الرئيسية | الوطن الثقافي | فوزي سعد الله ..............."نَاسْ البَهْجَة"...مَنْ أَنْتُمْ...؟

فوزي سعد الله ..............."نَاسْ البَهْجَة"...مَنْ أَنْتُمْ...؟

بواسطة
حجم الخط: Decrease font Enlarge font
image
فوزي سعد الله 
 

كان قَلْبُ "بَهْجَةِ" بني مزغنة على قَدَرٍ من الشَّسَاعَةِ ورَحَابَةِ الصَّدْرِ ما جعلها تَتَّسِعُ لِكُلِّ خَلْقِ اللهِ مِن مُختلف الأعْراقِ والأَدْيَانِ...

في الأصل لم يكن يسكن في قرية بني مزغنة سوى بني مزغنة أنفسهم. ويُقال إنهم ينحدرون من قبيلة أمازيغية قد تكون اخترقتها أعراقٌ أخرى قديمة من الأمَمِ التي تعاقبتْ على المنطقة. وعندما قَرَّرَتْ هذه النواةُ العمرانية التاريخيةُ للعاصمة الجزائرية التَّوَسُّعَ وحيَازَة دوْر أهمّ في حوض المتوسط، كان عليها أن تُشَرِّعَ أحضانَها لاستقبال من سيصْبُحون أبناءَها الجُدد ويساهمون في بناء قَدَرِهَا الجديد. فجاءها العربُ المسلمون الفاتحون دون تأثيرٍ على هويتِها الأمازيغيةِ في البداية بِسببِ عددِهم المحدودِ جدًّا في ذلك الوقت. ثم جاءت لاحقًا الهجرةُ الجماهيريةُ الهِلاليةُ التي استقرَّ أحدُ فروعِها في سهلِ المَتِّيجَة لِيَتَوَسَّعَ شيئًا فشيئًا إلى أرض بني مَزْغَنَّة التي لن تكونَ مُنْذُئِذٍ سوى خليط بشري عربي - أمازيغي. والفرعُ العربي الهلالي المقصود هو فرع الثعالبة الذي ينحدرُ منه سيدي عبد الرحمن الثعالبي، زعيمُها ورمزُها الرُّوحِي، وكذلك الشيخ سالم التُّومِي آخر حُكامِها الثعالبة الهِلاليِّين الذي أطاح به الأَخَوَان خيْر الدِّين بَرْبَرُوسْ وعرُّوج في بدايةِ القرنِ 16م. و

عندما كَبرتْ طموحاتُ جَزَايَرْ بَنِي مَزْغَنَّة وأحلامُها، تَدَعَّمَتْ من الناحية الديمغرافية بالمهاجرين الأندلسيين ثم المُورِيسْكِيِّين، وبِعَدَدٍ من الأتراك، واليونانييين، والبوسنيين، والألبانيين، والبلغاريين، والمالطيين، والكْرِيتِيِّين (جزيرة كْرِيتْ)، واليونانيين، والصّقليين، والبُندقيِّين، والإيطاليِّين بِشكلٍ عامٍّ، والكورسيِّين، وحتى بِبَعْضِ الفرنسيِّين والإنجليز والإيرلنديين والهولنديين..وذلك في العهد العثماني. فجاؤوها كمهاجرين وكَلاَجِئِين وكمغامرين بحثا عن الأمن والرفاهية والاستقرار والنجاح الاجتماعي أو كأسرى حروبٍ أو معارك قادتْهُم الظروفُ في الكثير من الأحيان إلى البقاءِ بها إلى الأبد بعد إسْلاَمِهِم.

كما جاء إلى جزائر بني مزغنة، التي كانت قد بدأتْ تتخلَّى حِينها عن الجُزءِ الأمازيغيِّ من اسمِها التاريخي الذي يتمثلُ في "بني مزغنة" لِتَسْتَبْدِلَهُ باللقبِ الجهاديِّ "المَحْرُوسَة بِاللهِ" أو "دَار الجِهَادِ"، عددٌ من المَغَارِبَة والتونسيين كما تَدُلُّ على ذلك تَسْمِيَةُ بَعْضِ أحياءِ المدينة في العهد العثماني بأسماءٍ مِثل: "حَوْمَةُ الجْرَابَة"، أيْ أهل جزيرة جَرْبَة التونسية، و"حَوْمَةُ السّْلاَوِي"، أي القادم من مدينة سَلاَ المَغْرِبِيَة... وتُشير بعض الأسماء العائلية في الحقبة العثمانية إلى وجود عائلات مشرقية كـ: البَغْدَادِي، أو بصيغةٍ لُغويةٍ ترْكِيةٍ: البَغْدَادَلِّي،أو الشَّامِي و أبو الشَّامِي والحضرمي (اليمني) بمختلف أحياء هذه المدينة التي أصبحتْ عاصمةً للجزائر كلِّها تُعْرَفُ في أُورُبَّا بـِ: إيَالَةِ الجزَائر.

