الرئيسية | الوطن الثقافي | لونيسي ابراهيم ...... مؤرخ الجزائر" أبو القاسم سعد الله وقفة اعتراف و إجلال

لونيسي ابراهيم ...... مؤرخ الجزائر" أبو القاسم سعد الله وقفة اعتراف و إجلال

بواسطة
حجم الخط: Decrease font Enlarge font
image

 د . لوينسي ابراهيم 

 

تنويه :

نشرت هذه المقالة في جريدة "صوت الأحرار" في عددها الصادر يوم الأربعاء 21 جويلية 1999 تحت عنوان " مؤرخ الجزائر أبو القاسم سعد الله ـ وقفة اعتراف و إجلال " و هذا مباشرة بعد صدور معلمته الخالدة "تاريخ الجزائر الثقافي" و عندما اطلع عليها كتب لي رسالة مؤرخة بيوم 4 أكتوبر 1999 يقول لي فيها :" الأستاذ الفاضل ابراهيم لونيسي سلام الله عليكم و رحمته و بركاته، وبعد : فقد وردت على رسالتك المؤرخة في 16/9، و بارك الله فيك و إني معتز بتلك المقالة التي كتبتها عني و عن التاريخ الثقافي، و اكرر لك باني لم اكتب الكتاب و لا غيره مما الفت لكي امدح أو أجاز، ان همي الوحيد هو منح الجزائر تاريخا يشرف أجيالها الماضية و القادمة ... " 
و ا عيد اليوم نشر هذه المقالة على صفحتي في الفيسبوك فهذا دليل على العرفان بالجميل لأستاذ تعلمنا منه الكثير عندما كان يتحرك بيننا في هذه الدنيا الفانية و بدون شك إننا سنضل نتعلم الكثير من الأفكار و الآراء التي تركها لنا مدونة في كتبه الكثيرة، بل و أقول أيضا أننا تعلمنا الكثير من الأمور يوم موته و يوم جنازته و اكبر درس تعلمناه خلال هذه الأيام القليلة التي مرت على رحيله هو كيف تجعل الناس تحبك مثل هذا الحب العظيم، و إليكم المقال : 

مؤرخ الجزائر" أبو القاسم سعد الله 

وقفة اعتراف و إجلال 

إن ظلم ذوي القربى اشد مضاضة من ظلم الأعداء، إن هذه المقولة الشعرية المؤثرة و المعبرة تصدق على وضعية الكثير من المثقفين الجزائريين الذين قدموا الكثير للجزائر و مازالوا يقدمون، رغم ما عانوه، و مازالوا يعانونه من النسيان و الإنكار.

