوم التالي ... قبل أن يعبرا الشارع ويفترقا، فيدخل صبحي خمارة (السويس) الشهيرة، فيما يدخل شقيقه سعدي جامع (سيد سلطان علي) وبين المكانين أمتار قليلة !!، .... لا أحد يكفر أحد.

( إمرأةُ بغدادُ كانتْ ، إختمرت الأنوثة بداخلها طويلا، .... ففي ملمحٍ تراها أتقنت الغنج والدلال والغواية والخفر ..... وفي ملمح ثان يدر ضرعها أكسير حياة تفرقه على فلذات قلبها، صغارا وكبارا ........ وإذ تفرغُ بغداد من إفطار أهل بيتها مع الغروب، تصعد ليلها متمايلة تتلوى، وخلاخيلها تَرِنُّ، مكحلة العينين، مزوقة الشفاه، الى سريرها المحجّل بالاعمدة الاربعة المذهبة الرؤوس، والمغطى بالململ الأبيض، لتمارس وراءه الهمس الرؤوم.

لا أحد يكفّر أحد ..... لا أحد

farooqalbasha@yahoo.com           

شوهد المقال 1821 مرة

التعليقات (0 تعليقات سابقة):

أضف تعليقك comment

  • أرسل إلى صديق أرسل إلى صديق
  • نسخة للطباعة نسخة للطباعة
  • نسخة نصية كاملة نسخة نصية كاملة
طالع أيضا
image

ناصر جابي ـ هل تتجه الجزائر نحو أسوأ السيناريوهات؟

د. ناصر جابي  تعيش الجزائر هذه الأيام حالة استقطاب سياسي حاد، يمكن أن يؤدي إلى ما يحمد عقباه في الآجال القريبة، إذا استمرت الاتجاهات
image

محمد هناد ـ لا لانتخابات رئاسية مفروضة !

د. محمد هناد  أيها السادة أعضاء القيادة العليا للجيش الوطني الشعبي :  القرار الذي اتخذتموه بصورة متسرعة وانفرادية بشأن إجراء انتخابات رئاسية قبل
image

خيط الدم للشاعر الإيراني علي موسوي كرمارودي ..ترجمة الشاعر العراقي محمد الأمين الكرخي

ترجمة : محمد الأمين الكرخي         لابد من أن نراك متجليا في الحقيقة وفي العشب الذي ينمو وفي الماء الذي يروي وفي الحجر الذي للصمود يرمز وفي
image

علاء الأديب يصدر ديوانه الثامن عشر { المرأة الحلم } في بغداد

المرأة الحلم ..قريبا في بغدادديوان جديد للشاعر العراقي المغترب علاء الأديبفي موعد قريب ومن بغداد سيصدر الشاعر العراقي علاء الأديب المقيم في تونس ديوانه الثامن
image

وليد بوعديلة ـ ذاكرة "قالمة " وهويتها في رواية سنوات المحبة للأزهر عطية

د.وليد بوعديلة  رواية " سنوات المحبة" للكاتب الجزائري الأزهر عطية:تحولات وطن،وهج فني وهوية مدينة بعد أن أبدع الكثير من النصوص التي عانقت التاريخ الجزائري، يختار الكاتب
image

محمد محمد علي جنيدي ـ هاجروني وعلى الجرحِ مشيتُ

 محمد محمد علي جنيدي- مصر           هاجروني وعلى الجرحِ مشيتُ يا فؤادي لا تسلْ كيف ارتضيتُ هذه الدنيا قلاعٌ من عذابٍ وسيولٌ من دموعي فاكتفيتُ كانت الأيامُ
image

معتقلي الرأي في الحراك الشعبي الجزائري

ابراهيم دواجي  اخوتي: محمد دعدي، توفيق حلاتي، محمد سمالح، نبيل بوالقمح، رضا عمرود، رابح بلكور، الشيخ ڨاريدي، رشيد، رضا بوعريسة، بوعلام الغاز، الصادق، بشير،
image

زوايمية العربي ـ محمد شرفي وتاريخه الأسود ضد الجزائريين

 زوايمية العربي  محمد شرفي الاسم الذي لم انساه منذ 33 سنة . افلاني ريعي من ولاية قالمة كان صديق
image

البروفيسور الجزائري عبد العزيز برغــوث يحرز على جائزة التميز الدولية لهذا العام "جائزة جواهر العالم الإسلامي" بمساهماته في وضع خطة ماليزيا للتنيمة 2050 منذ سنوات

محمد مصطفى حابس : جنيف /  سويسرا The JEWELS OF MUSLIM WORLDLes joyaux du prix du monde musulman هجرة العقول أو الكفاءات ظاهرة تاريخيّة لم ترتبط بمكان
image

حمزة حداد ـ المختفون قسرا في الجزائر حراك مستمر

حمزة حداد  منذ أسبوع تدخل الأستاذ مصطفى بوشاشي بمقر حزب الافافاس، حول قضية المساجين السياسيين والمفقودين بدزاير في فترة التسعينات، وتحدث عن حجم المعاناة

:

لا توجد مدونات لهذا الموضوع

قيم هذا المقال

0
Free counter and web stats