مِثلُ هذه التطوُّرات الديمغرافية التاريخية هي التي تُفَسِّرُ وُجُودَ أسماءٍ عائليةٍ إلى اليوم، ليْسَ في مدينة الجزائر فحسب بل في كل الجزائر، على غرارِ: ازْمِيرْلِي (أيْ من مدينة إزْمِيرْ التركية)، اسْطَمْبُولِي (من اسْطَمْبُولْ في تركيا)، بُورْصَالِي (من مدينة بُورْصَة بِتُرْكْيَا)، رُومِيلِي (رُومِيلْيَا في تركيا / بلغاريا)، المَانْصَالِي (نسبة إلى مدينة مَانِصَا قرب إزمير في تركيا)، بَسْطَانْجِي (أيْ بُسْتَانْجِي)، دَامَرْجِي، دَاوَاجِي، قهوجي...وغيرها من الأسماء التي تعكس الأصول العرقية – الجغرافية والأصول الحِرَفِيَة – المِهَنِيَة في الوقت نفسه.

لكن لم تكن كلُّ الأسماءِ تركيةً، إذْ وُجِدَتْ أخرى ولاتزال توجدُ إلى اليوم مثل: كْرِيتْلِي أو بَنْ كْرِيتْلِي (من جزيرة كْرِيتْ)، رُودُوسِي (من جزيرة رُودُسْ)، مَالْطِي (من جزيرة مَالْطَا)، الصّْقُلِّي (من جزيرة صِقِلِّيَة الإيطالية)، بُوشْنَاقْ أوالبُوشْنَاقِي (أي البُوسْنِي؛ من البُوسْنَة والهِرْسَكْ)، فِينِيزْيَانُو (البُنْدُقِي من إيطاليا)، قُورْصُو أو القُورْصُو (الكُورْسِي ( من جزيرة كورسيكا الفرنسية)، الغَرْنَاوَطْ أو الأَرْنَاؤُوطْ (من أَلْبَانْيَا)...، بالإضافة إلى الوَجْدِي أو وَجْدِي (مدينة وَجْدَة المغربية)، الفَاسِي على غرار "زاوية سيدي علي الفاسي" (من فَاسْ المغربية) التي كانت تقع قرب "الدَّار الحَمْرَاء" في حَوْمَة "الزّوج عيُون"، الطّْرَابَلْسِي (من طْرَابْلَسْ اللِّيبيَة أو اللُّبْنَانِيَة والأرجح الليبية) وغيرها من الأسماء المتعددة الأصول والأعراق.

أما الذين قصدوا مدينةَ سيدي عبد الرحمن قادمين إليها من داخِلِ التُّرابِ الجزائريِّ أو من دُوَلِ الجوارِ الإفريقيةِ فعددُهم أهمّ و ثقلهُم أكْبَر، في هذه الحقبة العثمانية، من الناحية الاجتماعية والثقافية حتى وإن كان وزنُهم أقل من حيث الثروة. و قد وَرَدُوا عليها من قبائل زْوَاوَة الأمازيغية بِجبال جَرْجْرَة، ومن خليط بقايا قبيلة كِتَامَة في جيجل ، البربرية هي الأخرى، وضيوفها الجدد الأندلسيين والمَغْرِبِيِّين والأتراك، ومن قبيلة الشعامْبة، ومن وادي سُوفْ، ومن وادي المِيزَابِ، وورقلة، وبسكرة، والأغواط..، وحتى من مالي والنيجر والسينغال... ابناء مدينة الجزائر القدامى، "أولاد البلاد" كما يُقال اليوم، هم كل هذا الخليط البشري الدولي...

