الرئيسية | الوطن الثقافي | آلان كيربي ترجمة - حسن ناظم ........... ما هي بعد ما بعد الحداثة؟

آلان كيربي ترجمة - حسن ناظم ........... ما هي بعد ما بعد الحداثة؟

بواسطة
حجم الخط: Decrease font Enlarge font
image
ترجمة- حسن ناظم
التحوّلَ من الحداثة إلى مابعد الحداثة هو أكثر من تحد بسيط للنمط الثقافيّ. فقد تغيّرت، فجأة وإلى الأبد، الشروطُ التي تُدرَك بها السلطة ُوالمعرفة والذاتية والواقع. ثمة هوّة بين أغلب الأساتذة وطلبتهم شبيهة بالهوّة التي ظهرت في أواخر الستينيات، ولكن ليس للأسباب نفسها. لم ينشأ هذا التحوّل من أيّ إعادة صياغة لشروط الإنتاج والتلقّي الثقافييْن؛ 
وجلّ ما حدث، لو شئنا التعبير بمبالغة مجازية، هو أن الذين كانوا قد كتبوا ذات يوم رواية "يوليسيس" [جيمس جويس، 1922] ورواية "نحو الفنار" [فرجينيا وولف، 1927]، كتبوا بدلاً من ذلك رواية "النار الشاحبة" [ناباكوف، 1962] ورواية "الغرفة الدامية" [أنجيلا كارتر، 1979]. غير أنه في مكان ما في أواخر التسعينيات وأوائل الألفية، أدّى ظهور التكنولوجيات الجديدة إلى إعادة بناء طبيعة المؤلف، والقارئ والنصّ، والعلاقات بينهما، على نحو عنيف وإلى الأبد.
إن مابعد الحداثة، مَثَلُها مَثَلُ الحداثة والرومانسية قبلها، أولتْ أهميةً كبرى للمؤلف، حتى إذا اختار المؤلف أن ينأى بنفسه أو يتظاهر بإلغائها. بيد أن الثقافة الآن تولي أهمية كبرى لمتلقي النصّ إلى درجة أصبح فيها مؤلّفاً للنصّ جزءاً أو كلاًّ. وربما يرى المتفائلون هذا الوضعَ نوعاً من دمقرطة الثقافة؛ أما المتشائمون فسوف يشيرون بذلك إلى الابتذال المفرط للمنتجات الثقافية وفراغها (في الأقل حتى الآن).
تدرك مرحلةُ ما بعد الحداثة بأن الثقافاتِ المعاصرة ماهي الا مشهد كان الفردُ قبله يجلس بلا حوْلٍ ولا قوة، وكانت الأسئلةُ الحقيقيّة ضمنه تثير إشكاليات معينة. ولذلك شدّدت ما بعد الحداثة على التلفاز أو شاشة السينما. أما خليفتها، التي سوف أسمّيها الحداثة الزائفة، فقد جعلت من فعل الفرد شرطاً ضرورياً للمنتج الثقافي. فالحداثة الزائفة تتضمّن جميع برامج التلفاز أو المذياع، أو أجزاء من البرامج، وجميع ’النصوص‘ التي ابتكر مضمونها أو أخرجه المشاهد المشارك أو المستمع المشارك. لا يمكن للمنتجات الثقافية ذات الحداثة الزائفة أن توجد، وهي لا توجد، ما لم يتدخّل الفردُ تدخّلاً مادياً فيها.