و لست بالمبالغ إذا قلت أن أستاذنا و أستاذ الأجيال الدكتور "سعد الله" يعد من ابرز هؤلاء المظلومين لا لشيء إلا لأنه خدم تاريخ هذا البلد بكل ما يملك من طاقة فكرية و إبداعية، و ساهم مساهمة جبارة في إرساء قواعد المدرسة التاريخية الجزائرية على أسس قوية و متينة و تغرب من اجل ذلك لسنوات و سنوات، دون أن ينتظر جزاء و لا شكورا من أي كان، هذه الغربة التي عانى منها الكثير، و التي طال أمدها على حد تعبيره في إحدى رسائله لي بتاريخ 30 ديسمبر 1998.
إن هذا النسيان و النكران الذي يعاني منه الأستاذ سعد الله يعود أيضا، و هذا بدون شك إلى كونه لم يتملق هذا و لا ذاك، و لم يتقرب من فلان و لا من علان، و لا لشيء
أيضا إلا أنه كان دائما عندما تعرض عليه مهمة تولي مسؤولية إدارية أو سياسية يعتذر لعارضيها بكل أدب و تواضع قائلا لهم بأنه لم يخلق لمثل هذه المهام، بل خلق من اجل البحث و التأليف و التدريس، و انه لم يخلق لشيء أخر غير هذا، و كان أخر منصب عرض عليه على حد علمي هو منصب دبلوماسي، و قد ذكر لي في رسالة بتاريخ 15 أكتوبر 1994 من الولايات المتحدة الأمريكية: ".. رغم أنني في هذه النقطة البعيدة فقد عرض علي عمل رسمي من أهل الحل و العقد في الجزائر، و لكنني اعتذرت. بمشروعي العلمي – الثقافي، – و ارجو وان يتفهموا ذلك – انه أنفع للبلاد و الأجيال اللاحقة من أي منصب سياسي آو دبلوماسي".
و هذا ليس هروبا من الواجب الوطني لان الأستاذ سعد الله يعد أعرف الناس بمعنى الواجب الوطني، و كان يدرك جيدا أن واجبه الوطني هو في إحياء ذاكرة هذا الشعب و كتابة تاريخه، و كان وفيا بحق لهذا الواجب الوطني الذي يفوق ذلك الواجب الذي يقوم به المدير و السفير و الوزير خطورة.
إن الأستاذ سعد الله يعد بحق من المثقفين الموسوعيين القلائل الذين أنتجهم الوطن العربي و الإسلامي في القرون الأخيرة،و الذين سجلوا أسمائهم بأحرف من ذهب، في سجل الخالدين، خاصة بعد انجازه العظيم "تاريخ الجزائر الثقافي " بأجزائه التسعة، هذا العمل الذي يعد بحق موسوعة الجزائر الثقافية التي أرخ فيها لأكثر من ثلاثة قرون. و قد لخص لي هذا الانجاز في إحدى رسائله بجملة بليغة مختصرة بقوله: " ... و قد اصبح ألان تراثا وطنيا، و أنني سعيد أنني أنجزته رغم الصعوبات المعروفة و المتصورة و التي لا يمكن ان تخطر على قلب بشر.." 
و لست بالمبالغ هنا إذا قلت بأن الدكتور سعد الله بهذا العمل الجبار قدم أغلى و أعظم هدية يمكن أن تقدم للوطن الجريح "الجزائر" و هي تودع القرن 20 و تستعد لاستقبال القرن الواحد و العشرين و من حق الجزائر أن تفتخر و تعتز بهذه الهدية، و لكن رغم عظمة الهدية و قيمتها الكبرى فان عملية الإهداء مرت في سكوت فظيع و قاتل لا يضاهيه في ذلك سوى ذلك السكوت الذي يجتاح جمهور الناس عند فقدانهم لعزيز لهم.. 
فرغم مرور حوالي نصف السنة على دخول الكتاب إلى الجزائر، فان وسائل الإعلام الجزائرية من أثقلها إلى أخفها لم تتحدث عن هذا الكتاب اللهم إلا بعض الأسطر الجافة و المقتضبة التي قرأتها في بعض الصحف الوطنية. على عكس ما تستقبل به بعض الكتب التي لا يمكن لها أن ترقى أبدا إلى المستوى العلمي و المعرفي لهذا العمل الموسوعي.
أليس من حق هذا العملاق على الجزائر أن يكرم مثلما يكرم الإبطال الحقيقيون، و إن أقول هذا الكلام فاني على يقين أن الأستاذ سعد الله عندما أنجز هذا العمل المتميز و الفريد من نوعه في الجزائر، و غيرها من الأعمال الكثيرة التي أنجزها على امتداد نصف قرن لم يكن ينتظر أبدا من أي كان آن يقدم له الشكر.
و أنا أدون هذه الكلمة فان قلبي يعتصر ألما على ما آل إليه ذلك الكتاب ألتكريمي الذي كان من المفروض أن يخص به الأستاذ سعد الله، إذ انه قبر في أخر مراحل انجازه، و هو كتاب ضخم يتجاوز ال500 صفحة، و كان لي شرف المساهمة فيه بدراسة عن إنتاج الأستاذ "سعد الله" الذي اعتبرته نموذجا للمثقف الايجابي، و أتساءل هنا بكل براءة ما مصير هذا الكتاب؟ و هل سيرى النور قريبا؟ و هنا اختم هذه الورقة بهذا السؤال البعيد عن أي خلفية و اطرحه بكل براءة " ألا يستحق الدكتور أبو القاسم سعد الله حفلا تكريميا يليق بمقامه ، و بمقام انجازاته الكبرى في جزائر العزة و الكرامة؟

 

 

شوهد المقال 2857 مرة

التعليقات (1 تعليقات سابقة):