 

الاتجاهات الديمغرافية الكبرى

لكن إذا نظرنا إلى سكان مدينة الجزائر من زاوية العناصر العِرْقِيَة الكبرى المستقرة بشكل دائم ومتواصل والأهم من الناحية الدِّيمغرافية العددية، لأَمْكَنَ تَصْنِيفَهُم بشكلٍ عامٍّ إلى "الحَضَر"، وهو ما يُقابِلُ في الوقتِ الحالي مُصْطَلَحَ "أولادْ البْلادْ" أيْ أبناء البَلَدْ المتمدِّنين من جهة، ومن جهة أخرى ما كان يُسمَّى بـ: "البَرَّانِيَة" وهم الذين بقوا، أو أبقوا أنفسهم، مُصَنَّفِين في عِداد الغُرباء عن مدينة الجزائر رغم استمرار وجودهم بها دون انقطاع طيلة قرون. والسبب في ذلك يعود إلى كَوْنِ أغْلَبِيَّتهم كانتْ نِصف مُستقرة في المدينة، إذ كانت لهم قَدَمٌ في قصبةِ الجزائر وقَدَمٌ آخرى في قُرَاهم وجِبالهم وصَحَارِيهُم التي جاؤوا منها أو جاء منها أجدادهم من أجل العمل أو من أجل التجارة وحتى من أجل المشاركة في الدفاع عن المدينة أثناء الاعتداءات الأوربية عليها. كما كانت هَويتُهم نِصْفَ قَصَبَجِيَة ونِصْفَ رِيفِيَّة لأنهم لم يقطعوا أبدا صِلاتَهُم بأُصُولِهم الجغرافية، بل في أغلب الحالات كانوا يعيشون في القصبة بدون أُسَرِهِم التي تبقى عادة في القرى الأصلية.

ويتمثل هؤلاء "البَرَّانِيَة" في: زْوَاوَة، الجِيجليُّون، المِيزَابِيُّون، الأَغْوَاطِيُّون، البَسْكرِيُّون، والزُّنُوج الذين كانوا يُسَمَّوْنَ : "الوَصْفَانْ". أما "الحضر" فهم يتشكلون من "البَلْدِيِّين"؛ أهل المدينة القدماء، في ذلك العهد العثماني، الذين قد يكونوا عربًا أو بربرًا مُتعرّبين اندمجوا بشكلٍ كُلّي في النسيج والثقاقة الحضرييْن المحليين أو مُهَجَّنين من الاثنيْن من جهة، ومن جهة أخرى من الأندلسيين و الموريسكيين الذين كان يُطلق عليهم الأوربيون عادة تسمية "المُورْ". ووُجد ضمن الأندلسيين و"البلديين" عددٌ من اللاجئين اليهود، الأندلسيين هم الآخرين، المُلَقَّبِين بِـ: المِيغُورَشِيمْ ومن اليهود الأهالي؛ الأقدم وجودًا بِجزائر بني مزغنة المعروفين بـ: التُّوشَابِيمْ.

وإذا دقَّقْنَا في بُنْيَةِ "البَرَّانِيَة" فَنَجِدهم مُهيكلين ضِمْن مجموعات عِرقية لكل واحدة نقيبها أو "أمين الجماعة" الذي يمثلها رسميًا وإداريًا أمام السلطات المحلية والوطنية.

زْوَاوَة والجِيجْلِيُّون

ربما أمكن المغامرة بالقول إن أقدم البَرَّانِيَة في "بهجة" بني مزغنة بعد أن أصبحت تُسمى الجزائر في القرن 16م هم الجواجلة وزواوة جرجرة وبجاية. والأسباب تاريخية مرتبطة مباشرة بدخول الأخوين عروج وخير الدين إلى البلاد من مدينة جيجل بدعوة من أهل البلد الذين كانوا في حاجة إلى دعم عسكري للتخلص من الاحتلال الجنْوِي. وقد نجح رهانُ الجواجلة على الأخويْن العثمانييْن،اللذين لم يكونا تركييْن كما يُعتقَد، كما نجح رهانُ خير الدين وعروج عليهم، وقد أقام الأول بينهم لمدة خمس سنوات بعد أن تزوج من إحدى بناتهم.