الظاهرة الثقافية
إن الظاهرة الثقافية التي تتّصفُ بالحداثة الزائفة بلا منازع هي الانترنت. فالفعل المركزي فيه هو أن الفرد يتحرك خلال الصفحات بالنقر على فأرة الكومبيوتر بطريقة لا يمكن تكرارها، مبتكراً بذلك طريقاً خلال المنتجات الثقافية لم يوجد من قبلُ أبداً، ولن يوجد مرة أخرى. وهذا اشتباك شديد بالعملية الثقافية أكبر بكثير ممّا يمكن أن يتيحَه الأدب، وهو يعطي إحساساً (أو وهماً) لا يمكن إنكاره بأن الفرد يسيطر على انهماكه بالمنتج الثقافي، ويُديرُه، ويؤلّفه. فصفحات الانترنت ليست ’مؤلَّفةً‘ بمعنى أن المرء لا يعرف من كتبها أو اهتمّ بها. وأغلبية هذه الصفحات إما أن تطالب الفرد بتشغيلها، مثل البرامج التي تعمل كدليل للطرق، أو أن تسمح له بالإضافة مثل موسوعة الويكيبيديا. وفي كلّ الحالات، من الجوهري للانترنت أن يكون بإمكانك أن تكوّن بسهولة صفحاتك الخاصة فيه (أي البلوكَـ).
إذا كان الانترنت واستخدامه يحدّدان الحداثة الزائفة ويهيمنان عليها، فإن الحقبة الجديدة شهدت أيضاً تجديداً لأشكال قديمة من الفنون. إذ تشبهُ السينما في عصر الحداثة الزائفة ألعاب الكومبيوتر إلى حد كبير. فصورها تتشكل على نحو متزايد من خلال الكومبيوتر، الصور التي كانت تجيء، في يوم ما، من العالم ’الحقيقي‘. ويوم كانت المؤثرات الخاصة تجعل المستحيل يبدو معقولاً، فإن البرامج والتطبيقات الكومبيوترية تعمل على أن تجعل الممكن يبدو مصطنعاً، كما في فيلم "سيّد الخواتم The Lord of the Rings" و"المجالد Gladiator". وهكذا لم تمنح السينما مجرد أساس ثقافي للكومبيوتر بوصفه مولّداً لصورها، بل لألعاب الكومبيوتر بوصفها نموذجاً لعلاقتها مع المشاهد.
يبقى نصّ الحداثة الزائفة لوقت وجيز جداً. فبرامج التلفاز اليومية لا يمكن إعادتها بشكلها الأصلي. ويصعب الاحتفاظ بالشكل الأصلي للرسائل الهاتفية والإيميلات، وقد تقوم طباعة الإيميلات على الورق بتحويلها إلى شيء أكثر ثباتاً، مثل رسالة ما، لكن ذلك لا يتحقق إلاّ بتدمير حالتها الإلكترونية الجوهرية. إن حياة مكالمات المستمعين عبر المذياع، وألعاب الكومبيوتر، قصيرة جداً. والثقافة المتأسسة على مثل هذه الأشياء لا يمكن أن تكون لها ذاكرة. ولأن الحداثة الزائفة لا يمكن إعادة إنتاجها ولأنها سريعة الزوال، فهي بذلك فاقدة للذاكرة: فليس من إحساس لهذه الأفعال الثقافية في اللحظة الراهنة لا بالماضي ولا بالمستقبل.