فاطمة بلعمار في 06:04 24.06.2015
avatar
اتعجب لهذا الرجل الذي يدعي انه يحب الجزائر عن طريق تكريمه لاستاذ سعد الله .وهو مثال..حي عن المحسوبية والغش والمصالح بين المجالس العلمية وسب رموز الدولة .سبحان الله في خلقه

أضف تعليقك comment

  • أرسل إلى صديق أرسل إلى صديق
  • نسخة للطباعة نسخة للطباعة
  • نسخة نصية كاملة نسخة نصية كاملة
طالع أيضا
image

وليد عبد الحي ـ مشروع سمو الأمير حسن للشرق الاوسط

أ.د .وليد عبد الحي نشرت صحيفة يديعوت أحرنوت مع نهايات شهر شباط/ فبراير الماضي نص رسالة او مقال منسوب لسمو الامير الحسن حول رؤيته لمشكلات
image

عبد الجليل بن سليم ـ الحراك بين.le peuple و l'individu

د . عبد الجليل بن سليم  قبل ما نبدا. مستحيل تفهم السياسة و الانسان ما قراش التاريخ، شخصيا من أهم الفترات اللي أفادتني ياسر في فهم
image

بوداود عمير ـ الاشعاعات النووية من الصحراء الجزائرية لجبال فرنسا

بوداود عمير   تظهر الصورة منظرا من السلسة الجبلية "جورا" الفرنسية على الحدود السويسرية، وهي منطقة معروفة بكثافة ثلوجها وسُمكها، وقد تحوّلت من اللون الأبيض إلى اللون
image

نصر الدين قاسم ـ عور التحليل وبؤس التدليل

نصرالدين قاسم أعاب بعض الإخوة بعض الشعارات التي رفعها بعض المحتجين، وهتفت بها حناجر بعض الغاضبين في مسيرات الجمعة السادسة بعد المائة، ووجدوا فيها صهوة للتحامل
image

نجيب بلحيمر ـ مجازفة التأويل " شعارات الحراك الجزائري "

نجيب بلحيمر  الاستغراق في التحليل قد يحجب عنا التفاصيل البسيطة التي نراها على الأرض، والاجتهاد في البحث عن قراءات تؤكد ما نفكر فيه يؤدي في بعض
image

رشيد زياني شريف ـ اسئلة للقانوني رضا دغبار حول الحراك الجزائري

د. رشيد زياني شريف  لا نخوّن أحد، لكن، لن تكمموا أفواهنا، نحن أحرار ولا نساوم فيما نعتقده حقاأوجه جملة من الأسئلة إلى السيد رضا دغبار، هي
image

أبوطالب شيبوب ـ كلمتين بالدارجة الجزائرية لمن يحاول التحريض على الحراك الجزائري

أبوطالب شيبوب  كلمتين بالدارجة راهم في خاطري وبغيت نقولهم قبل ما نرقد.. بالاك غدوة نموت ومازالوا حاصلين ليا في الڨرجومة: راه كاين واحد الفرق ااواضح -
image

العربي فرحاتي ـ نقد النقد ضروري..أيضا ..المتنمرون على الحراك الجزائري

د. العربي فرحاتي  كنا ننتظر من نخبنا الحراكية بعد هذه الهبة الاستئنافية للحراك أن تقرأ المشهد الاستئنافي بروية وبصيرة وتوجه انتقاداتها إلى السلطة .وتحثها على
image

خديجة الجمعة ـ امرأة ثلاثينية

خديجة الجمعة وقفت امرأة ثلاثينية، تخاطب نفسها!! اهو الزمان قدعصف بي أم أنا عصفت بهذا الزمان؟! وهل هم الأصدقاء مابرحوا ينتظرون الزهور التي أعددتها لهم؟ أم
image

مريم الشكيلية ـ على مائدة الكلمات

مريم الشكيلية ـ سلطنة عماندعاني ذات فصل لوجبه عشاء على أظرفة شتاء...قال لي :جميل لون الوشاح الذي يطوق عنقك..قلت :يا سيدي أنا أنثى ترتدي الفصول

:

لا توجد مدونات لهذا الموضوع

قيم هذا المقال

0
Free counter and web stats