وبعد استرجاع جيجل، أثمر التحالف الجيجلي العثماني بتحريرِ مدينة بجاية بمشاركة المقاومة المحلية ثم توجهوا جميعا إلى مدينة جزائر بني مزغنة لطرد الإسبان منها. ويُحْكَى بأن جيشَ خير الدين وأخيه كان يتشكلُ من أهل جيجل في جوهره، لذلك بمجرد تحرير البلدة التي ستتحول من الآن فصاعدا إلى العاصمة الجزائرية، استقر عدد هام من هؤلاء المقاتلين بها وأعطاهم النظام العثماني الجديد احتكار صناعة الخبز العمومي المُوجَّه للمؤسسة العسكرية ولمختلف هيئات دار السُّلطان وللعبيد. وهذا سر العلاقة الحميمية والقديمة بين هؤلاء الناس و الكوشات والمخابز بشكل عام ومع مخابز قصبة الجزائر بشكل خاص التي كان العديد منها يسمى "كوشة الجِيجْلِيَة"... ومن أشهر كُوشَات الجِيجْلِيَة، كما كان يُقال، في بدايات القرن 19م تلك التي كانت تقع في سُوق الشَّمَّاعِينْ وأخرى قرب حَمَّام المَالِح في "الوْطَأ" و أخرى في حَوْمَة سيدي مْحَمَّد الشّريف و رابعة في سْوِيقَة عَمُّورْ. وقد كانت القصبة تحتوي على مابين 71 إلى 100 كوشة في عام 1805م. وحدث أن انتظم الجيجلية في نقابة كوَّاشِين خاصة بهم لها أمينها الخاص الذي كان يُسمَّى في اواخر القرن 18م "أمين الجِيجْلِيَة الكوَّاشين"...

كان الزّْوَاِويُّون أقلَّ استقررا من الجواجلة بمدينة الجزائر، إذ كثيرا ما كانوا يقضون وقتا أكبر في قراهم منه في قصبة الجزائر، رُبَّمَا لأن قُرْب جبال زْوَاوَة من العاصمة الجزائرية كان وراء ذلك بحيث يسمح بالعودة السريعة إلى القرية بمجرد إتمام الصفقات التجارية أو انتهاء الشُّغل. وقد كانوا تجارا للزيت والتين والصابون، كما اشتغلوا مزارعين أُجَرَاءَ أوخَدَماً، وكان لهم فندق ومسجد كانوا كثيري التردد عليهما وهما "فندق الزّيت" و "جَامع القْبَايَلْ" في حيّ "باب عَزُّونْ".

لكن لهذين الفئتيْن الاجتماعيتيْن حضور من نوع آخر في المدينة يتجاوز الدور الاقتصادي و العسكري ويعكس ثقلا أعمق مما قد نتصور. ثقلٌ روحيٌّ عِلميٌّ يجد أحسن تعبير عنه في ذلك العدد الهام من أضرحة الأولياء والصالحين الزوَاِويِّين والجِيجْلِيِّين المُنتشِرين في قصبة الجزائر على غِرار ضريح سيدي أحمد بن عبد الله الزواوي (متحف الفنون الشعبية القريب من جامع كتشاوة ويُسمَّى ايضا دار البكري (اليهودي) أو دار خْداوَجْ العمياء)، ضريح سيدي علي الزواوي (بين شارعي العربي بن مهيدي و بَاتْرِيسْ لُومُومْبَا) وضريح سيدي عبدالله، الجِيجْلِي، الذي ما زال موجودا إلى اليوم في القصبة العُليَا في الحَوْمَة التي تَحْمِلُ اسمَه وهي حَوْمَة حْوَانِيتْ سِيدِي عَبْدَ الله...

 

أهل الصحراء

 أما البَسْكرِيُون فكانوا أقلَّ عددًا من القْبَايَلْ والجْوَاجْلَة وأقلَّ جاهًا وثروةً رُبَّمَا لأنهم اتَّسَمُوا بـ: "القناعة"، إذا صدق كلام الفرنسي لُوجْيِي دُوتَاسِي الذي قال عنهم: "بِمُجَرَّد أن تَتَرَاكَمَ لديْهم بضعة أَوْقِيَة (مِن عَمَلِهِم) يُسارعون إلى العودة إلى أهلهم حيث يُنظَرُ إليهم كَأُنَاسٍ أغنياء جدًّا". واشتهر البسكريون كَحَمَّالِين في الأسواق، غَيْر أن المِهنة التي بقيت مُلْتَصِقَة بهم إلى غاية القرن 20م في قصبة الجزائر فهي مهنة السّقاية وما يتعلق بها من مهام تكميلية كَتَطْهِيرِ الأبْيَار وتَجْيِيرِهَا، إذْ كان البسكري مُرَادفاً لـ: "السَّقَّايْ" الذي يَتَجَوَّلُ في الأسواق والشوارع عارضًا على المارَّةِ الماء الصالح للشرب ومُنَادِيًا: "بَرَّدْ يَا عَطْشَانْ!"، أو عابرا أزقة القصبة من أسفلها إلى أعلاها حاملا قِرَب الماء النُّحَّاسِيَة أو الطِّينِيَة إلى البيوت التي تفتقد للآبار والمياه الجوفية. ولا شك أن الأغنية الاستفزازية السَّاخِرَة "البَسْكْرِي الأعْمَى طَاحْ فِي بِيتْ المَاء..." لم تَأتِ من العَدَمِ...