بدائية صبيانية 
إن المنتجات الثقافية للحداثة الزائفة منتجات بالغة الابتذال. يميل محتوى أفلام الحداثة الزائفة إلى أن يكون محضَ أفعالٍ تولّد الحياة وتميتُها. وفيها تقف البدائيةُ الصبيانية للحوار في الفيلم في تعارض صارخ مع دقة التأثيرات التقنية للسينما المعاصرة. والكثير من الرسائل الهاتفية والإيميلات تافهة مقارنةً بما اعتاد الناس، من جميع المراحل التعلمية، على كتابته في الرسائل، إذ تتربّع التفاهةُ والضحالةُ عليها كلّها. إن عصر الحداثة الزائفة، في الأقل حتى الآن، هو صحراء ثقافية. وعلى الرغم من أننا قد ننشأ معتادين على الشروط الجديدة التي نكيّفها للتعبير الفني ذي المعنى (ومن ثمّ فالتسمية الازدرائية التي ألحقتُها بالحداثة الزائفة لا تعود ملائمة)، تواجهنا الآن وفرة من الأنشطة الإنسانية التي لا تنتج تقريباً شيئاً له قيمة ثقافية باقية أو حتى يمكن إعادة إنتاجها، إنها لا تنتج أيّ شيء يمكن أن ينظر إليه الإنسان مرة أخرى ويقدّره بعد خمسين عاماً أو بعد قرنين من الزمن. 
يمكنُ ردُّ جذور الحداثة الزائفة إلى السنوات التي هيمنت فيها حركةُ مابعد الحداثة. على سبيل المثال، تنزع موسيقى الرقص وصناعة المنتجات الإباحية، وهي منتجات أواخر السبعينيات والثمانينيات من القرن الماضي، إلى سرعة الزوال والخلوّ من المعنى، وهي منتجات ليس لها مؤلّف. إنها تتصدّر أيضاً النشاط لتحقيق "تلقٍّ" لها: فالرقص يتمّ على وقع موسيقى الرقص، والمنتجات الإباحية ليست للقراءة ولا للمشاهدة، بل للاستعمال، إنها تتحقّق بطريقة تولّد وهماً حداثياً زائفاً بالمشاركة. وفي الموسيقى، أن تحلّ القطع الفردية المتنافرة والمنزّلة إلكترونياً في الآﭘود باختيار المستمع محلَّ الألبوم الفني المتناغم هو بالتأكيد أمر متوقّع سلفاً منذ أن جرى تكوين أشرطة للمعجبين بالموسيقى من الجيل السابق. لكن التحوّل قد حدث، فأصبح ما كان تسليةً هامشيةً للمعجبين الطريقةَ المهيمنة والحاسمة للموسيقى الاستهلاكية، وصارت فكرة الألبوم، بوصفه عملاً فنياً متماسكاً وقواماً لمعنى موحّد، فكرة مهجورة.
ليست الحداثة الزائفة، إلى حدّ كبير، أكثر من تحوّل أحدثتْه التكنولوجيا، تحوّل شيء، كان موجوداً على الدوام، إلى مركز الاهتمام الثقافي (مثل مابعد القصّ metefiction الذي كان موجوداً دائماً، ولكن لم يُولَ اهتماماً كبيراً مثل الاهتمام الذي أوْلتْه له حركةُ مابعد الحداثة). ولقد استخدم التلفاز دائماً مشاركة الجمهور، فهو مثل المسرح والفنون الأدائية الأخرى التي فعلت الشيء نفسه قبله، ولكن فعلتْه كخيار وليس ضرورة: غير أن مشاركة الجمهور في برامج الحداثة الزائفة للتلفاز بُنيت في صلب البرامج نفسها. ولوقت طويل، كانت هناك أشكال ثقافية ’حركية‘ مثل الكرنفال والـﭘـانتومايم، لكن لم تتضمّن هذه الأشكال نصّاً مكتوباً، ولهذا بقيت في هامش الثقافة التي تولي اهتماماً كبيراً بالنصوص، بينما يقف نصّ الحداثة الزائفة، بكلّ خصائصه، شكلاً مركزياً، ومهيمناً، وأنموذجياً للمنتج الثقافي اليوم، مع أن الثقافة، في هوامشها، ما زالت تعرف أشكالاً أخرى. ولا يجب وَصْمُ هذه الأشكال الأخرى بـ’الخمول‘ مقابل ’فاعلية‘ الحداثة الزائفة. كانت للقراءة والاستماع والمشاهدة أنواع من الخصوصية، غير أن هناك جانباً مادياً في أفعال صانع النصّ الحداثي الزائف، وهناك ضرورة لأفعاله أو أفعالها فيما يتعلق بتأليف النصّ، وهناك أيضاً تحكّم غيّر التوازن الثقافي للقوة. إن الحداثة الزائفة تشكّل الهيمنة الاجتماعية والتاريخية والثقافية للقرن الحادي والعشرين. وفضلاً عن ذلك، ثمة خصوصية لفاعلية الحداثة الزائفة: إنها إلكترونية، ونصّيّة، لكن سريعة الزوال.
 