أما جيرانهم الأغواطيون الذين اشتهروا بالأمانة والنزاهة فقد مارسوا مهنة الحراسة وكانوا "نُوبَاجِيَة"، بمصطلحات ذلك العهد، يسهرون على مداخل وأبواب القصور والمدينة وغيرها من الهيئات العمومية.

الميزابيون كانوا مُلاَّكا لِمَطَاِحن الحُبوب وللمخابز الصّغيرة الخاصة التي كانت في جوهرها كُوشَات تكتفي بِطَهْيِ الخبز العائلي الذي يُحضَّر في البيوت وتأتي به إليهم النساء أو الوصيفات أو الأطفال، وهو الأمر الذي لم يعد يحدث إلا في المناسبات في زمننا الحاضر. كما امتلك أهل الميزاب الحمامات حتى قيل إنها كانت احتكارًا لهم دون غيرهم في حقب مُعَيَّنَة، وقد قال عنهم الفرنسي فُونْتُورْ دُو بَارَادِي في القرن 19م إنهم من الطبقات المحظوظة في المدينة.

 

الأفارقة الزُّنُوج

أما أسْفل السُّلَّم الاجتماعي لمدينة الجزائر فهو من نصيب الزنوج أو الجالية السوداء التي لم تكن مُجَرَّدَ "بهائم بشرية" كما قال أحد الرحالة الأوربيين الجاهلين بالحياة العامة في قصبة الجزائر وذوي الاطِّلاع السطحي عليها. إنَّهم أناس وَجَدُوا أنفسَهم في هذه المدينة إما في سياق هجرة اختيارية أو كعبيد، لكن كعبيدٍ مُحَاطين برعاية ومعاملة إنسانية لا تختلف عن معاملة بقية أفراد العائلة في البيوت التي اشتغلوا فيها كخدم أو كوصيفات. الوصيفات اللواتي لم تكن البيوت البورجوازية تخلو منهن إلى درجة أن عدد النساء الزنجيات كان يفوق عدد الرجال الزنوج في إيالة الجزائر حسب الانطباعات المُسَجَّلَة في كُتُبِ ومُؤَلَّفَات الرَّحَّالة الأوربيين.يُضاف إلى هؤلاء العبيد السود فئة من الذين تم عتقهم أو الذين ينحدرون من "المعتوقين" ليُشَكِّلَ الجميعُ ما كان يُعرف بـ: "جماعة الوَصْفَانْ".

وإذا كان العبيد يشتغلون كخدم في البيوت والقصور ويتمتعون بالحماية وحسن المعاملة من طرف مستخدميهم، فإن الأحرار كانوا حِرَفِيِّين و جِيَّارِين و حَصَّارِين، وكانوا أيضا موسيقيين وموسيقيات، و"كِيَّاسِين"، و "كيَّاسَات"، أو "طَيَّابَات الحَمَّام" كما يقال في الأوساط الشعبية، في حمَّامات المدينة كحمّام الفويطة وحمّام السّْبوعة وحمّام سيدنا الذي ما زال موجودا قرب جامع كتشاوة..، غير أنهم بقوا في أغلب الأحيان في أسفل المجتمع من حيث أوضاعهم الاجتماعية والاقتصادية، دون أن يعني ذلك انعداما تاما لوجود زنوج من ذوي الثراء والجاه...

في غالب الأحيان لم تَحُل العبودية دون ممارسة البعض منهم لِحِرَفٍ ومِهَن مأجورةٍ كما يؤكد ذلك الأرشيف والشهادات التاريخية العديدة. ففي سياق تناوله للنشاط الاقتصادي لنساء مدينة الجزائر، ذكر الباحث الإسرائيلي تُولّْ شُوفَالْ أَمَة سوداءَ كانت تشتغل "مُعَلِّمَة حَمَّام الجنينة"، على حدِّ تعبيرِه، توفِّيَتْ في شهر أكتوبر من سنة 1802م وتَرَكَتْ بَعْدَ وَفَاتِهَا مِيرَاثًا قُدِّرتْ قيمته بمبلغ 1762 رِيَّال الذي يُعتبر ثروة كبيرة في ذلك الوقت أكْبَرَ بِأربعةِ مرَّات من الثروة المتوسطة لنساء قصبة الجزائر في الفترة الممتدة من 1786م إلى 1803م. وحتى تتضح الصورة أكثر فإن هذه الأَمَة كانت أكثرَ ثراءً، على سبيل المثال، من "نَفِيسَة المَدَّاحَة" التي وإن كانت حُرَّةً لم تتركْ بعدَ وفاتِها أكثرَ من 22 ريالاً، أو "فاطمة الكمنجة" التي لم تتجاوز تَرِكتُها 400 ريال. كما أكد شُوفَالْ على أن الميزابيِّين كانوا يُوَظِّفُون في حَمَّامَاتِهم "الوصيفات"، أي الأَمَات الزِّنجيات، خلال ساعات اليوم المخصصة لاستحمام النساء. ثم يضيف: "لكن (..) يبدو أنه كانت للبعض (منهن) من المسؤوليات ما يجعلهن أكثر من مجرد موظفات عاديات". ولنترك وِيلْيَامْ شِيْلَرْ، القنصل الأمريكي عشية سقوط مدينة الجزائر بيد الاحتلال في 1830م، يضيف شيئا ما حول هذه الفئة من مجتمع "بهجة " بني مزغنة:  الزنوج يشكلون جزءا آخر من السكان، ولوأنه صغير، فهؤلاء في الأصل، من العبيد الذين اشتراهم أسيادهم من داخل القارة أو من طرابلس، ولكنهم سرعان ما يحصلون على حريتهم باعتناقهم الإسلام، و هو ما قَلَّمَا يتأخَّر أحدُهم عنه، والمعروف أن الرقيق كان دائما هنا من النوع الخفيف وهو أقرب إلى أن يكون نوعًا من العمل في مقابل العناية والحماية منه إلى العبودية (...)". ثم يُضيفُ شيلر: أمَّا "فظائع أسواق النخاسة التي تُحْدِثُ ضجةً كبيرةً في العالم والتي قيل عنها الشيءُ الكثيرُ، كلّها اتِّهامات لا أساس لها من الصحة (...)".

لم تكن حياةُ هؤلاء السُّود الجزائريين حياةً سلبية تنحصر في العمل والخدمة عند "الأسياد" ثم الأكل والنوم حتى تحين ساعة الموت، بل بالعكس كان دورهم الاجتماعي والثقافي من الأكثر تأثيرا في الثقافة الشعبية. والعديد من موسيقانا وإيقاعاتنا وعاداتنا ومعتقداتنا الفلكلورية في الوقت الحالي أخذناها من هذه الفئة التي لم تَحْظَ بِعناية الحَظِّ ورعاية القَدَر في وقتٍ مُعَيَّنٍ من تاريخٍها.

في شهر أفريل / نيسان من كل عام، كان زنوج "البهجة" يحيوْن مراسم الاحتفال بعيد خاص بهم سرعان مااستقطب بقية سكان المدينة ونساءها بشكل خاص، وهو ما كان يُعرف بـ: "عيد الفُول" ويتوافق مع موسم جَنْيِ محاصيل الفول. فَيَتَجَمَّعُ زُنُوجُ المدينة على مَقْرُبَة من ساحل باب الوادي خارج السور وبالتحديد بين قَاعْ السُّورْ وثانوية الأمير عبد القادر لممارسة طقوس الاحتفال، وإن كانوا أحيانا يقومون بهذا الحفل الذي تلتقي فيه العادات الوثنية بالروحانيات الإسلامية في شكل غريب على ساحلٍ يقع بين ساحة أول ماي و حسين داي. ثم يتقدم أمين زنوج المدينة ليذبح ثورا للمناسبة بعد التجوّل به في شوارع المدينة وهو مُزيَّن بالأغطية الزاهية الألوان وبالورود المنثورة على ظهره تحت إيقاعات الطُّبُول و"الصّْنُوجْ". لكن عندما أصبح ثمنُ الثورِ ليْس في المُتناول اكتفى المُحتفِلُون بالدَّجَاجِ فقط...وتكتمل طقوسُ عيد الفُول بِزيارة عين سيدي يَعْقُوب التي كانت تقع قرب ساحل البحر أسْفَلَ مُستشفى "مَايُو " الحالي. وهي عَينٌ شعبيةٌ اشتهرتْ بـ: "السَّبْع عْيُونْ" أو"عِينْ الجْنُونْ" وذلك لتضمّنها لِسَبْعَةِ عُيون، حسب الروايات الشعبية، تتمثل في: العين الكَحْلَة، العين البيْضاء، العين الخضراء، العين الصفراء، العين الحمراء، عين لوْن الفُول وعين "أوْلاَدْ سَرْغُو"، أيْ المسيحيين في اللهجة الجْنَوْيَّة  أو القْنَاوِيَّة المتداولة أنذاك بين زنوج مدينة الجزائر. هذا ما أكَّده أيضا المواطنُ البريطانيُ جُونْ مُورِيلّْ  الذي زارها في بداية خمسينيات القرن 19م. ويبدو أن عين أولاد سرغو قد خُصِّصَتْ للمسيحيين...