الصباح العراقية  

شوهد المقال 2483 مرة

التعليقات (0 تعليقات سابقة):

أضف تعليقك comment

  • أرسل إلى صديق أرسل إلى صديق
  • نسخة للطباعة نسخة للطباعة
  • نسخة نصية كاملة نسخة نصية كاملة
طالع أيضا
image

بوداود عمير ـ واقع الفنان الجزائري المؤلم " الفنان الكبير أحمد قادري " قريقش فنيا "

بوداود عمير  مؤسف ومؤلم جدا واقع الفنان الجزائري، لا وضعية مادية واجتماعية مريحة ولا عروض فنية تحقق بعضا من حضوره الفني. ذلك ما استخلصته وأنا أنهي
image

جلال خَشِّيبْ ـ عودةُ الاحتواء: ما الذّي تعنيه سياسةُ الحرب الباردة للحظتنا الراهنة دِيبُورا وِيلتْش لارسون، مجلّة السياسة الخارجية، 15 يناير 2021، الولايات المتحدّة

إعداد وترجمة: جلال خَشِّيبْ، باحث مشارك أول بمركز دراسات الإسلام والشؤون العالمية (CIGA)  عودةُ الاحتواء: ما الذّي تعنيه سياسةُ الحرب الباردة للحظتنا الراهنةدِيبُورا وِيلتْش لارسون، مجلّة
image

يوسف بوشريم ـ ثلاثة مواقف يوم 22-2-2021 ستبقى راسخة في ذهني. نور السلمية

يوسف بوشريم  الموقف الأول (الحر البصير القادم من خنشلة):العلم الوطني أداة جريمة في الجزائر لمستقلة  و نحن في طريقنا مشيا على الأقدام من ساحة الأمير عبد القادر
image

نجيب بلحيمر ـ إهانة مظاهر "الدولة" أهم من ترسيم تسعيني

نجيب بلحيمر  أهم من ترسيم تسعيني رئيسا لمجلس الأمة، بعد نحو سنتين من توليه هذه المسؤولية بالنيابة، طريقة إخراج هذه العملية.ما حدث اليوم يؤكد أن هذا
image

عبد الجليل بن سليم ـ النظام السلطوي تعامله معنا .. تعاملنا معه

د. عبد الجليل بن سليم  عندما يتم إلقاء القبض على أي شخص قام بحقه في الكلام و التعبير عن سخطه ، فان ردة فعلنا لمادا النظام
image

عبد الرحمن صالح ـ عزيزي المواطن(ة): اعرف حقوقك عند الاعتقال من طرف الشرطة الجزائرية أو المخابرات

عزيزي المواطن(ة):اعرف حقوقكإن ممارسة التظاهر والتجمع و التعبير عن الرأي حق دستوري مكفول ، وتضمنه المواثيق الدولية و التشريع المحلياذا تم توقيفك بمناسبة ممارسة هذه
image

حكيمة صبايحي ـ الشعب ليس حزبا سياسيا، وهو أكبر من كل الأحزاب السياسية

حكيمة صبايحي  لهذا يحتاجه الجميع، فهو وحده مصدر كل شرعية، والذين يرددون: "إذا بقي الشعب بلا مشروع محدد ستبقى المسيرات بلا معنى" أعتقد أنهم يخلطون بين
image

خديجة الجمعة ـ اللامنتمي

خديجة الجمعة  اللا منتمي : هو الذي يبحر في سماء غير السماء المعهودة. وينطق بما في حياته للبعيد . وخيالاته تنطق بما في جوفه.اللا منتمي لاتوقفه
image

عثمان لحياني ـ عامان من الحراك الجزائري: منجزات ملموسة ومطالب مركزية تنتظر التحقيق

عثمان لحياني  يصعب جرد حساب الحراك الشعبي الجزائري في غضون عامين من الانتفاضة السلمية. فمنذ تظاهراته الأولى في 22 فبراير/شباط 2019، أعلن الحراك عن
image

ناصر جابي ـ الحراك الجزائري في سنته الثانية… ماذا حقق وما ينتظره من تحديات؟

د . ناصر جابي  ليس هناك اتفاق ولو جزئي بين الجزائريين، حول حصيلة للحراك الشعبي الذي انطلق في 22 فبراير 2019 وهو يدخل سنته

:

لا توجد مدونات لهذا الموضوع

قيم هذا المقال

0
Free counter and web stats