كانت "عين الجنون" أو "السبع عيون"، حسب معتقدات ذلك العهد، مرتعا أو حتى مَقَرًّا للجن الكبير، الشهير جدا حتى اليوم بالبلدان الإفريقية المجاورة لحدودنا الجنوبية، المعروف بـ: "بابا موسى"، أو"سيدنا الباهان"..، الذي يُقال إن أصلَه من مالي، وإن رُجِّحَ نسبه إلى النيجر، واستقر "بِفَحْصِ" مدينة الجزائر وأصبح مَحَلَّ تقديسِ العبيد وحتى الأحرار السود الأفارقة المقيمين بالإيالة بصفة خاصة، فكانوا يغتسلون ويشربون من ماء العين تَبَرُّكًا وتزلفا للباهان راجين الفوز بِرِضَاه. لكن في الحقيقة لم تكن هذه الطقوس الخاصة بسيدنا الباهان سوى عادة أتى بها الزنوج من بلاد السودان، أي مالي والنيجر، وانتشرت في مدينة الجزائر رغم تحفظ رجال الدين منها...

 

بعد الانتهاء من طقوس الذبح يتوجه الجميع إلى العين سابقة الذكر لملأ مائها في القِرَب و مختلف الأواني للتبرُّك به لشيوعِ الاعتقاد بقداسته في مثل هذه المناسبة، خاصةً في أعقاب تقديم القربان. وتُضْرَبُ الخِيَمُ بألوانٍ متنوعة وزاهية، يغلبُ عليها اللونُ الأحمر، على طول محيط موقع الاحتفال الذي يتخذ أشكالا مهرجانية جماهيرية مثيرة نالت اهتمام الكثير من الأوربيين، من بينهم الفنان التشكيلي الفرنسي الشهير أُوجِينْ فْرُومُونْتَانْ الذي عَلَّقَ عليها في أحَدِ مُؤلَّفَاتِه. كما تقام في هذا المقام المطابخ والمقاهي في الهواء الطلق لينتهي الحفل بعد ساعات طويلة من الأكل والشرب والغناء والرقص والمرح على الإيقاعات الإفريقية الزنجية. هكذا كان يتم الاحتفال بـ: "عِيدْ الفُولْ" أو "عِيدْ سِيدِي بِلاَلْ" كما كان يُسميه البعض. وهكذا عاشت الجالية الإفريقية الزنجية في قصبة الجزائر طيلة قرون وهي ما زالت متواجدة بيننا إلى اليوم ولو أننا نسينا ذلك مثلما نسينا أشياء كثيرة من ماضينا وذاكرتنا...

لكن هكذا أيضا نكون قد أتْمَمْنَا تَقْدِيمَ صورةٍ عامَّة للبُنية الدِّيمغرافية لأهل "المحروسة بالله"، وحدَّدْنَا مَنْ هُوَ شَامِي فيها ومن هو بغدادي، كما يقال، وكل الرجاء أن نكون قد أجبْنا على السؤال: ""نَاسْ البَهْجَة".. مَنْ أنْتُم...؟  

نماذج من سكان مدينة الجزائر خلال العهد العثماني، من بينهم ال

نماذج من سكان مدينة الجزائر خلال العهد العثماني، من بينهم ال"التركي" والأندلسي/الموريسكي و"القبائلي" و"العربي"...
ملامح وزَيّ
ملامح وزَيّ "تركي"/كروغلي في بداية القرن 20م من بقايا مظاهر الحقبة العثمانية من تاريخ الجزائر
أحد السكان الحضر في مدينة الجزائر بداية القرن 20م
أحد السكان الحضر في مدينة الجزائر بداية القرن 20م
 
نموذج من زنوج المدينة اشتغل بعضهم في الحمامات وآخرون في خدمة البيوت، ومنهم الحمّالون، وايضا المغنون الشعبيون
نموذج من زنوج المدينة اشتغل بعضهم في الحمامات وآخرون في خدمة البيوت، ومنهم الحمّالون، وايضا المغنون الشعبيون
 
السّقّاؤون وكانوا في غالبيتهم من أهل واحة بسكرة
السّقّاؤون وكانوا في غالبيتهم من أهل واحة بسكرة
 
أحد سكان مدينة الجزائر مرتديا البرنوس...ويوحي مظهره بأنه من المنحدرين من جبال جرجرة...بريشة الفنان إيميلي ديكرز
أحد سكان مدينة الجزائر مرتديا البرنوس...ويوحي مظهره بأنه من المنحدرين من جبال جرجرة...بريشة الفنان إيميلي ديكرز
 

شوهد المقال 3748 مرة

التعليقات (0 تعليقات سابقة):

أضف تعليقك comment

  • أرسل إلى صديق أرسل إلى صديق
  • نسخة للطباعة نسخة للطباعة
  • نسخة نصية كاملة نسخة نصية كاملة
طالع أيضا
image

عبد الجليل بن سليم ـ الحراك.....الوعي الشعبي .....أو هناك بناء جديد لضمير الخلقي الجماعي

 عبد الجليل بن سليم  منذ بداية الحراك و في كل التدخلات الصحفية لاشخاص سواء كانوا مع حراك الشعب أو كانوا مع النظام يتكلمون على الوعي
image

رضوان بوجمعة ـ القطيعة مع كراهية الدكاكين الإعلامية

 د. رضوان بوجمعة  الجزائر الجديدة 159   يواصل الشعب الجزائري مسيرته السلمية من أجل الانتصار لمعركة الحريات، معركة المجتمع المفتوح الذي يبني الدولة ويحمي النسيج الاجتماعي ويؤسس
image

وليد عبد الحي ـ السلام الذي يزيد الانفاق العسكري

 أ.د.وليد عبد الحي  كثيرا ما تذرع بعض العرب بأن الصراع مع اسرائيل ارهق اقتصادياتهم، وبأنه آن الآوان للخروج من دوامة الحروب والتفرغ لبناء المجتمعات والتنمية
image

العربي فرحاتي ـ حراك الجزائر ..52 .وتصاعد الاحساس بالمسؤولية

 د.العربي فرحاتي شعب حر يستحق الاحترام ..هي جمعة حراكية ما قبل جمعة الاحتفال بالذكرى السنوية الأولى من الحراك السلمي . سنة كاملة من الخروج لاحرار
image

وليد عبد الحي ـ ملابسات الموقف التركي في الشمال السوري

 أ.د. وليد عبد الحي  أربعة أهداف تقف وراء التدخل التركي في الشمال السوري:أولا:تصفية العسكرتارية الكردية في البيئة الاقليمية المحاذية لتركيا كمقدمة لدفن احلام حزب العمال
image

رضوان بوجمعة ـ جهاز القضاء من "بن تومي" إلى "زغماتي"

 د.رضوان بوجمعة   الجزائر الجديدة 158  عرفت الجزائر منذ 1962 تعاقب 21 وزيرا على تسيير جهاز القضاء منذ 27 سبتمبر 1962 إلى يومنا هذا، وهو عدد بسيط
image

عبد الجليل بن سليم ـ الحراك....اتخاد قرار صحيح... la pausa ......XAVI....

عبد الجليل بن سليم  أحسن مكان يمكن أن ندرس فيها و نحلل طريقة اتخاد القرار هي كرة القدم و هدا مافعله Torbjörn vestberg القصة
image

أحمد سعداوي ـ اسقاط النظام هو المطلب الأكثر واقعية وجذرية. . لماذا؟!

أحمد سعداوي لان اسقاط النظام [السياسي] لا يعني اسقاط الدولة. فكل ما بذله النضال السلمي الثوري من تضحيات هو من أجل بناء الدولة أصلاً،
image

العربي فرحاتي ـ الأحزاب الجزائرية ...والتطبيع بمدخل "السلطة الفعلية" ..

د. العربي فرحاتي  تعبير " السلطة الفعلية" يعني في ما يعنيه سياسيا أنها سلطة مفروضة على الشعب كواقع بأية صيغة من صيغ الفرض.ومن حيث

:

لا توجد مدونات لهذا الموضوع

قيم هذا المقال

0
Free counter and web stats